تحقيق

ريع تصاميم التهيئة

«الصباح» ترصد كيف تحولت كلميم إلى مختبر لتجربة كل أنواع أسلحة مافيا العقار

لم تكن الاتهامات المتبادلة بين أطراف أزمة جهة كلميم واد نون نارا بلا دخان، إذ تحرت “الصباح” مئات الوثائق لتقف عند قرائن ووقائع تكشف الخيط الرابط بين مافيا السطو على العقارات والمنتخبين
في ظل حياد سلبي لسلطة الوصاية، ومظاهر تسيب وصل شرعنة البناء العشوائي والتجزيء السري بالشهادات الإدارية، ونهب خزينة الدولة بادعاء امتلاك أراضي المرافق العمومية
بملكيات متحركة استعملت لاستصدار عشرات مطالب التحفيظ لكل واحدة منها.

إنجاز: ياسين قُطيب – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

لم تكن الاتهامات المتبادلة بين أطراف أزمة جهة كلميم واد نون نارا بلا دخان، إذ تحرت “الصباح” مئات الوثائق لتقف عند قرائن ووقائع تكشف الخيط الرابط بين مافيا السطو على العقارات والمنتخبين
في ظل حياد سلبي لسلطة الوصاية، ومظاهر تسيب وصل شرعنة البناء العشوائي والتجزيء السري بالشهادات الإدارية، ونهب خزينة الدولة بادعاء امتلاك أراضي المرافق العمومية
بملكيات متحركة استعملت لاستصدار عشرات مطالب التحفيظ لكل واحدة منها.
تنوعت خروقات التعمير في كلميم وتعددت بدءا من رخص السكن التي كانت تمنح دون المرور عبر لجنة التعمير، التي يفترض تشكيلها من ممثلين عن كل المصالح المعنية، وتتوفر “الصباح” على نماذج رخص سكن بدون ترقيم، وتبين أنها كانت تقيد في سجل سري ممسوك من قبل كاتبة خاصة في المجلس، تضمن كذلك رخص التزود بالماء والكهرباء.

التجزيء السري

وبدورها تسببت الشهادات الإدارية المفبركة في هدر المال العام وتشجيع ظاهرة التجزيء السري، إذ كان المجلس يمنح وثائق تمكن أصحابها من بين بقع تتراوح مساحتها بين 100 متر مربع و600 دون الالتزام بالتجهيز، ما يعني أن الجماعة ستتكلف في ما بعد بمد الطرق وتهيئة الشوارع والأزقة والإنارة العمومية، والغريب أن الوثائق تؤكد أن الأمر يتعلق بأراض يجب أن تكون موضع عمليات تجزئة يتكلف بها أصحابها، ومع ذلك يحصلون على شهادات إدارية تسمح لهم بالبيع دون صرف درهم واحد بما في ذلك الرسوم التي تحرم منها خزينة الدولة.
ولم يتردد الرئيس حسب وثائق تتوفر “الصباح” على نسخ منها، في ارتكاب خروقات بالجملة لقانون التعمير، كما فعل عندما غير طبيعة منطقة كاملة في تصميم التهيئة حولها بدون الرجوع إلى اللجنة المشتركة، متجاوزا سلطة الوصاية ممثلة في الولاية، إذ حول حيا مخصصا للفيلات إلى منطقة للعمارات.

ورصدت “الصباح” وجود عشرات الرخص الممنوحة من قبل لجان منقوصة، إذ تمت دون حضور ممثل الولاية، كما هو الحال بالنسبة إلى الرخصة رقم 346 الصادرة بتاريخ 16 أبريل 2014، التي لم يوقع عليها إلا رئيس قسم الأشغال بالبلدية ومدير الوكالة الحضرية بالنيابة، من أجل تمكين منتخب نافذ من بناء عمارة من أربعة طوابق في حي مخصص للبنايات المكونة من السفلي زائد طابقين، لكن ممثل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب لم يكتف بعدم التوقيع بل أرسل محضرا بهذه المخالفة إلى رؤسائه دون جدوى.
وامتدت خروقات بلدية كلميم إلى الجماعات المجاورة، كما هو الحال في صفقة بيع أرض من 10 هكتارات من قبل المنتخب المذكور إلى سلسلة أسواق كبرى معروفة، مقابل 4 ملايير سنتيم، في حين أن ثمنها الحقيقي لا يتجاوز 100 مليون، وتم تجهيز الأرض من قبل البلدية رغم أنها توجد في تراب جماعة أسرير، أكثر من ذلك تمكن المنتخب النافذ من تخفيض قدر ضريبة الأرباح العقارية الواجب أداؤها بـ 400 مليون على الصفقة، التي حقق فيها أرباحا خيالية، ناهزت 3 ملايير و980 مليونا لأن ثمن شرائها في 2011 هو 20 مليونا، فقد أدلى بوثيقة تؤكد امتلاكه لمصنع آجر وهمي فوق الأرض المذكورة التي لم تكن إلا أرضا خلاء خلف مطرح المدينة و المقبرة.

السطو على مصلى

كشفت طلبات تعويض مفبركة مقدمة إلى المحكمة الإدارية بأكادير بخصوص نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، النقاب عن مستنقع ريع تصاميم التهيئة بكلميم . وتمكنت “الصباح” من الحصول عن وثائق تفضح مناورات تتم في محيط مرافق عمومية أحدثت بمقتضى تصميم تهيئة كلميم، والمتمثلة في منطقة خضراء ومصلى وطريق مدارية تتوفر “الصباح” على نسخ من مذكرات جوابية موجهة إلى رئاسة المحكمة بخصوص الملف رقم 18.7112.662، والملف رقم 18.7112.661، والملف 18.7112.733.

وبالرجوع إلى الملف الأول المقدم من (ز. ل)، وهو شريك صوري وضعه برلماني نافذ، نجد فيه المطالبة بتعويض عن عقار ذي الرسم العقاري 56.11772 ، مساحته 2033 مترا مربعا بذريعة وقوعه في مجال مشروع منطقة خضراء تحمل رقم V19 بخرائط تصميم التهيئة الجديد، وهو مشروع لم ينجز إلى الآن، لكن اتضح أن أصل الملك المعتمد هو المسمى أرض “تساغ” البالغة مساحتها 4 هكتارات والموجودة في جماعة “فاصك”، تم اقتناؤها من المسمى محمد سالم مغاربي، وزحفت بقدرة قادر إلى حيث توجد المرافق التي تستوجب التعويض لنزع الملكية. لكن الثابت من شهادة الملكية العقارية أن الملك المسمى الفضل في اسم المدعي وشركائه وهم (ع. أ) و(م.ر) و(ح. ب) و(ع. ب) في حين أن مقال الدعوى قدم باسم الحسن زدناس وحده وهو ما يجعل الدعوى مختلة شكلا ومضمونا، بالنظر إلى أن الجماعة لم تضع يدها وأن تصميم التهيئة معرض للتعديل والتغيير في أي لحظة سيما أنه لم تتم المصادقة عليه بشكل رسمي.

وفي ما يتعلق بالعقار الثاني، الذي كان موضوع طلب تعويض مساحته 2243 مترا مربعا، وضع في موقع الأرض المخصصة حسب تصميم التهيئة لمشروع مصلى المرقمة في خرائط الوكالة الحضرية بـ MS وأصل الملك المعتمد هو نفسه أي الرسم العقاري 56.11772 ومن قبل الأشخاص أنفسهم، الذين طلبوا تعويضا ثالثا عن مشروع الطريق المدارية، باعتماد أصل ملك من 20 هكتارا موجودا على بعد 23 كيلومترا من مدخل كلميم، وسبق للمحكمة أن حكمت ضد صاحبه الأصلي في نزاع انتهى من تجريده منه، ومع ذلك اشتراه شركاء المنتخب النافذ.

ورطة الوصاية

كشفت مجريات دعاوى طلب التعويض عن نزع ملكية مرفوعة أمام المحكمة الإدارية بأكادير، التي تحرك خيوطها من داخل المجلس عن واقعة سطو أخرى تهم منطقة خضراء واقعة عند تقاطع الطريق الوطنية رقم N12 مع الشارعين المؤديين لشارع عبودة وشارع المهدي بن تومرت.
وطالب الشركاء بأكثر من مليار سنتيم تعويضا لهم، مع أن الأمر يتعلق بحديقة موجودة قبل عقود خلت، وأن أصل الملك المستعمل عبارة عن عقد بيع مسجل لدى قسم التوثيق بمحكمة كلميم تحت عدد 288 صفحة 252 سجل رقم (48 الأملاك) بتاريخ 4 فبراير 2011، يهم أرضية فلاحية بورية كائنة بمزارع “الفيران”، الموجودة خارج المدار الحضري للمدينة، مساحتها الإجمالية هكتار واحد، بعد أن تغيرت الحدود الأصلية للأرض لتصبح مطابقة لإحداثيات المساحة الخضراء.

وتقدم الشركاء قبل أقل من سنة بمقال يرمي إلى التعويض موجه إلى رئيس المحكمة الإدارية بأكادير ضد الجماعة والوكيل القضائي للجماعات الترابية الكائن مقره بوزارة الداخلية، يدعون فيه أنهم “فوجئوا باحتلاله من قبل الجماعة، التي خصصت جزءا منه للرصيف ومساحته 960 مترا مربعا وجزءا آخر لمساحة خضراء بمساحة 4590 مترا مربعا، بالارتكاز على محضر معاينة أنجزه مكتب مفوضين.
والتمس مطلب التعويض الذي تتوفر “الصباح” على نسخة منه، والمتعلق بالعقار صاحب الترقيم V27، الحكم بتعويض مؤقت محدد في 2000 درهم، والأمر تمهيديا بتعيين خبير في الشؤون العقارية لتحديد مساحة العقار المدعى فيه والتعويض النهائي المستحق للعارضين عن نزع ملكيتهم، وتحديد تعويض عن الحرمان من الاستغلال.

وللحصول على الشرعية القانونية، ورط المطالبون بالتعويضات سلطة الوصاية، من خلال مراسلة والي جهة كلميم واد نون بتاريخ 21 ماي 2018، من أجل تيسير الحصول على مليار و 100 مليون، بذريعة أن المادة 267 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والمقاطعات تلزم الجماعة بأداء دين أو تعويض، فإنه لا يمكن رفع أي دعوى تحت طائلة عدم القبول إلا بعد إحالة الأمر مسبقا على عامل العمالة أو الإقليم، أو من ينوب عنهما.

تأميم العشوائي

تنازل رئيس مجلس بلدية كلميم عن مئات الدعاوى المرفوعة من قبل الجماعة على أصحاب مخالفات التعمير، وهو ما وصفته المعارضة بالعفو العام عن المتهمين بالبناء العشوائي، متهمين الرئيس بهدر المال العام، على اعتبار أنه حرم خزينة الدولة من مداخيل مهمة في شكل غرامات وذعائر، إعمالا للمادة 71 من قانون رقم 66.12 متعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير التي تنص على أنه “يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم كل من باشر بناء أو شيده من غير الحصول على رخصة سابقة بذلك، أو في منطقة غير قابلة لأن يقام بها المبنى المشيد أو الموجود في طور التشييد”، على أن يتم تشديد العقوبة في حال العود، إذ تنص الفقرة الموالية من المادة المذكورة أنه “إذا عاد المخالف إلى اقتراف المخالفة داخل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى مكتسبا لقوة الشيء المقضي به يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر”.

ورخص المجلس للشركة المكلفة بتدبير النفايات ببناء مقر لها قرب المطرح، وهم الترخيص بالبناء في أرض خارج النفوذ الترابي لكلميم، أي في جماعة أسرير وفق ما خلصت إليه تحريات الفرقة الوطنية، التي أنهت بحثا دام سنتين في 50 ألف وثيقة تورط منتخبين وتنذر بسقوط أسماء كبيرة في أحزاب سياسية ومسؤولين كبار في الإدارة الترابية، تورطوا في ملفات اختلاسات بالملايير وهدر المال العام والسطو على أملاك الدولة.

ورصدت التحريات الموضوعة على مكتب الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بمراكش تأخرا كبيرا في إخراج تصميم التهيئة إلى حيز الوجود، منذ انتهاء صلاحيته في 2011 مما سمح بمنح رخص بناء مشبوهة، كما هو الحال بالنسبة إلى رخصة صادرة في اسم الرئيس بشارع ابن رشد، وسمح بالتطاول على عقارات في ملك الغير دون سلك المسطرة القانونية الخاصة بنزع الملكية، من أجل المنفعة العامة وتخصيص اعتمادات لتعويض الملاكين واستشارتهم في مرحلة التقييم المادي، وكمثال على ذلك نورد مشروع حديقة تم إنجازها بحي الموحدين قبل استصدار قرار إحداثها.
وبخصوص الاتفاقيات فإن المصادقة عليها تتم قبل عرضها على أنظار المجلس، ما جعل المستشارين أمام الأمر الواقع دون إتاحة الفرصة للنقاش الحقيقي، والاكتفاء بسجال عقيم، كما تدل على ذلك محاضر الدورات، وكذلك كان حال برنامج التهيئة الحضرية 2007.2009 وبرنامج التهيئة 2010.2015، إذ تتم التعديلات على مضامين الاتفاقيات المصادق عليها دون الرجوع إلى مداولات المجلس، مثل التغييرات المتعلقة بالمبالغ المالية المرصودة لاقتناء أراضي المشاريع الكبرى، إذ يلتزم المجلس بتوفير عقارات صافية يتم تحويلها إلى أوراش لإنجاز مشاريع أخرى.

عقارات متحركة

بدأ شركاء مسؤول نافذ في البلدية عملية التحايل على تصميم التهيئة بالحصول على عقود شراء أراض توجد أصول ملكيتها في مناطق بعيدة كما هو الحال بالنسبة إلى عقار بجماعة “فاصك” مساحته على الورق 200 هكتار، تمكنوا من وضع مطلب تسجيل له في جماعة أسرير في سفح جبل “راس النسر” المطل على كلميم، ومطلب ثان في مكان المطرح البلدي، ثم مطلب ثالث جنوب دائرة النفوذ الترابي على مستوى طريق طانطان، بالإضافة إلى استعمالات أخرى للملكية من أجل حيازة بقع وسط المدينة بعد استصدار شهادات إدارية بدعم من الشريك السري.
وفي الاتجاه المعاكس نقلت ملكيات أخرى من وسط المدينة مرورا بصهريج الماء الصالح الشرب، إذ ستظهر الملكية المذكورة في سجلات المحافظة العقارية خارج تراب بلدية كلميم في منطقة “سركس” التابعة لنفوذ جماعة أسرير، من أجل استعمالها في عملية تحفيظ جماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق