مقالات الرأي

من يكتب التاريخ وبأي مداد يُكتب؟ (الجزء 2)

 

إذا كان التاريخ هو دراسة وتوثيق الأحداث الماضية المتعلقة بالإنسانية، بما في ذلك التحليل والتفسير للظروف والأنماط التي أدت إلى تلك الأحداث، فإننا نراه محاولة لفهم الماضي وتأثيراته على الحاضر والمستقبل. وفقًا لهذا التعريف الأكاديمي، التاريخ هو سرد يعتمد على مصادر موثوقة وموضوعية لتحليل الأحداث..

ولكن، كما يقول نيتشه: “التاريخ لا يعني حفظ الماضي فقط، بل استخدامه لصالح الحاضر والمستقبل”، غير أنني أرى التاريخ بشكل مختلف بالنسبة لي التاريخ مكتوب سلفًا، ليس الماضي فقط ، بل أيضًا الحاضر والمستقبل، من يكتب التاريخ اليوم ليس مجرد مؤرخ يوثق الأحداث، بل هو صانع للسيناريوهات التي تحدد مصائر الشعوب والمجتمعات مسبقًا، و المستقبل بالنسبة لهؤلاء الكتبة قد أصبح جزءًا من التاريخ الذي يتم إخراجه في الحاضر.

الإعلام: أداة لتوجيه الرأي العام

من بين الأدوات التي يعتمد عليها صناع التاريخ للتأثير على المجتمعات وتوجيهها، تأتي وسائل الإعلام. فلم يعد الإعلام اليوم وسيلة لنقل الحقيقة أو مصدرًا موثوقًا للمعلومة؛ بل تحول إلى أداة لتوجيه الرأي العام عبر توظيف الكذب الممنهج، من يعتقد أن الإعلام يقدم الحقائق كما هي فهو مخطئ، اذ الإعلام الحديث يخدم أجندات محددة، ويُستخدم لتحقيق مصالح جهات خفية تتحكم في المحتوى وتحدد ما يجب أن يعرفه الجمهور وما يجب حجبه.

ولفهم تأثير الإعلام بشكل عميق لا بد من معرفة من يتحكم فيه، على سبيل المثال: روبرت مردوخ يمتلك إمبراطورية إعلامية تشمل فوكس نيوز في الولايات المتحدة وسكاي نيوز في المملكة المتحدة وأستراليا. أما شركة ديزني، فتسيطر على شبكة ABC وESPN، إضافة إلى امتلاكها استوديوهات كبرى مثل Marvel وPixar ،هذه الشركات ليست فقط مؤسسات إعلامية بل هي جزء من منظومة أكبر، تهدف إلى التحكم في تدفق المعلومات وتشكيل الوعي العام.

وفي مجال التكنولوجيا والإعلام الرقمي، نجد أن شركات مثل جوجل وفيسبوك، تؤدي دورًا محوريًا فجوجل من خلال يوتيوب ومحرك البحث الخاص بها، تتحكم في ما يراه المستخدمون وما يبحثون عنه، في المقابل فيسبوك عبر منصات مثل إنستغرام وواتساب، تسيطر على طريقة التواصل الاجتماعي ونشر الأخبار، مما يجعلها أداة فعالة في صناعة الواقع الموجه.

دور الجزيرة في الخديعة الكبرى وتقاطع الأجندات

• لعبت قناة الجزيرة دورًا بارزًا خلال الربيع العربي ولاتزال تلعب أدوارا جد خطيرة، حيث وفرت منصة للمتظاهرين وساهمت في تشكيل الرأي العام عبر تغطية الثورات في تونس و مصرو وليبيا وسوريا وغيرها . إلا أن هذا الدور لم يخلُ من الجدل، اتُّهمت القناة بأنها تخدم المصالح القطرية عبر إذكاء الصراعات، مما يجعلها المستفيد الأول من حقل الغاز المشترك بينها وبين إيران و لفهم دور الجزيرة يكفي ان تعلم ان بين البلدين حقل يسمى”حقل بارس الجنوبي”.هذا الحقل البحري الضخم يقع في الخليج العربي ويمتد عبر الحدود البحرية بين قطر وإيران ويحتوي الحقل على حوالي 51 تريليون متر مكعب من الغاز، مما يجعله أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم، فكلما كانت المنطقة مشتعلة كلما كانت قطر هي المستفيد الأول.

• مجازر غزة و اكذوبة النصر

في سياق الهجوم الإسرائيلي على غزة، تروج الجزيرة دائما لرواية انتصار المقاومة، وتُظهر مقاتلي حماس كأبطال يتصدون للعدوان، لكن الواقع أكثر تعقيدًا فما يجري في غزة هو جريمة تدمير شاملة، تستهدف شعبًا بأكمله، فيما يبقى الإعلام المتابعين عالقين في وهم انتصار زائف.

ومن قبيل هذا الوهم فكرة “عض الأصابع”، التي يتحدث عنها مديعوا الجزيرة، بينما الحقيقة هي تهشيم الجماجم وكسر العظام، ما يحدث في غزة لا ينفصل عن صفقة القرن، التي تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا، وإسقاط الحديث عن هذه الصفقة من اعلام الجزيرة والاعلام العربي عموما ليس صدفة؛ بل هو جزء من مخطط أكبر.

الإعلام والواقع الزائف: لعبة التلاعب بالوعي

من بين أخطر الأساليب التي تعتمدها الجزيرة، ترويج فكرة زوال إسرائيل قريبًا، هذا الخطاب رغم جاذبيته فهو يتجاهل المعطيات الحقيقية و الصادمة، فإسرائيل لن تزول بالمعطيات الحالية؛ فهي تمتلك العلم والتكنولوجيا والمعرفة والمال و الاعلام.

الانتصار في هذا العصر وفي هكذا وقت يتطلب أدوات القوة الحقيقية، وليس التمسك بالشعارات والعصى.

تصوير الشهيد السنوار وهو يواجه مسيرة إسرائيلية بعصاه ليس بمشهد يشعرنا بالزهو و الفرح وكأنه انتصار حقيقي ، بل فقدان للبوصلة واغراق المسلمين في وهم الانتصار ، الم يكن بإمكان إسرائيل إخفاء هذا المشهد؟ هل بالفعل لم تدرك إسرائيل أثر هذه الصورة ؟

الصورة التي وصلتنا وصلت من عندهم ، هم من صوروا لنا السبحة والمصحف ، هم من صنعوا لنا بطلا يضرب مسيرة قاتلة بعصى هم من صنعوا المشهد.

ولقد اختارت إسرائيل إظهاره للتأكيد على الهوة العميقة بين الواقع والشعارات، لكن النهوض لا يتحقق باستعمال العصى؛ بل عبر العلم والتكنولوجيا وبمن يتحكم برموت المسيرة، الشعوب التي لا تحمل سوى العصى ستظل خاضعة، فيما تحتاج النهضة إلى أقلام وتقنيات متقدمة تعيد توجيه المسيرة نحو صدور أعداء البشرية .

السينما: نافذة على المستقبل وأداة للأجندات

بينما الإعلام يغرق في الأجندات الموجهة، تقدم السينما لمحات عن المستقبل، أفلام مثل : A Space Odyssey” و“Blade Runner”و“The Matrix” توقعت تقنيات ظهرت لاحقًا في حياتنا.

ورغم أن السينما قد تُستخدم لتسويق أنماط استهلاكية، فإنها تكشف أحيانًا حقائق يتم إخفاؤها. الفرق بين الإعلام والسينما هو أن الإعلام يقدم روايات زائفة، بينما السينما تقدم تصورات واقعية للمستقبل.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المنصات العالمية مثل نتفليكس وأمازون برايم لا تعرض أفلامًا إلا إذا تضمنت مشاهد الشذوذ، في إطار أجندة واضحة تهدف إلى الترويج لقيم جديدة او للاقيم ان صح القول.

الأمر الأكثر إثارة هو أن ملاك السينما والإعلام هم تقريبًا نفس الأشخاص، فالشركات الكبرى مثل ديزني التي تتحكم في وسائل الإعلام تسيطر أيضًا على السينما، هؤلاء يحددون ما يمكن للجمهور مشاهدته، وما يجب أن يظل مخفيًا، وفق مخطط مكتوب مسبقا.

ختاما أقول ان هناك قوى خفية تكتب التاريخ

فلا يمكن تفسير ما يحدث بأنه مجرد هيمنة اقتصادية أو سياسية، هناك قوى خفية استطاعت إبرام اتفاقات مع البشر، ووفرت لهم كل الوسائل لتحقيق السيطرة، لكن هدفها ليس البناء بل هدم كل شي جميل .

ما نشهده هو تنفيذ لمخطط يسعى إلى إفساد العالم وتدمير القيم الإنسانية، هؤلاء الذين يكتبون التاريخ ليسوا سوى أدوات في يد هذه القوى التي تعمل على إعادة تشكيل العالم وفق رؤية مظلمة مليئة بالفوضى والخراب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.