fbpx
تحقيق

سبتة… حقائق من داخل المدينة المحتلة (الحلقة الرابعة)

إسبانيا تدعم إسلاميين سبتاويين للانقلاب على الوصاية المغربية على الحقل الديني بالمدينة

يصورها الإسبان على شكل “امرأة مستلقية” على مضيق جبل طارق، وهذا ما يمكن أن يتخيلوه من ضفتهم، لكن كل مغربي يصعد فوق جبل بليونش، لن تظهر له أي امرأة مستلقية أو نائمة، سيعيق نظره السياج السميك الذي يفصله عن أرض تسمى “سبتة”، أنجبت قضاة وفقهاء وأطباء وعلماء أغنوا بكتاباتهم واجتهاداتهم الخزانات المغربية والعالمية… ورغم مرور أزيد من خمسة قرون على احتلالها استحال على الإسبان فصلها عن طبيعتها وجغرافيتها وتاريخها… وحتى بوجود علم الاتحاد الأوربي المرتفع بالمعبر الإسباني على الأرض المحتلة، فلا أحد يمكنه أن يقول إن إسبانيا توجد في إفريقيا أو أن سبتة في أوربا.
“الصباح” قضت ستة أيام بالمدينة وتنقل في سلسلة تحقيقات واقع سكان المدينة تحت الاحتلال، بين السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي، في ظل أزمة وتمييز عنصري حركا انتفاضة مليلية، وإنزال أمني واستخباراتي تخوفا من اندلاع انتفاضة أخرى بسبتة يمكن أن توقظ تلك المرأة المستلقية على أرض “سيوتا” وهو الاسم المحرف إسبانيا للمدينة السليبة.

تقدر المساحة الإجمالية لمدينة سبتة ب18.5 كيلومتر مربع وطولها لا يتجاوز ألفي متر وعرضها 1500 متر، وهي تأخذ شكلا هندسيا عبارة عن شبه جزيرتين تعبر منهما قناتان وتتوسطهما قلعة تاريخية، ما يفسر الوصف الذي أطلقه عليها الشاعر السبتي «مالك بن المرحل» حين وصفها بالقول «كأنما عود غناء وقد ألقي في الماء على بطنه».
اليوم يتذكر سكان المدينة المحتلة وهم يحتفظون بكتب تاريخية عن سبتة في خزانات بيوتهم، فقهاء وعلماء، كان في زمنهم الثغر المستعمر حاليا منارة علم تضم أزيد من 50 خزانة علمية و150 مدرسة شرعية و40 مركزا دينيا تخرج منها علماء بينهم الشريف الإدريسي والعباس السبتي والعشرات من رجال الدين الذين كانوا مراجع في العلوم الشرعية والفقه بالمغرب.

مراجع دينية سبتاوية
يقول العربي علال متعيش، رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية بسبتة، “لقد بحث لسنوات عن مجموعة من المؤلفات النادرة للقاضي عياض الذي يعتبر من المراجع الفقهية التاريخية بسبتة، ولم أجد أيا منها بالمدينة أو بشمال المغرب، إلى أن أهداها لي أحد علماء الدين، وأنا اليوم أحتفظ بها في مكتبتي الخاصة وأفتخر بمراجع المدينة الدينية وبتراثها الإسلامي، ونحن منذ سنوات نسعى إلى إحياء زمن هؤلاء الفقهاء العظماء أمثال الشريف الإدريسي والعباس السبتي وغيرهم”.
ويضيف متعيش “إن آباءنا وأجدادنا مغاربة ونحن نفتخر بذلك، كما نفتخر بالعلماء الكبار من أبناء المدينة، ونفكر في إحياء سيرتهم وفتح خزانات ومكتبات لعرض مؤلفاتهم، حتى يطلع الجيل الجديد على تاريخ المدينة وغنى تراثها”.
ويتأسف رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية بسبتة لغياب الإمكانيات لتدريس جميع أبناء المدينة اللغة العربية والعلوم الشرعية وتحفيظهم القرآن الكريم. ويقول في هذا السياق “يحز في أنفسنا أن أغلب شباب المدينة يتحدثون بصعوبة بالدارجة المغربية ولا يتمكنون من الكتابة أو قراءة اللغة العربية، وذلك لأنه في المدارس الإسبانية بالمدينة لا يتعلمون هذه اللغة، وهو ما جعل بعض الجمعيات الإسلامية تفتح مراكز تظل غير كافية لتعليم لغة القرآن”.

سبتاويون لا يتحدثون العربية
التقت “الصباح” بعدد من شباب المدينة الذين يصعب عليهم الحديث بالدارجة المغربية وتغلب عليهم الإسبانية، ولا يفكون نهائيا الكتابة باللغة العربية، وهو أمر يُحملون فيه المسؤولية للسلطات الإسبانية أولا وللحكومة المغربية التي لم تعط للموضوع أهمية، رغم أنه يشكل تهديدا لهوية سكان المستعمرة، في ظل مشاريع “أسبنة” المدينة وطمس هويتها العربية الإسلامية.
وتسير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حاليا عشرة مساجد بسبتة منها مسجدا مولاي المهدي وسيدي مبارك، اللذان تتصارع منذ أشهر جمعيات إسلامية مغربية على تسييرهما، وهو ما وقفت عليه “الصباح” خلال زيارتها لمسجد سيدي مبارك، إذ لاحظت أن المدرسة القرآنية أضحت تسير من طرف مقربين من جماعة الدعوة والتبليغ، أما جمعية الهلال الأبيض للأعمال الخيرية، فتسير من طرف منتمين إلى جمعية إسلامية عضو في فيدرالية الجماعات الإسلامية بسبتة.
ووصل الخلاف بين الجمعيتين المشار إليهما إلى القضاء، إذ نظرت هيأة المحكمة الإسبانية بالمدينة المحتلة في موضوع منع أعضاء من جمعية الهلال الأبيض من دخول مكتب داخل مسجد سيدي مبارك يسيرون منه شؤون جمعيتهم، وحكمت بتسليمهم مفاتيح المكتب.
وحسب جمعية الهلال الأبيض، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتكلف بأداء رواتب الخطباء والأئمة الذين يتم إيفادهم للوعظ والإرشاد في مساجد الثغر المحتل، ويتقاضى الخطباء راتبا شهريا يقارب 5 آلاف درهم، وتتكلف جمعيات بإيوائهم وتغذيتهم، في إطار التكافل بين المسلمين بالمدينة.

تمويل جمعيات معارضة لمغربية سبتة
تسعى سلطات الاحتلال بسبتة منذ سنوات إلى تقريب جمعيات إسلامية منها وتمويلها لقطع صلتها بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في محاولة إلى خلق صراعات بين الجمعيات الإسلامية المغربية بالمدينة، وتمويل معارضين لوصاية الوزارة المغربية على الحقل الديني بسبتة، وهو ما تم بالفعل إذ قوت حكومة الاحتلال المحلية إحدى الجمعيات المعارضة لهذه الوصاية، وأعلنت في عدة مناسبات أن ليس لها أي صلة بوزارة الأوقاف وأكدت تبعيتها للهيأة الدينية العليا بمدريد، التي أضحت تتلقى التوجيهات والتمويل منها، على غرار الدعم المقدم لها من وزارة العدل الإسبانية والمجلس البلدي بسبتة.
ويرفض إسلاميون مغاربة أي انقسام بين مسلمي سبتة أو نشوب صراعات بينهم، تستغل من طرف السلطات الإسبانية لاتخاذ قرارات تكون في الغالب ضد مصالح مسلمي المدينة، وتفتح المجال أمام المعارضين لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية على الحقل الديني بالمدينة.
وتسير بعض مساجد سبتة من طرف مندوبية وزارة الأوقاف بالمضيق غير أن خلافات نشبت أخيرا بين المندوب واتحاد الجمعيات الإسلامية بالمدينة المحتلة، كانت وراء انتشار إشاعات حول رغبة حمعيات موالية للدعوة والتبليغ رفع وصاية وزارة الأوقاف عن مساجد بالمدينة وبينها مسجدا مولاي المهدي وسيدي مبارك.

الترخيص لمساجد بالمدينة
رخصت الحكومة المحلية بسبتة لعدد من المساجد التي كانت تعتبر مراكز دينية عشوائية، لم تكن جمعياتها تتلق أي دعم من المجلس البلدي بالمدينة، وكان الدعم الأساسي المقدم لها يصلها من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وأنشئت في ظرف لا يتجاوز أربع سنوات أزيد من 24 جمعية إسلامية وخيرية بسبتة، ما دفع جهات مغربية إلى التشكيك في طريقة إنشائها، واعتبارها محاولة من السلطات الإسبانية ل”تفريخ” جمعيات تعارض الوصاية المغربية على الحقل الديني بالمدينة.وزارت “الصباح” عدة مراكز دينية بسبتة وبينها مركز مسجد سيدي مبارك، الذي يتلقى فيه أزيد من 300 طفل من أبناء المدينة دروسا في اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، وتحرص عائلات سبتاوية على تسجيل أبنائها في مدرسة المسجد ليتعلموا لغتهم الأصلية ويطلعوا على  أساسيات العقيد الإسلامية.
ويؤدي أولياء تلاميذ المدرسة القرآنية بمسجد سيدي مبارك مقابلا ماديا عن الدروس التي يتلقاها أبناؤهم، بحكم أن الجمعيات الإسلامية بالمدينة تقول إن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتكلف بأداء رواتب الخطباء والأئمة والوعاظ ولا تدعم بشكل أساسي تعليم اللغة العربية لأبناء السبتاويين المغاربة.
ويقول واعظ في جمعية إسلامية بسبتة أوفدته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى المدينة المحتلة “إن مندوبية الوزارة تتكلف بأداء راتبي الشهري، والإيواء يكون في المسجد، أما الوجبات الغذائية فيجُود بها المحسنون بالأحياء التي يقع فيها الجامع”.
وحسب الواعظ نفسه، فإنه من المفروض على السلطات المغربية أن تهتم بدعم جهود تدريس اللغة العربية لأبناء مدينة سبتة، لأن الآلاف منهم لا يتكلمون العربية ولا يعلمون سوى القليل عن الدين الإسلامي، وهو ما يستغله المبشرون المسيحيون لاستقطاب هؤلاء وتنصيرهم، وهذا ما ينبغي على السلطات المغربية الانتباه إليه، على حد قوله.

إنجاز: رضوان حفياني (موفد الصباح إلى سبتة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى