fbpx
حوار

الاحتجاجات كشفت ضعف الوسطاء

ساعف المفكر والوزير السابق قال إن إغلاق المناجم حكم على مجموعة من المدن بالموت

أكد عبد الله ساعف، وزير التربية الوطنية السابق، في حكومة التناوب، والأستاذ الجامعي، إن موجة الاحتجاجات الأخيرة التي انفجرت في جرادة والحسيمة ومناطق أخرى، تقتضي إعادة التفكير في مسألة التمثيلية السياسية للأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، موضحا أن عددا من المدن حكم عليها بالموت بعد إغلاق المناجم، التي كانت مصدر عيش سكانها المحليين. وشدد ساعف على أن مطالب المحتجين، وطريقة تعاطي الدولة معها، والحلول المقترحة، غير كفيلة بتغير الأوضاع، داعيا إلى اعتماد ترسانة من السياسات العمومية الشاملة. ويكشف ساعف في هذا الحوار أسرارا مثيرة حول علاقته بصديقه الفقيه البصري.
أجرى الحوار : عصام الناصيري – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

< كيف تعيش المدن المنجمية اليوم؟
< العديد من الفضاءات المنجمية خلقت مدنا، وجلبت الناس، وكانت فيها حياة مجتمعية، لكن بمجرد الانتهاء من استغلال معادنها، تختفي هذه التجمعات البشرية، فلما كانت الأشغال منتعشة داخل بعض المناجم كانت الحياة مزدهرة بدورها في التجمعات القريبة منها، فقد كانت هناك عائلات وعمال وتجارة، لكن بانتهاء المعادن تشتتت واختفت تلك التجمعات.
إذن المناجم التي ما تزال تشهد حركية اليوم، من المفروض أن تأخذ العبرة من المناجم التي أغلقت. كما يجب التفكير في مستقبل مناطق مثل اليوسفية وخريبكة وورزازات، ووقف التعامل بالنظام القديم، الذي يقوم على التعويضات ذات الطابع النقابي الكلاسيكي، بمعنى أنه إذا تم تسريح عامل يعوض ماليا، ولا يتم التفكير في مستقبل المنطقة، لأن هناك سكانا آخرين وليس العمال فقط، بمعنى أنه عندما ينتهي الاستغلال يتم الحكم على المنطقة بالموت.

< من يتحمل مسؤولية إغفال المشاريع التنموية الموازية للاستغلال المنجمي؟
< هي مسؤولية الدولة، لأنها تلعب دورا مركزيا في واقعنا، ومسؤولية المقاولات العمومية الكبرى، التي من الضروري أن تتدخل في قضايا مختلفة، بالإضافة إلى الشركات وكافة الفعاليات الأخرى. لكن يبقى تدخل الدولة مركزيا، لأنها تلعب دورا إستراتيجيا، عندما لا يكون هناك وعي عند باقي الأطراف المتدخلة في العملية، وبالتالي يجب أن تفكر إستراتيجيا في آفاق هذه الأقاليم والجهات المعنية بهذا النشاط.

< ألا ترى أن بعض المناجم شكلت عبئا على سكان مناطق وجودها، كما هو الحال بالنسبة إلى إقليم تنغير، الذي يشتكي سكانه من مشاكل صحية وبيئية واقتصادية بسبب استخراج المعادن؟
< ما علمته أخيرا أن المغرب يفتقد إلى خرائط حول ما يوجد في المنطقة من موارد، وحتى البنية الجيولوجية غير محددة بشكل دقيق، فنموذج جرادة أظهر أن عدة جوانب لم تأخذ بعين الاعتبار. فقرار الاستغلال يجب أن يراعي مجموعة من العوامل، مثل طريقة الاستغلال، وما يجب أن يستغل وما يجب تركه، وهذا يحتاج إلى مناقشة ومداولة، واستخلاص العبر، ووضع مخططات للتعامل مع هذه الفضاءات.
لا أقول إن الاستغلال جميل أو قبيح، لكني أرى أنه يجب إشراك الجميع في هذا النقاش، جمعيات مدنية، ومنتخبين، وقوى حية في المنطقة.

< بماذا تفسر تنامي الاحتجاجات بعدد من المدن الهامشية، هل نحن أمام موجة احتجاج جديدة، وهل تترجم استمرار مقولة المغرب النافع وغير النافع؟
< السبب المباشر هو خصوصية بعض المناطق، كما هو الحال بالنسبة إلى الريف وجرادة ، كما أن هناك بعض الأسباب التي تدخل في إطار ما هو عام.
فبالإضافة إلى خصوصية الحسيمة وجرادة مثلا، هناك أيضا بعض الأمور العامة، مثل وضعية الشباب وانسداد الآفاق، والجو الاجتماعي الذي لا يسمح للجميع بالتنفس والخروج من هذا الإطار الضيق، الذي يعبر عنه بصيغة أننا ضحايا وأن الإمكانيات منعدمة. لكن الإشكال في هذه الاحتجاجات هو أنه يجب معالجتها الآن، لأن خصوصية تلك المناطق امتزجت مع ما هو وطني، فسكان الريف يقولون إن هناك خصوصية تاريخية، وجرادة يميزها العمل المنجمي، وهناك تنغير ومناطق أخرى.

هوان الأحزاب والنقابات
< يلاحظ أن المحتجين أصبحوا يرفضون الوساطات الحزبية أو المدنية ويطالبون بحضور الدولة ووفود وزارية كما هو الحال في الحسيمة وجرادة، هل فقدوا الثقة في هذه الإطارات السياسية؟
< رغم وجود هذه الآليات، إلا أن بلدنا ما يزال يفتقر إلى شبكات الوساطات وفضاءات الحوار الوطنية والجهوية والمحلية، وما يوجد اليوم قليل جدا، وهذه الوساطات الموجودة حاليا تكتفي بنقل خطاب السلطة إلى المحتجين، وتلعب دور التواصل بينهم وبين مراكز القرار. وما هو مبرمج في الدستور لم يفعّل بعد، بما في ذلك الجهات والجماعات الترابية. أما الفاعلون التقليديون الممثلون في الأحزاب والنقابات، فإنهم أصيبوا بالضعف في الوقت الراهن، والمجتمع المدني كذلك ليس استثناء، لأنه لا يوجد في أوج قوته. لكن مشكلة هذه الحركات، رغم أنها منظمة ومهيكلة، وتكون محاطة بالعزيمة والتأكيد الذاتي لمتزعميها بأنهم سيبقون على مواقفهم، غير أنه بنيويا ليس هناك ضامن لاستمراريتها.

التهدئة ليست حلا
< بالنسبة إليك، ما هو أفق هذه الاحتجاجات، هل ستشكل بداية مصالحة تنموية مع عدد من المدن، أم أن نيران الاحتجاج ستخمد وسيبقى الوضع على حاله؟
< في اعتقادي، التهدئة وإرضاء الخواطر والحلول الوسطى ليست حلا، بل يجب إعادة صياغة السياسات العمومية بشكل معمق، وبلورة نهج شمولي في مجالات التنمية، وبإمكانيات في مستوى التحديات، وحتى لا أتحدث في العموميات، هناك بعض الأمور المستعجلة، من قبل الشغل للشباب، وعمل كبير يجب أن يتم على مستوى الأقاليم والجهات، ودور الدولة أساسي، لا يمكن أن ننتظر كما توصي المنظمات الدولية الزيادة في حجم الاقتصاد، وتوسع الثروة المغربية، وحينها السوق سيمتص البطالة. ولهذا فالسياسات العمومية الآنية، التي هي عبارة عن ردود فعل، وأيضا مطالب هذه الحركات الاحتجاجية، لن تمكننا من تجاوز هذا الوضع، والانتقال إلى مستوى أفضل.

في حاجة إلى "حكاية وطنية"
< هل تعني أن مطالب هذه الحركات الاحتجاجية لا ترقى إلى مستوى المشاكل والتحديات المطروحة؟
< هذا ما أحاول قوله، فما تقوم به الدولة، وما يطالب به المحتجون، غير كفيل بتجاوز الوضع، والمطلوب اليوم هو موجة قوية من السياسات العمومية، ومشروع مجتمعي، أو ما يطلق عليه "النصارة" في بعض الدول الأوربية حكاية وطنية جديدة، تحرك المجتمع وتعبئه من العمق وتعطيه روح التنمية، ودور الدولة أساسي في هذا المسلسل، بالإضافة إلى المقاولات العمومية الكبرى، والبنيات المحلية والإقليمية، أي الجماعات الترابية والجهات والأقاليم.

< تابع الرأي العام انبثاق عدد من الحركات الاحتجاجية من الهوامش، هل تعتقد أن دور المدن الكبرى في احتضان الاحتجاجات تراجع مقابل تعاظم دور هذه الهوامش؟
< من الصعب الحديث عن حركة احتجاجية، لأنها دائما ما كانت مكسرة ومتقطعة، لا زمنيا ولا ترابيا، مثلا في 2007 كانت صفرو مشتعلة، بينما كانت البهاليل وفاس المتاخمتان لها هادئتين، الأمر نفسه بالنسبة إلى تزنيت التي كانت هادئة، وغير بعيد عنها كانت إيفني تغلي. إذن هي موجات مكسرة، لا تنمو في الوقت نفسه، وحتى في 20 فبراير كانت الاحتجاجات متفاوتة، حسب المدن والوقت، تارة كنا نجد أن طنجة أكثر المدن احتجاجا، وتارة أخرى نجد الرباط أو البيضاء، بشكل متفاوت ومتقطع، فعندما يعلو مستوى الاحتجاج في منطقة معينة يخفت بريقه في منطقة أخرى. إذن أنا أرى أن الطابع نفسه يخيم على المدن والهوامش.

إعادة التفكير في التمثيلية
< تابعنا أن الاحتجاجات الأخيرة اكتست طابعا اجتماعيا واقتصاديا، بينما في وقت مضى كانت بسبب دوافع سياسية، ألا تعتقد أن النضال من أجل الحقوق والحريات السياسية تراجع أمام المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والتنمية المحلية؟
< في قلب هذه المطالب الاجتماعية توجد جوانب سياسية، مثل الحوار والديمقراطية التشاركية، لكن هذه الحركات الاجتماعية والاقتصادية في حد ذاتها مطالب سياسية في تحركها، ولا يعني أن لائحة مطالبها لا تتضمن مفاهيم مثل الدستور أو الانتخابات، أي أنها ليست سياسية، هي حركات سياسية وفيها مواقف من خريطة المؤسسات، وما يتكرر اليوم من احتجاجات، يعبر عن موقف مفاده، ألا أحد يمثلنا ونحن هكذا، وهذا يقتضي إعادة التفكير في مسألة التمثيلية.

الفقيه البصري كان قريبا من السلطة
< حدثنا عن روايتك الأخيرة "سر الشارع الكبير" التي تناولت شخصية صديقك الفقيه البصري المعارض العنيد لنظام الملك الحسن الثاني؟
< كانت تجمعني علاقة صداقة خاصة بالفقيه البصري، عرفته في الثمانينات في مهمة قادتني إلى بغداد عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التقيته هناك لأول مرة، ولاحظت أن الجميع كان يتهرب منه، ربما كان هناك خوف أمني تجاهه. واستمرت العلاقة في أماكن مختلفة، حتى تاريخ دخوله إلى المغرب وإلى أن توفي، وعشت معه عدة لحظات في لقاءات بباريس والجزائر وبيروت قبل دخوله. وأقارن في هذه الرواية أساسا بين نشأة يسار الحركة الوطنية الذي يمثله البصري بشكل ما، وبين يسار راديكالي من فترة السبعينات، يمثله شاب التقى بالفقيه البصري في بيروت.
وكان البصري يوصف بـ "البلانكية"، التي تفيد أنه فاعل سياسي لا يفكر سوى في قلب النظام من أعلى، وكان ينعت أيضا بـ"المتآمر الدائم"، بمعنى أنه لا يخرج من محاكمة بسبب محاولته لقلب النظام حتى يدخل في أخرى.
وبالنسبة إلي، كان الفقيه البصري يمثل نشأة يسار معين يفكر في قلب النظام، الذي كان جزءا منه في البداية، إذ كان قريبا جدا من السلطة غداة الاستقلال. وهذا الكتاب هو مقارنة بين ملامح يسار خرج من رحم الحركة الوطنية من جهة، وليس البصري من يمثله وحده، بل هناك عبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد و اليسار الماركسي من جهة أخرى، وكانت مناسبة لإبداع حوار بين هذين التيارين، والقصة مليئة بحكايات الفقيه حول الكفاحات التي اعتبرت امتدادا لمعارك الاستقلال، والناصرية والقومية العربية والقضية الفلسطينية وعلاقته بسوريا والعراق، وكذلك الجزائر التي لم تكن علاقة ثابتة، بالعكس كانت صعبة. والكتاب أيضا محاولة لفهم تاريخنا الاجتماعي من خلال الملامح السياسية.

< لماذا كتبت عن الفقيه البصري، رغم أن هناك اختلافا جوهريا بينكما في الرؤى لطبيعة الممارسة السياسية؟
< كان صديقي، رغم أننا كنا مختلفين، وناقشنا هذا الأمر مطولا، سواء عندما كان يقيم في بعض الدول العربية أو عندما جمعتنا لقاءات كثيرة في باريس، وحتى عندما عاد إلى أرض الوطن. فعلا كانت اختلافات واضحة، ولكن هناك ما يسمى الانسجام، بالنظر إلى مساره الذي يستحق الاحترام، ولهذا السبب اخترته. كان لديه أعداء وخصوم كثر، في المغرب وخارجه، إذ هناك من اعتبره مقاولا سياسيا، وأن مساره غير سليم، لكني كنت من الأشخاص الذين يكنون له الاحترام، لأني لمست قوة شخصيته عن قرب.

النظام هزم البصري

< هل لاحظت تغيرا في مواقف الفقيه البصري بعد عودته إلى المغرب، أم ظل ثابتا على مواقفه خصوصا في ما يتعلق بالملكية؟
< بقي هو هو، وأبان عن أنه لم يستطع طي صفحة الماضي، لكنه بالمقابل كان واعيا بأنه فشل في مساره، لم يكن يفصح عن هذا المعطى، لكن تشعر أنه منكسر، غير أنه بقي "ميت فالخط". أنا لمست من خلال بعض نظراته أنه يشعر بأنه قد هزم، وأن النظام كان يبدو أنه يتغير بدوره، وكنت أرى نظراته الحزينة تقول، هل كل ما فعلته يستحق أن أكون في الوضع الذي أنا عليه، كان لديه كبرياء مناضل قوي.
ويمكن أن يكون حدسي خاطئا، لكن كنت أعتقد أنه كان يشعر بالهزيمة، وليس وحده، لأن حتى من أخذ مسار المشاركة، والنضال الشرعي شعروا كذلك بالهزيمة، لكن الفقية كان يجسد يسارا معينا، وأبقى على مواقفه الراديكالية، وأنا منذ دخولي الجامعة في السبعينات أستاذا لتاريخ الفكر السياسي، جرى احتكاكي بعدد من الشخصيات السياسية، وعندما تدرس هذه الشخصيات وتدخل في جلدها، تعي مع أي نوع من الأشخاص تتعامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى