مقالات الرأي

أولحاج: “إدرنان” … عادة اجتماعية بمغازي نبيلة تتواتر بمناطق سوس

حركة دؤوبة غير اعتيادية تملأ الأسواق الأسبوعية القروية أيامنا هذه، ،لازال الناس يذكرون عادة اجتماعية متجدرة في التاريخ ،يسعون جاهدين – بما توفر- في إحيائها ،وإن يتأسف البعض منهم على اندثار بعض مغازيها الانسانية النبيلة ،فلا زالت بعض من حروفها ترخي بظلالها إلى اليوم وتظهر في أحاديث وعادات وتقاسيم وجوه بعض كبار السن في القرى والمداشر.

”إدرنان” كلمة أمازيغية أصيلة أطلقها القدامى على نوع من الخبز الرقيق ، الذي يعجن في دقيق الشعير أو القمح ويطبخ في زيت الأركان ،فرحا واستقبالا للضيوف في مناسبة واحدة محددة التاريخ في السنة؛ صارت عادة متواثرة في كثير من القبائل السوسية في الجنوب المغربي.

يختلف الباحثون عن تاريخ بداية عادة “إدرنان” ،فمنهم من نسبها إلى ولي صالح يدعى أبي يحيا العثماني الكرسيفي يقال إنه أمر الناس بصلة الرحم والعبادة والتصدق وإطعام الطعام والتضرع إلى الله في مجامع الذكر بعدما عم قحط و جفاف وبلاء وغلاء البلاد (جزولة) في عصره ،كان ذلك في القرن السابع الهجري؛ في حين ذهب آخرون إلى القول بأن أصل عادة إدرنان كان على يد الشيخ محمد أعجلي البعقيلي ،في القرن الثالث عشر الهجري، الذي سنَّ العادة لهدفٍ ظاهره ربط جسور التواصل و التعارف وصلة الرحم وتدويب الخلافات السطحية، وباطنه كسر الحصار الضارب على القبائل الأمازيغية من قِبل المستعمر ومحاولة خلق فرص غير معلنة للتواصل ورص الصفوف للتصدي للامتداد الاستعماري.

وإن يختلف تاريخ الاحتفال من قبيلة إلى أخرى بفارق أسبوع واحد بالتتابع بدء من الخميس الأخير من شهر يناير الفلاحي، فالمعزى واحد، ومظاهر الاحتفال تتشابه في مناطق لازالت ساكنتها تشد بالنواجد عن العادة رغم غزو مؤثرات العصرنة ،نتحدث هنا عن “قبائل” كثيرة في آيت احمد ،آنزي، إداوسملال، تيغمي،آيت صواب وأخرى..

ثلاثة أيام متوالية عنوانها أيام أكل وشرب وتواصل في أجواء من السعادة والفرح وتجاذبٍ لأطراف الحديث؛ تُتوّج بليالي السمر والسهر على نغمات الدفوف بإيقاعات أهازيج محلية تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل،تمر سريعة كالبرق وتترك لدى الزائر انطباعات و ذكريات تأبى النسيان، وكله شوق وحنين إلى مواصلة المشور في ضيافة المناطق الأخرى في الأسابيع الموالية، وقد يحدث أن يشكل ذلك مهدا لعلاقات متينة و جدية غالبا ما تنتهي ببناء أسر وأعشاش زوجية جديدة.

وما يسر النفس ويبعث على الاطمئنان ، أن يشتغل أناس كثيرون اليوم على احياء العادة وفق تصور يواكب العصر و يحافظ على التراث في كثير من احتفالات وتضاهرات تتبناها جمعيات المجتمع المدني هنا وهناك في القرى بل وحتى في الحواضر.

أحمد أولحاج : أستاذ وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق