تحقيق

الأسواق النموذجية… تلاعبات واختلالات

السكان المحليون يطالبون بالادماج في المشروع (خاص)
واجهة سوق السلامة بسيدي مومن (خاص)

استغلال مشاريع”الفراشة” لتمويل أقطاب تجارية بالملايير

تنفس الباعة الجائلون الصعداء بمنطقة سيدي مومن بداية 2008 حينما تم توقيع اتفاقية شراكة، بين عامل مقاطعات سيدي البرنوصي، ورئيس مقاطعة سيدي مومن من جهة، ورئيسي جمعيتي المصير والسلامة من جهة ثانية، كان الهدف منها إنشاء سوقين نموذجيين لاحتواء “الفراشة”، لا يتعدى عدد محلاتهما 80 محلا، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، غير أن الجمعيتين شيدتا مركبات تجارية، يضم كل واحد منها أزيد من 580 محلا، وهو ما دفع العمالة إلى فسخ العقد، وسحب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من المشروعين، واعتبرتهما مشاريع خاصة لا تدخل في إطار المبادرة، رغم أنهما شيدا فوق أراضي الأملاك المخزنية المقدرة بالملايين، ودعما من قبل مجلس المدينة بمحول كهربائي بـ 200 مليون، الأمر الذي أثار حفيظة السكان، إذ نظموا أزيد من 130 وقفة احتجاجية، يطالبون فيها بالاستفادة من المحلات، التي شرع أصحابها في بيعها بمبالغ ضخمة تبدأ من 30 مليون سنتيم، الأمر الذي دفع أحد الباعة إلى إضرام النار في جسده احتجاجا على عدم استفادته، في وقت فاق فيه عدد أصحاب “الشكارة” عدد “الفراشة”.

انجاز: عصام الناصيري

كان للأحداث الإرهابية لـ 2003، الفضل في إبراز مظاهر الهشاشة والتهميش التي كانت تعيشها منطقة سيدي مومن بالبيضاء، خاصة كاريان “طوما” و”الرحامنة”، اللذين خرج منهما الانتحاريون الذين زعزعوا البيضاء، ودفعوا الدولة إلى إعادة التفكير في سياستها تجاه الهوامش وبؤر الفقر، التي تفرخ التطرف والجريمة نتيجة البؤس الاقتصادي واتساع هوة الفوارق الاجتماعية، وهي المعضلة التي حاولت الدولة معالجتها من خلال ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الذي أطلقه القصر الملكي سنة 2005، وكان حظ كريان “طوما” و”الرحامنة” من هذه المبادرة، سوقين نموذجيين لإنقاذ شبابهما من العوز والتطرف، غير أن عشر سنوات بعد إطلاقهما كانت كافية ليتحول هذان المشروعان إلى بركة آسنة تملؤها الاختلالات والتجاوزات.

من سوق إلى مركب تجاري

بعد توقيع الاتفاقية بين أطراف مشروعي السلامة والمصير، صرف صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالعمالة الشطر الأول من التمويل، لفائدة جمعية المصير، حدد في 160000.00 درهم، وهو ما يعادل 40 في المائة من الدعم الإجمالي، الذي وصل إلى 400 ألف درهم، شريطة بناء سوق نموذجي في طبق أرضي لا يتجاوز عدد محلاته الأربعين، مع العلم أن الاتفاق يضع رهن إشارة الجمعية وعاء عقاريا تقدر مساحته بـ 4118 مترا مربعا تابعا للأملاك المخزنية، ذا الرسم العقاري 13064 ص بالرحامنة، كما استفادت من محول كهربائي شيد بقيمة 200 مليون سنتيم، من قبل المجلس الجماعي، وذلك من أجل استيعاب الباعة المتجولين الذين يعيشون ظروفا صعبة من جهة، ويعطون صورة غير حضارية على المنطقة، بعرباتهم المجرورة بالحمير، ويلوثون الشارع بفضلات دوابهم وبقايا الخضر والفواكه، ويحدثون زحمة خانقة، ويحتلون الملك العمومي من جهة ثانية.
شرعت الجمعية في تسجيل الباعة الذين كانوا يعرضون بضاعتهم في الشارع، وبعضهم قرب كاريان “طوما”، في سوق عشوائي لا تتوفر فيه شروط النظافة والسلامة الصحية، وبالمقابل انطلقت أشغال البناء في المشروع، إذ تحول من سوق صغير بطابق أرضي، إلى مركب تجاري من أربعة طوابق، بالإضافة إلى الطابق الأرضي، وطابق آخر تحت أرضي، يضم حوالي 580 محلا تجاريا، عكس ما تضمنته الاتفاقية.
وقال بوشعيب امهامكة، رئيس جمعية المصير للتنمية الاجتماعية، المكلفة بإنجاز المشروع، في حوار جمعه مع “الصباح”، إنه قرر توسيع المشروع بعدما لم يستوعب الباعة، مؤكدا أنه أخبر طرفي الاتفاقية، لكن مصادر من العمالة نفت أنها كانت على علم بتوسيع المشروع.
وبعد توسيع المشروع، أضحى مركبا تجاريا، يضم 580 محلا، بدأت الشكوك تحوم حوله، وأثار حفيظة بعض المنتخبين والحقوقيين والمواطنين بالمنطقة، إذ تتوفر “الصباح” على مراسلة موجهة إلى العامل من قبل مستشار جماعي بمقاطعة سيدي مومن، في ماي 2012، يحذر فيها من الاختلالات والخروقات التي شابت مشاريع الأسواق النموذجية بالمنطقة (سوق المصير، السلامة، التشارك)، وتقول المراسلة “يؤسفني سيدي أن ألجأ إلى أسلوب المراسلات لإثارة انتباهكم للخروقات الجمة في الأسواق النموذجية بسيدي مومن”، مضيفة “ذلك أنه تم تغييب الفلسفة المولوية السامية في هذه المشاريع التي تروم استهداف الفئات الهشة والمعوزة، حتى أن الجمعيات الحاملة لهذه المشاريع قامت بالالتفاف حول الفئات المستهدفة بمبررات واهية، بالإضافة إلى عدم التقييد بدفاتر التحملات جملة وتفصيلا، ناهيكم سيدي العامل عن المضاربات التي أصبحت العملة الرائجة في هذه الأسواق”.

تفويت محلات لغرباء

وحركت العمالة في 2012، دعوى قضائية ضد رئيس جمعية المصير، متهمة إياه ببناء مشروع غير مرخص، وتفويت محلات تجارية لأشخاص غرباء عن المنطقة، وكان الحكم الابتدائي لصالح العمالة، غير أن الحكم الاستئنافي قلب الموازين وبرء الجمعية، التي أنهت بناء المشروع سنة 2013.
وبعد انتهاء أشغال المشروع، قررت الجمعية تقسيم السوق إلى شقين، الأول اجتماعي وآخر اقتصادي، رغم أن طبيعة المشروع اجتماعية ولا تهدف إلى تحقيق الربح الاقتصادي، خصوصا أنه يدخل في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تستهدف الفئات الهشة والمعوزة، كما أنه مخالف لبنود الاتفاقية التي وقعها الأطراف الثلاثة.
ويعلق بوشعيب امهامكة، بشأن تحريف طبيعة المشروع، الذي زاغ عن أهدافه، قائلا “تمكنا بفضل الشق الاقتصادي من تمويل حوالي 80 في المائة من تكاليف إنجاز المشروع، رغم أن نسبة المحلات التي خصصت له لا تتجاوز 20 بالمائة”، لكن الوثائق التي اطلعت عليها “الصباح” تسائل هذه النسب، إذ بإجراء عملية رياضية بسيطة يتبين أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع، فإذا كان عدد محلات السوق يبلغ 580 محلا، ولائحة المستفيدين في إطار الشق الاجتماعي تضم 276 شخصا، فإن نسبة المحلات المخصصة للشق الاقتصادي تفوق 52 بالمائة، بعدد محلات يصل إلى 304 محلات تم بيعها في إطار الشق الاقتصادي للتجار والموظفين والخواص، بمبالغ تصل حسب الحقوقيين الذين تابعوا الملف إلى 40 مليون سنتيم.

العمالة تسحب المبادرة

بعد صدور حكم قضائي برأ جمعية المصير في 2014، قررت عمالة سيدي البرنوصي سحب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من سوق المصير، وفسخت العقدة في 2015، التي سبق توقيعها مع مقاطعة سيدي مومن، وجمعية المصير، كما امتنعت عن تسديد الشطرين الثاني والثالث من قيمة التمويل، وأزالت لوحتها الإشهارية التي كانت معلقة بجانب صورة الملك محمد السادس في واجهة المركب التجاري المصير. وفي 2017 جددت العمالة دعوى في حق رئيس الجمعية، وأحالت شكايات المقصيين والحقوقيين على النيابة العامة، ما استدعى تدخل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للتحقيق مع جمعية المصير حول الاختلالات والتجاوزات التي شابت المشروع.
لم تقف العمالة عند هذا الحد بل اضطرت إلى استعمال سلطتها، وقامت بتشميع السوق وأخرجت منه الباعة بالقوة، وبنت عليه جدارا بالآجر، وأقفلت مداخله بالإسمنت، الأمر الذي لم يرق الجمعية والباعة، ويعلق امهامكة، على قرار التشميع قائلا “لماذا شمعوا السوق، ولماذا أزالوا المبادرة؟ هناك 276 شخصا استفادوا من المشروع بمبلغ رمزي في إطار المبادرة”، بمعنى أنه بعد سحب المبادرة سيصبح بإمكان صاحب المشروع طرد المستفيدين من محلاتهم، لأن الإطار الذي استفادوا فيه تم فسخه، وتحول المشروع إلى مركب اقتصادي، لكن جمعية المصير متشبثة بالعمل الاجتماعي وترفض تحوير طبيعة المشروع، موضحة أنها لم تتوصل بأي إشعار يتعلق بفسخ العقدة.
ويقول حسان المساوي، عضو المجلس التنفيذي للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، “رغم الاختلالات التي شابت المشروع منذ بدايته، والتلاعب في لوائح المستفيدين، والاغتناء بفضل المبادرة، كنا إلى جانب المستفيدين بعد تشميع العمالة للسوق، لأنهم دفعوا أموالهم في تلك المحلات”، لكن مصادر “الصباح” من داخل العمالة ترد قائلة “بعد توصلنا بشكايات المواطنين والجمعيات، قررنا تشميع السوق إلى حين صدور حكم قضائي، لكن الغريب هو عندما كنا نغلق السوق اعترضنا الأشخاص نفسهم الذين راسلونا بوجود اختلالات في المشروع”.
العمالة كانت حاسمة في إغلاق منافذ السوق إلى حين صدور مقرر قضائي، بشأن تجديد الدعوى في حق جمعية المصير في ما يتعلق بالبناء دون ترخيص، لكن في ماي 2017 برأت المحكمة رئيس الجمعية، وحملت العمالة الصائر. وقالت مصادر قريبة من الملف في العمالة بنبرة آسفة “قناعتنا أن المشروع غير قانوني، لكننا ملزمون بالامتثال إلى المقررات القضائية”، موضحة أنها خاضت حربا ضروسا مع الجمعية لكن القضاء أنصفها، مؤكدة أنها لم تعد تجمعها أي علاقة بالمشروع، وأنه أصبح ذا طبيعة اقتصادية ولا يدخل في إطار المبادرة، رغم الامتيازات الكثيرة التي استفادت منها الجمعية تحت رداء المبادرة.

إقصاء أم بحث عن الريع؟

انتقلت “الصباح” إلى مكان وجود السوقين، وقابلت عددا من المستفيدين و”المقصيين” والحقوقيين، من أجل الإلمام بتفاصيل الملف، فأجمع المستفيدون أنهم حصلوا على محلاتهم بعد مسلسل دام سنوات، وبعد تسديدهم مبالغ متفاوتة للجمعية، تتراوح بين 10 آلاف درهم و40 ألفا، لكنهم يشتكون بدورهم من الباعة “المقصيين” الذين مازالوا يزاولون نشاطهم وسط شوارع وأزقة سيدي مومن، إذ ألزمتهم الجمعية بعدم مغادرة السوق، رغم قلة الزبناء، الذين يستحوذ عليهم أصحاب “الفراشة”، ما اعتبر فشلا ذريعا للمشروع، خصوصا مع استمرار “الفراشة” واحتلال الملك العمومي.
وتحدثت “الصباح” إلى عدد من “المقصيين”، سواء المضربين خارج السوق، وهم 10 أشخاص، يتهمون جمعية المصير بالالتفاف على حقهم، أو آخرين كانوا يبيعون الفواكه على عرباتهم المجرورة، فقال أحدهم متحدثا عن صديقه “هذا أخويا الأرض ديال سيدي مومن تعقل عليه كان فالسوق، ودبا حرموه من حانوتو حشومة”.
وأما جمعية المصير فتؤكد أن الاستفادة شملت جميع الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط الاستحقاق، والعمالة بدورها أبرزت أن الجميع استفاد، وأن من يدعون إقصاءهم هم أشخاص يبحثون عن الريع فقط، وأن المقصيين الحقيقيين لا يتجاوزون عشرة أشخاص، وأنها تحاول أن تجد صيغة لإدماجهم في السوق، في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، في لعب دور الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف التي تدخل في نطاق المجال الجغرافي الذي تشرف عليه، وليس باعتبارها طرفا في المشروع، موضحة أن هذا الملف تم إقفاله، خصوصا بعد المقرر القضائي الذي برأ الجمعية، وأن القرار كان في صالحها لأن هدم المركب يتطلب الملايير.

الفم المطبق لا يدخله الذباب

لعل الصمت، وإغلاق باب الحوار، وعدم الاكتراث للاحتجاجات والاتهامات، أفضل وصفة للفوز بمشروع اقتصادي يدر مئات الملايين، وهو المسار الذي اختارت جمعية السلامة سلكه، والتي تجمعها بدورها اتفاقية مع العمالة ومقاطعة سيدي مومن، إذ عهد إليها إنجاز مشروع مماثل لسوق المصير، ورغم أن حلق سكان سيدي مومن جف من كثرة الاحتجاج ضد الاختلالات التي شابت المشروع، لكن عز الدين الإدريسي رئيس الجمعية، وفاطمة الناجي، أمينة المال، اللذين هما زوج في الأصل، فضلا الصمت وعدم التجاوب مع أي طرف رغم حجم الاختلالات التي تشوب المشروع.
ويتهم نشطاء حقوقيون وسكان منطقة سيدي مومن، الجمعية بعدم الالتزام بفلسفة المشروع، سواء في ما يتعلق بالفئات المستهدفة، أو بطريقة البناء، إذ وصلت الوقفات الاحتجاجية ضد صاحبي المشروع إلى 136 وقفة، ومازالت متواصلة أمام السوق، بعد إبعاد المبادرة من المشروع، وتحويله إلى “قيسارية”، ويستغرب “الجميع” في سيدي مومن، بمن فيهم رئيس جمعية المصير، من صمت العمالة تجاه جمعية السلامة، إذ يتساءلون عن الجهة التي تحميها، إذ لم تحرك ضدها أي دعوى قضائية، ولم يفتح أي تحقيق بشأنها، رغم الزوبعة المثارة عليها في المنطقة.
السؤال نفسه طرحته “الصباح” على مشرفين على الملف داخل العمالة، وكان جوابهم أن القضاء سيستهزئ بالعمالة إن قامت برفع دعوى على جمعية السلامة، موضحين أن “المشروع الأول خضنا ضدهم حربا وأنصفهم القضاء، لماذا نرفع عليهم دعوى ومشروعهم مطابق لجمعية المصير، لأنهم يتوفرون على الوثائق نفسها وارتكبوا الأخطاء نفسها”.
واتصلت “الصباح” مرارا برئيس الجمعية، غير أن هاتفه ظل يرن دون أن يجيب، أما زوجته فأجابت بعد عدة محاولات، لكن بمجرد أن علمت أنها تتحدث إلى منبر إعلامي، قالت “لا يمكنني الحديث، لدي مشاكل في السوق”، وكان صوت المحتجين يصدح من سماعة الهاتف، قبل أن تقفل الخط، في الوقت الذي اقتحم فيه المحتجون السوق، بعد تحويله إلى “قيسارية السلامة”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق