تحقيق

مطـرح مديونـة … إمـارة “البوعـارة”

يسودها قانون الغاب وعائلات حولتها إلى دواوير عشوائية ومافيا المخدرات سطت عليها

مالت كفة المواجهات، لفائدة عائلة واحدة شهيرة بمديونة، فأغلب “البوعارة” يعملون لفائدتها بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ احتكرت  المكان بالقوة، وإن  حاول أحدهم التغريد خارج السرب كان عرضة للاعتداء والطرد النهائي.

زيارة هذا الفضاء أشبه بالمغامرة بالنسبة لأي غريب. تتقاطر نظرات غير بريئة عليه، تجعل الشكوك تحوم أنه مخبر أو أمني مندس يسعى للتجسس على “أهل المكان”. يراهن “البوعارة” على النظرات المخيفة في بعض الأحيان، لإرباك الزائر ودفعه للمغادرة فورا، فهو غير مرحب به على الإطلاق،  وإن حاول تحدي رغبتهم، وأطال البقاء، تتحول النظرات إلى لغة للتهديد، وقتها يجد المرء نفسه مجبرا على المغادرة دون تردد خوفا على حياته.

لا يمكن التطرق لوضع “مزبلة مديونة” دون الحديث عن عائلة “ولد غ”، فهذه الأسرة التي تتكون من أم وثلاثة أبناء، نجحت في بسط هيمنتها المطلقة على هذا الفضاء. اختارت هذه العائلة أسلوبا خاصا لفرض قوتها وسطوتها على أزيد من ألف شخص بهذا الفضاء، لا يمكن لأحد منهم أن تطأ قدمه هذا الفضاء دون تقديم “البيعة” للأم، وفي حال “رضاها” عنه، يصبح من المحظوظين ويلقى حماية خاصة.

عدد كبير من “البوعارة” يشتغلون تحت إمرة هذه الأسرة، التي فرضت سطوتها في البداية عن طريق القوة، فكما الأمر بخصوص نشوء الدول والإمبراطوريات، دخل الأبناء في “حروب” طاحنة مع كل المنافسين منذ سنوات استقرارهم بالمزبلة. ربح الأبناء مستعينين بـ”مرتزقة” كل الحروب، ووحدوا جميع “البوعارة” تحت سلطتهم، وأجبروهم على خدمتهم مقابل حصة من المال لا تسمن ولا تغني من جوع.

راكمت هذه الأسرة ثروة خيالية كبيرة في ظرف زمني قليل، رفعتها إلى مصاف الأسر النافذة بمديونة، لدرجة أن كبار المنتخبين والبرلمانيين بالمنطقة، يتوسلون ودها ومساندتها في الحملات الانتخابية.

احتكرت هذه الأسرة جمع المتلاشيات ذات العائدات المالية الكبيرة من قبيل الأخشاب وقطع الألومنيوم والحديد والنحاس والزجاج وقنينات البلاستيك. اكترت أسطولا من الشاحنات من مختلف الأحجام لنقلها إلى مصانع بالبيضاء والضواحي من أجل إعادة تدويرها.

حاول بعض “البوعارة” التمرد على هذه الأسرة والخروج عن طاعتها، لكن الثمن كان مكلفا، إذ تعرضوا لاعتداءات جسدية ورفعت في وجوههم البطاقة الحمراء، وحرموا من دخول المزبلة.

خلال هذه السنة، تورطت هذه العائلة في مشاكل مع المصالح الأمنية بمنطقة مديونة، خصوصا بعد إدمان أحد أبنائها على الكوكايين، فاضطر إلى التواري عن الأنظار خوفا من اعتقاله.

توهم منافسون أن الوقت حان لإسقاط عرش هذه الأسرة من المزبلة، بعد أن ظلت الأم وحيدة، تشرف على كل كبيرة وصغيرة، لكن هذا “الانقلاب” فشل فشلا ذريعا، وكلف أصحابه غاليا، فالأم في عملها لم تكن تراهن على الأنباء فقط، بل استقطبت حراسا خاصين مهمتهم حمايتها ومعاقبة كل متمرد.

توسع النشاط التجاري للأسرة بشكل كبير، لدرجة أن العشرات من الشاحنات تصطف داخل المزبلة لنقل المتلاشيات إلى المصانع، والبعض يتحدث عن أرباح مالية خيالية  تصل إلى 3 ملايين في اليوم.

“الحكرة” والإجحاف

رغم أن عددهم يصل إلى ألف شخص تقريبا، داخل “مزبلة مديونة” إلا أنهم تحت رحمة عائلة “ولد الغوفال”، أغلبهم يتحدر من ضواحي البيضاء، بالنسبة إليهم المزبلة مصدر عيشهم الوحيد، لكن إن احترموا قانون “العائلة الحاكمة”.

تسند لهم مهمة واحدة، جمع المتلاشيات من كل الأنواع، مقابل أثمنة رمزية للعائلة الحاكمة. البعض اعتبرها إجحافا في حقهم، إذ كانت لهم نوايا لبيعها بأسواق شعبية وبأثمنة أفضل، لكن القانون المفروض يلزمهم بالطاعة دون نقاش .

من بين “البوعارة ” الساخطين” أحمد، اسم مستعار، يقطن بدوار قريب من مديونة، وجدت “الصباح” صعوبة في إقناعه بالبوح بما يخالج صدره، خوفا من أي انتقام، قبل أن يقتنع بالحديث في النهاية، ربما كان وسيلة للتخفيف عن آلامه والضغوط التي يعيشها يوميا في هذا الفضاء، كأنه عبد في زمن الإقطاع.

يتذكر أحمد أول مرة ولج فيها هذا الفضاء منذ سنوات، إذ نقب بين النفايات بكل حرية، وعندما هم بالمغادرة بعد أن غنم متلاشيات ذات قيمة مالية مهمة، منع من المغادرة وأجبر على بيع “سلعته” للعائلة الحاكمة في البداية وافق دون تردد، معتقدا أنه من سيحدد السعر، ليفاجأ بأشخاص يفرغون حمولته، ويسلمونه مبلغا زهيدا وطالبوه بالانصراف في الحال.

وقتها أدرك أنه وقع في ورطة، في اليوم الموالي حاول التمرد، لكن صفعة أعادته إلى جادة الصواب، فاقتنع بمصير. بالسنبة إلى لأحمد الثمن وإن كان زهيدا إلا أنه يفي بالغرض، وأنه منذ تلك الصفعة قرر تقسيم عمله، يخصص الصباح لمزبلة مديونة، لضمان مبالغ تتراوح بين 50 درهما و100، وفي الزوال يقوم بجولات بعدد من المطارح حيث يمارس عمله بكل حرية.

داخل المطرح، استوعب بعض “البوعارة ” قوانين اللعبة، ولتفادي أي مواجهات مع العائلة الحاكمة وبلطجيتها، تفادوا منافسة الأسرة في جمع المتلاشيات “القيمة”، وحصروا نشاطهم على  جميع بقايا ونفايات الخضر في عرباتهم، لإعادة بيعها لمالكي اسطبلات للمواشي والدواب بالبيضاء والضواحي.

في مناسبات يعثرون على قطع من الحديد والأليمنيوم، قد تكسبهم مبلغا ماليا مهما، يتعمدون إخفاءها في عرباتهم ووضع بقايا الخضر عليها، ومغادرة المطرح بسلام، صحيح أن هذه العملية ليست دائما موفقة، إذ في مناسبة ضبط “بوعار” متلبسا، سلبت منه “غنيمته” وتعرض لعقوبة قاسية وطرد نهائيا من المطرح.

عائلات “المزبلة”

لم يعد مطرح “مديونة” مجرد فضاء للتخلص من نفايات البيضاويين، إذ خلال جولة بالمكان، يفاجأ المرء بعشرات من “البراريك” المنتصبة هنا وهناك. في البداية ساد الاعتقاد أنها مستودعات مصغرة لتخزين المتلاشيات، لكن وجود أطفال صغار وملابس موضوعة على حبال لتجفيفها، يؤكد قطعا أنها مساكن لأسر وجدت ضالتها في هذا الفضاء.

تحول الفضاء إلى دوار مصغر للسكن العشوائي، ظروف العيش فيه قاسية جدا، إذ وجد السكان صعوبة كبيرة في التكيف مع المكان خصوصا مع الروائح الكريهة، إلى أن اعتادوا على الأمر. لكن هذا التكيف مع البيئة الجديدة كان مكلفا لعدد منهم، إذ تتفشى بينهم أمراض الربو، لكن كما قال حميد (اسم مستعار)، ” ماشي الخاطرنا، على الأقل عندنا دار فين نتخباو”.

يحترف أغلب قاطني هذه الدور الصفيحية جمع المتلاشيات، لكن تحت إمرة “الأسرة الحاكمة”، ما يحقق لهم مدخولا يوميا يتجاوز في مناسبات 100 درهم في اليوم، ومن أجل ضمان مدخول مالي إضافي، قررت بعضها فتح مقاه “عشوائية”  بسيطة جدا، تقدم كؤوسا من القهوة الرديئة والشاي، بأثمنة رمزية، في حين نصبت أسر أخرى خيما حولتها لفضاءات للوجبات الخفيفة، أغلبها مخصص لبيع السردين وبعض الخضر المقلية. لقيت هذه التجارة  إقبالا كبيرا، رغم أنها تقدم في ظروف غير صحية، إذ يكفي معاينة جحافل من الذباب عليها، لكن “أهل “البلاد” صارت لهم مناعة خاصة ضد أي تسمم.

سطوة شبكات المخدرات

“بهايم الزبالة”

بعيدا عن جمع المتلاشيات، استغل البعض مطرح مديونة لتوسيع تجارة مدرة بالأرباح، رغم أنها تشكل خطرا على صحة المواطنين وهي رعي المواشي. داخل المطرح، تتوزع العشرات من الأبقار والأغنام في لوحة فنية مثيرة، تقتات على النفايات. أول ما يثير الزائر اتساخها بشكل حولها إلى منظر بشع.

الجري وراء الربح السريع، دفع مالكيها لجلبها إلى المزبلة، رغم أن هناك فضاءات بجانبها صالحة للرعي. يراهن الرعاة على نفايات المطرح كلأ للمواشي، في مظاهر مقززة عبارة عن بقايا خضر متعفنة وأخرى ممزوجة بمواد قد تكون سامة وأتربة.

بعد أشهر من الرعي بالمزبلة، يقسم القطيع إلى فئتين، السمان تخصص للبيع في عيد الأضحى، والباقي يذبح سرا وتوزع لحومه على محلات الوجبات الخفيفة بالبيضاء (محطات الاستراحة) فقط لتفادي افتضاح الأمر.

ولطمس أي علامة على أن المواشي كانت ترعى بالمطرح، ابتكر مالكوها حيلا لإزالة الأوساخ منها، إذ يتم غسلها بمنظف “تيد” والماء وبعد أن تزول الأوساخ، يعرضونها في الأسواق بأثمنة مغربية.

إنجاز : مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق