fbpx
تحقيق

سيارات الغاز … “بيزنس” الموت

الصباح اقتحمت عمليات تحويل مصادر طاقة المركبات ومافيا أجهزة الربط والكلفة تصل إلى ألفي درهم

لطالما وجد المغاربة سلواهم في البريكولاج، حين يستعصي عليهم حل مشكلة ما، أو يبحثون عن تقليص أعبائها وتداعياتها، لا يتعلق الأمر دائما بإكراهات مهنية، فالوضع الاجتماعي الحالي، جر الناس نحو المزيد من التقشف وحسن التدبير، من أجل التحرر قليلا من نير الاقتراض، الذي أصبح محرك الاستهلاك بامتياز. وأمام ارتفاع أسعار أغلب المنتوجات الاستهلاكية، على رأسها المحروقات، التي قفزت إلى أعلى مستوياتها بعد دخولها مرحلة التحرير، ليتجاوز سعر البنزين في المحطات عشرة دراهم والغازوال تسعة دراهم، اهتدى بعض المستهلكين إلى ابتكار سيارات هجينة هايبرد، على الطريقة المغربية، لغاية تخفيض تكاليف هذه المادة الحيوية، تحديدا البنزين، وشرعوا في استخدام غاز البوتان لتشغيل محركاتها.

الطريقة تبدو للوهلة الأولى قديمة، إذ فطن بعض الملاك إليها منذ زمن، قبل أن تستغل في أنشطة النقل السري والتهريب، إلا أنه تم تحديث الصيغة التقنية لهذه الوسيلة، التي تحول في الآن نفسه، السيارة إلى قنبلة موقوتة تجوب الطرقات، وتعرض سلامة مستعمليها للخطر، وتزايد الإقبال عليها أخيرا، بارتباط مع العوامل المذكورة، ما شجع بيزنس سيارات الغاز على معاودة نشاطه بوجه مكشوف، رغم الحملات الأمنية المتواصلة ضد استخدام الغاز وقودا للسيارات. الصباح، اقتحمت هذا المجال التجاري الجديد، الذي يطرح انتعاشه أكثر من سؤال، حول مشروعية استفادة ملاك هذا النوع من السيارات من دعم الدولة بشكل غير مباشر (دعم المقاصة لغاز البوتان)؟، وكذا شروط المراقبة وقانونية الإجراءات المستخدمة ضد ملاك السيارات المخالفين؟، سيحاول التحقيق التالي الإجابة عنها.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

البحث عن سيارات الغاز يقودنا إلى مديونة، ضواحي البيضاء، المنطقة التي ما زالت تحتفظ ببعض مظاهر البداوة، وتؤوي أنشطة النقل السري، الزبون الأول لصالونات تحويل السيارات من البنزين إلى الغاز. سيارات قديمة مهترئة، تحمل ما لا تستطيع من ركاب، وتطوي الطرقات المعبدة وغير المعبدة نهارا وليلا، معوضة الخصاص المهول في خدمات النقل الحضري. وأمام ارتفاع كلفة المحروقات، إذ يحمل أغلبها محركات تعمل بالبنزين، الذي يتجاوز سعره حاليا عشرة دراهم، لجأ الناقلون إلى البوطا بديلا، فتحولوا إلى السيارات الهجينة هايبرد، على الطريقة المغربية، من خلال تعديل المحرك ليعمل بالبنزين والغاز معا، عبر تبني صيغة تقنية ميكانيكية، أثبتت فعاليتها خارج المغرب، خصوصا في إيطاليا وفرنسا.

تشغيل السيارات بواسطة غاز البوتان، ليست ظاهرة جديدة في الطرقات، إذ استنفدت المصالح الأمنية من أمن وطني ودرك ملكي جميع الحلول في مواجهة الظاهرة منذ الثمانينات، إلا أنها لم تستطع القضاء عليها، بل ما فتئت تستفحل، وتتأقلم مع المستجدات التقنية والتكنولوجية، ذلك أن نظام الربط بالغاز تطور، وأصبح اكتشافه معقدا للغاية عند أي مراقبة، وهو الأمر الذي أكده مصدر أمني، موضحا أن أنظمة الربط القديمة كانت تقليدية نوعا ما، إذ يتم ضبط قنينة الغاز، التي لا تكون مخبأة بشكل جيد، أو عن طريق رائحة الغاز المنبعثة من مقصورة القيادة في السيارة.

قنابل موقوتة

في مديونة حيث الحديث عن سيارات الغاز يثير الشك، تظل مراقبة الدرك هاجس جميع الفاعلين في النقل السري، الذين يتجمعون في أحد المقاهي الشعبية لتبادل الحديث والأخبار كل مساء. محمد، اسم مستعار، شاب ثلاثيني، وجد في النقل السري طوق نجاة من العطالة، وكشف لنا عن مصدر اقتنائه وزملائه لأجهزة الربط بغاز البوتان، التي تستعمل لتحويل السيارات، من أجل العمل بالبنزين والغاز، موضحا أن أغلب الناقلين يلجؤون إلى خدمات أحد الميكانيكيين في سوق المتلاشيات لافيراي، الموجودة في منطقة سباتة بالبيضاء، الذي يهتم بالعملية من الألف إلى الياء، حسب تعبيره، ويعتبر الأمهر، مقارنة بتقنيين آخرين من منطقة اليوسفية، التي تنشط فيها عمليات تحويل السيارات إلى الغاز كذلك.

هذه المعطيات حفزتنا للبحث عن بيزنس الموت، أو فضاءات تسويق أجهزة الربط بالغاز، التي تحول السيارات إلى قنابل موقوتة تجوب الطرقات، مهددة سلامة مستعمليها. الدخول إلى لافيراي سباتة، لم يكن بالأمر اليسير، فالدروب الموحلة بزيوت التشحيم والمياه العادمة، تبطئ حركة الزائر، الذي يتلقفه الباعة والسماسرة، سؤالا عن حاجته من قطع الغيار أو الإكسسوارات أو خدمة إصلاح، لكن البحث لم يكن عن هذه أو تلك، بل كان موجها نحو محلات محركات غاز البوتان، التي لم تمض إلا دقائق معدودات حتى توقفنا عند أحدها. رجل طويل القامة، بلحية خفيفة ونظارات سميكة، استقبلنا باسما، مستفسرا عن حاجتنا، قبل أن نبادره بالتعريف عن هويتنا، تجار من وجدة، نمتلك أرضا فلاحية صغيرة، ونبحث عن محرك يعمل بغاز البوتان، من أجل ضخ المياه من بئر تم حفره حديثا.

الرد لم يتأخر من التاجر، الذي أومأ إلى أحد العاملين لديه في المحل بإخراج نماذج من محركات ضخ الماء، التي يتراوح سعرها بين أربعة آلاف درهم وستة آلاف. أبدينا اهتماما بأغلاها سعرا، الأمر الذي راقه، وشجعه على عرض خدمات أخرى مجانية، تهم التركيب وتدريبنا على صيانة المحرك، ما حفزنا على سؤاله حول كيفية تحويل محرك السيارة للعمل بالبنزين والغاز. تغيرت معالم وجه الرجل ووصم الارتباك حركته، مرددا داكشي ضد القانون، قبل أن يهدأ قليلا، بعد طمأنته حول حاجتنا لتحويل سيارة نعمل عليها في البادية فقط، ليسر إلينا بصوت خافت، كاينة لابراي ولي غادي يركبها، لينادي على عامل آخر لديه، يستفسره أمامنا عن مكان نبيل، اسم مستعار، أحد أمهر الميكانيكيين المتخصصين في تحويل محركات السيارات إلى غاز البوتان، من أجل مساعدتنا على تحقيق غايتنا.

الهايبرد المغربي

وجه التاجر تعليماته لمساعده حمزة، الذي قادنا بين ممرات ضيقة في قلب السوق، قبل أن ينحرف فجأة صوب أحد المحلات، الذي بدا للوهلة الأولى عاديا. مجموعة من المحركات المتراصة أمام الباب، وأجزاء من هياكل السيارات معلقة على الجدران بعناية، قبل أن نفاجأ لدى دخولنا بورشة صغيرة، تحوي بعض الأجهزة الإلكترونية والأنابيب، المخبأة بعناية. استفسر الميكانيكي مرشدنا عن هوية رفقته، فسارع إلى طمأنته والتأكيد على وساطة المعلم، لتنفرج أساريره، ويبادرنا متوددا بالسؤال عن حاجيتنا وطبيعة السيارة التي نرغب في تحويل محركها للعمل بغاز البوتان، يتعلق الأمر كما سردنا للتاجر الأول بسيارة صغيرة تعمل بالبنزين، من طراز سوزوكي، ليشرع في تزويدنا بأنواع مختلفة من أجهزة القياس الجديدة، المستخدمة لضخ الغاز في المحرك، والتي تتيح للسائق التحكم في سرعة السيارة، بخلاف الطريقة التقليدية القديمة، القائمة على الوصل المباشر للمحرك بقنينة الغاز.

استرسل الميكانيكي في شرح كيفية تركيب الجهاز، الذي أكد أن سعره يتراوح بين 450 درهما و500، ويتم استيراده بطرق غير شرعية من الخارج، خصوصا من إيطاليا وفرنسا، إذ يتم تثبيت قنينة الغاز من الحجم الكبير في مكان خاص في صندوق الأمتعة الخلفي للسيارة، تحديدا بمحاذاة خزان الوقود (réservoir)، فيما يمرر أنبوب الغاز بالموازاة مع إمدادات الوقود، أي من داخل السيارة، ليتم ربطه بمرشح الهواء فيلتر أ إير، (filtre a air) في المحرك، بما يتيح ضخ الغاز من أجل تأمين عملية الاحتراق، اللازمة لعمل المحرك وحركية السيارة، بينما شدد على أن أجهزة القياس الجديدة للغاز، تمكن من التحكم في حجم الإمدادات الموجهة إلى المحرك، وبالتالي سرعة السيارة عبر الضخ (injection)، قبل أن يحملنا على معاينة إحدى السيارات من طراز هوندا سيفيك، يعمل على تحويلها.

التجربة الميدانية كانت مكملة للتفسير النظري، ليتأكد لنا أن الميكانيكي ماهر حقا، خصوصا عندما عاينا توفره على حاسوب محمول، يستغله في التعرف على آخر التقنيات المستخدمة في مجال عمله، عبر مقاطع فيديو تبث على موقع يوتيوب، قبل أن نباغته بالسؤال حول إجمالي كلفة عملية تحويل المحرك إلى الغاز، التي حددها في ألفي درهم، تشمل جهاز قياس الغاز والأنابيب، وكذا تركيبها في السيارة، إضافة إلى مفاتيح التحويل، التي تثبت تحت المقود في مكان خفي، تتيح للسائق التحول بين الغاز والبنزين عند اقترابه من سد أمني باراج، أو التجول لمسافات قصيرة، موضحا أن الإقبال على تحويل السيارات تزايد، خصوصا في صفوف الشباب، الذين لا يقوون على تحمل تكاليف البنزين الحالية، إذ تجاوز السعر عشرة دراهم.

ضعف المراقبة الجمركية

الحديث عن مصدر أجهزة قياس الغاز التي تبدو متطورة للغاية، كشف عن مافيا متخصصة في استيراد هذا النوع من التقنيات، التي يتم تضمينها في واردات المتلاشيات من محركات وإكسسوارات خاصة بالسيارات، يتم استيرادها بشكل متواصل من قبل تجار لافيراي، تحديدا من إيطاليا، ذلك أن المراقبة الجمركية في ميناء البيضاء مثلا، لا تدقق بشكل كبير في هذا النوع من السلع، إذ يكتفي المراقبون، حسب مصدر مهني، بأخذ عينات فقط، وتطبيق التعريفة الجمركية المعروفة على إجمالي الشحنة، بالنظر إلى صعوبة تفريغ الحاويات، وطبيعة السلع ثقيلة الوزن، والموصومة بزيت التشحيم.

دعم بقيمة 538 مليارا

بلغت قيمة دعم الدولة، عبر صندوق المقاصة، لغاز البوتان، ما قيمته 538 مليار سنتيم قبل شهرين من نهاية السنة الماضية، الأمر الذي يكشف عن قيمة الدعم الذي تستفيد منه سيارات الغاز بشكل غير مباشر، خصوصا أن قيمة القنينة (من الحجم الكبير) المستخدمة من قبل ملاك هذا النوع من المركبات، لا يتجاوز سعرها 40 درهما في السوق، في الوقت الذي أكد أحد التقنيين المتخصصين في تحويل السيارات إلى الغاز، المزايا الاقتصادية لهذه المادة الحيوية، ذلك أنه بإمكان الشخص السفر من البيضاء، ذهابا وإيابا، باستهلاك قنينتين فقط، أي تكلفة بقيمة 80 درهما، في الوقت الذي سينفق حوالي 300 درهم إذا قرر استخدام البنزين، ما يفسر تزايد إقبال المغاربة على تحويل مصدر طاقة سياراتهم.

اختلالات المراقبة القانونية

يستند الأعوان محررو المحاضر عند ضبطهم ومراقبتهم للسيارات التي تحمل محركا يعمل بغاز البوتان، إلى منشور صادر عن وزير الطاقة والمعادن في 1985، يمنع تشغيل المركبات بالغاز، في الوقت الذي لا تتضمن مدونة السير الحالية، أي مقتضى قانوني يمنع صراحة استخدام الغاز لتشغيل سيارة سياحية، اللهم بعض النصوص الخاضعة لمنطق التكييف، والمتمثلة في المادة 97 من المرسوم 2.10.421، الصادر بتطبيق أحكام المدونة، التي تنص على تغيير خصائص مصدر الطاقة ونقل الحركة…، التي تستوجب بمقتضى المادة 51 من المدونة، إخضاع المركبة إلى مصادقة جديدة لدى المركز الوطني لإجراء الاختبارات والتصديق، أو مركز مراقبة تقني مرخص له من قبل وزير التجهيز والنقل.

وبالرجوع إلى المقتضيات المنظمة للجنح المتعلقة بالمركبة في مدونة السير، تفرض المادة 157 من هذا الإطار التشريعي، جزاء زجريا على كل مالك مركبة رفض أو أهمل إخضاع مركبته، التي أدخل عليها تغييرا للمصادقة من جديد، ما يستشف منه أن تشغيل سيارة بالغاز يوقع مالكها في جريمة معاقب عليها قانونا، استنادا إلى التكييف القانوني للواقعة، في الوقت الذي أفاد مصدر مطلع، أن عملية المراقبة تعتريها مجموعة من الاختلالات، المرتبطة بعملية المراقبة، إذ يتم ضبط السيارة المخالفة من قبل حامل لصفة الضابط القضائية، ويتم حجزها ومتابعة مالكها لدى النيابة العامة، التي تعتمد السلطة التقديرية في هذا النوع من الحالات، فتغرم المالك وتأمر بإعادة السيارة إلى حالتها العادية، أي فك ارتباط محركها بالغاز، موضحا أن المصالح الأمنية تهمل ضبط حالة السيارة في الجذاذة الوصفية لحالة المركبة قبل إيداعها المحجز، وما يرتبط بذلك من قصور في المحضر المرفوع إلى النيابة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى