fbpx
ربورتاج

السل ينخر مستعجلات مراكش

إصابة 11 طبيبا وممرضا وعاملون بقطاع الصحة متوجسون من انتقال العدوى إلى أبنائهم وأسرهم

ولوج مصلحة مستعجلات مستشفى الرازي التابع للمركز الاستشفائي محمد السادس مغامرة غير محمودة العواقب، بسبب التوجس والقلق اللذين ينتابان العاملين بها، بعد إصابة 11 شخصا من بينهم 7 أطباء داخليين وممرض مهني وآخر متدرب ومستخدمان اثنان (كاتبة ومسؤول عن نقل المرضى) بداء السل.
فباستثناء مريض وحراس أمن وممرضين، لا أحد يضع الكمامة على أنفه وفمه، وقاية من المرض الذي بات يتربص بالمرضى والعاملين على حد سواء منذ أن تفجرت فضيحة إصابة 11 عاملا بمصلحة المستعجلات بداء السل، عن طريق العدوى.

بكثير من الحيطة والحذر، يتنقل ممرضون بين المرضى يطلبون منهم الانتقال لحجرات الفحص والعلاج، مستعينين بكمامات لا توفر إلا جزءا بسيطا من الحماية من انتشار داء السل.
أمام هذا الوضع لم يجد الممرضون و الأطباء والمستخدمون إلا الانزواء في مكاتب وانتظار أن يتقدم أحد الأطباء للكشف عن مريض في حالة حرجة ترك هناك بكمامته ينتظر دوره وسط حشود من المرضى ومرافقيهم.

خوف وتوجس
قبل أيام أصيب ممرض جديد بنزلة برد حادة جعلت العاملين يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من التحاقه بكوكبة المصابين، ليتوجه مباشرة صوب مصحة خاصة و يجري تحاليل أثبتت عدم إصابته بالعدوى.
هناك بمصلحة المستعجلات لا حديث يعلو فوق العدوى التي تتربص بالعاملين، حراس الأمن بكماماتهم يقاومون مخاوفهم، ‪المرضى يجلسون قرب بعضهم البعض، لا يدركون أن الداء قد يكون قريبا منهم، وحدهم العاملون يعرفون حقيقة الأمر.
في قاعات الفحص لا خيار لهم إلا وضع المرضى قريبين من بعضهم رغم اختلاف أمراضهم، نظرا لضيق المكان، حيث يجلس المصاب بالسل قرب مريض آخر، ما يسهل عملية انتقال العدوى.‬ يقول أحد العاملين بمصلحة المستعجلات “‬إذا كانت 11 حالة سجلت في صفوف العاملين فقط، ترى كم ستكون من حالة في صفوف المرضى الوافدين ومرافقيهم، أكيد إذا تمكنا من الكشف سيكون الرقم مهولا، هؤلاء سوف ينقلون العدوى لأقربائهم دون أن يدركوا هم أنفسهم أنهم مصابون بالسل، وهذا هو الأخطر في الموضوع”.

صورة قاتمة
زارت” الصباح” مصلحة المستعجلات بمستشفى الرازي والتقت عددا من العاملين بها، الذين رسموا صورة قاتمة حول الوضع الذي آل إليه انتشار داء السل في صفوفهم. أسئلة كثيرة تتناسل ولا تجد لها من إجابات حول مصيرهم بعد أن اكتفى أغلب المسؤولين بالتفرج على الوضع غير مكترثين بصحة المهنيين والمواطنين.
باستثناء رغبتهم الأكيدة في العمل وتقديم المساعدة للمرضى لا شيء يحفزهم على القيام بمهامهم أمام الخوف الذي ينتابهم من أن يصابوا بداء السل وينقلوا العدوى لأبنائهم وأقاربهم، إذ يدركون أن العلاج من المرض يتطلب ستة أشهر على الأقل، أو سنة أقصى حد، دون الحديث عن الفحوصات والتحاليل التي يجريها المصاب على نفقته الخاصة خارج دائرة عمله، التي لا يعترف بها كحادثة شغل من قبل المسؤولين.

الحقيقة أن لقلقهم ما يبرره أمام الحجرات الضيقة التي تملأ المصلحة، التي لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط السلامة في بعضها، حيث يلجأ العاملون لإشعال الأضواء، بسبب عدم توفرها على نوافذ للتهوية ودخول الضوء “هي أشبه بالقبور من حيث الظلام السائد بها وعدم التهوية”، يقول عامل.
في شتنبر 2016 ابتدأ العمل بمصلحة المستعجلات بمستشفى الرازي التابع للمركز الاستشفائي محمد السادس، ومنذ الشهور الأولى من افتتاحها بدأ العاملون يدقون ناقوس الخطر حول وضع العمل غير المريح، سواء بالنسبة إلى المرضى ومرافقيهم أو العاملين، بسبب ضيق المكان وحجرات الفحص التي لا تتوفر فيها شروط السلامة، وأهمها التهوية ومعالجة الهواء والرطوبة المنتشرة في المكان بسبب الاكتظاظ، وكلها عوامل جعلت العديد منهم يتنبهون لخطورة الوضع، قبل أن تنفجر فضيحة انتشار داء السل في صفوف العاملين.

سياسة النعامة
بدل أن ينكب المسؤولون على فتح تحقيق حول المعايير التي تم اعتمادها لتشييد بناية كلفت ميزانية باهظة، اكتفوا بتكليف لجنة من المديرية الجهوية للصحة التي نهج أعضاؤها أسلوب الاستفزاز تجاه العاملين، بعد أن لم يجد هؤلاء من وسيلة لحماية أنفسهم إلا وضع كمامات، وهم يطلبون منهم إزالتها وعدم إثارة جو من “الفتنة” والرعب في صفوف المواطنين، لدرجة أن إحدى المنظفات اضطرت لإخبار أحدهم أنها تضعها بسبب تسرب رائحة المواد المنظفة التي تستعملها حتى لا تقول إنها تضعها خوفا من العدوى. ويلجأ ما يناهز 500 أو 550 مريضا يوميا إلى مصلحة المستعجلات لمستشفى الاختصاصات، من بينهم أشخاص يأتون لفحص بسيط (رتق جروح أو مغص ..) ليجدوا أنفسهم مهددين بالعدوى بداء السل، الذي قد يستغرق وقتا طويلا لتنكشف العدوى، إذ لا يعرف الشخص أنه مصاب بالسل إلا بعد أن تضعف مناعته بسبب أعراض مرض آخر (الأنفلونزا مثلا).
وحسب العاملين، فإن أغلب المصابين لم يتمكنوا من الاستفادة من الفحوصات والعلاجات الضرورية، إلا خارج المستشفى، بعد أن لجؤوا لمصحات خاصة على نفقتهم، بل إنهم لم يستفيدوا حتى من تعويضات حوادث الشغل، بعد أن أخبرهم المسؤولون، بالنسبة إلى الحالات الأولى التي ظهرت بداية، بأنهم أصيبوا خارج دائرة العمل، ما فند أقوال المسؤولين، مباشرة بعد ظهور حالات متتالية ليصل العدد ل11 حالة لحد الآن.

وسبق لأنس الدكالي، وزير الصحة، أن صرح بأن الإصابات كانت بمصلحة الأمراض التعفنية والصدرية، ما ينفيه العاملون جملة وتفصيلا مؤكدين أن الإصابات كانت بمصلحة المستعجلات، وهو أمر لم يقع في أي مستشفى في العالم.

وطالب العديد من العاملين بفتح تحقيق نزيه وشفاف حول المعايير التي اعتمدت في تشييد المصلحة، التي غيبت أهم شروط السلامة، دون أن تدع أي خيار للعاملين الذين باتت سلامتهم مهددة، كما أكدوا على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الأوضاع التي بات المركز الاستشفائي محمد السادس يتخبط فيها منذ إنشائه في 2002.

في 2002، عندما فكر مسؤولو الصحة في إنشاء مركز استشفائي بمراكش، ووجهوا برفض قاطع من قبل العديد من المهنيين في الصحة بمراكش، أولا لرفض هؤلاء أن يشيد مركز استشفائي بعيدا عن مستشفى ابن طفيل، حيث يتطلب تنقل الأطباء الأساتذة بين كلية الطب والمركز الاستشفائي ومستشفى ابن طفيل أمرا غير هين، سيدفع ثمنه المرضى، من جهة، ومن جهة أخرى لتوفر فضاء كاف لتشييد المركز بمحاذاة مستشفى ابن طفيل, ورغم المبررات والمعركة التي خاضها المعترضون إلا أن المركز شيد وفق ما سطر له، دون اكتراث بالأصوات المعارضة، والنتيجة مركز استشفائي ضخم بميزانية كبيرة لا يستجيب لحاجيات سكان مراكش و النواحي.

حلول ترقيعية
لم يجد المسؤولون عن المصلحة من ‪و‬سيلة للحد من القلق الذي ينتاب العاملين إلا نقل مصلحة المستعجلات نحو مستشفى ابن طفيل، علما أن هذه الأخيرة تعاني بدورها مشكل الإكتظاظ ونقص الأطر الطبية وشبه الطبية، دون الحديث عن صعوبة تنقل الأطباء المتخصصين من مستشفى الرازي إلى مستعجلات ابن طفيل للكشف عن المرضى الوافدين وتوجيههم نحو المصالح الإستشفائية المختصة، بالإضافة إلى غياب معايير السلامة والوقاية من انتقال العدوى بين العاملين والمرضى.

حالة من الفوضى تسود المصالح الاستشفائية بالمستشفى ذاته، الذي تفاقمت مشاكله منذ ابتدأ العمل به قبل أربع سنوات، بدءا بتسرب المياه في أحد أجنحته و إلحاق أضرار جسيمة بالعديد من التجهيزات الطبية التي لم يكن قد شرع في استعمالها بعد، ما دفع بعاملين للمطالبة بفتح تحقيق حول الصفقة التي كلفت المركز الاستشفائي ميزانية ضخمة، إلا أنه لاشيء تحقق منذ انفجار الفضيحة.
رجاء خيرات (مراكش)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى