تحقيق

الاغتصاب الزوجي … المسكوت عنه

نساء كسرن حاجز الصمت ولجأن إلى القضاء وأخريات فضلن القبول بالأمر الواقع

“اغتصبني زوجي”، جملة عندما تتردد تثير معها علامات تعجب واستفهام من المتلقي، الذي لم يألف سماعها من قبل، على اعتبار أن الاغتصاب مرتبط في الأذهان بشخص أجنبي وباعتداء، ولا يمكن تصور أن يتم بين الازواج، لكن واقع الحال يفيد غير ذلك نساء كثيرات يعانين في صمت بسبب الاغتصاب الممارس عليهن، وأغلبهن يقبلن الوضع، على اعتبار أنه أمر محتوم ويرفضن حتى البوح به، فيما أخريات كسرن ذلك الحاجز ورفضن تلك السلوكات لأنه ليس من حق الزوج العبث بشريكته، بل وصلت بعض القضايا إلى المحاكم وإن كانت على قلتها وصدرت فيها أحكام انصفت تلك الزوجات.

إنجاز: كريمة مصلي

الولوج إلى القضاء ووجود جمعيات تهتم بوضع المرأة ساهم إلى حد ما في كشف النقاب عن تلك الوضعية، ومنح النساء هامشا من البوح للتعبير عن المعاناة التي يعشنها، بل ساهم في إيجاد حل للكثيرات.

كابوس ليلة الدخلة

تحكي وفاء (26 سنة)، أنها تزوجت بطريقة تقليدية، بعد أن تقدم لخطبتها أحد أبناء العائلة ومهاجر في إحدى الدول الأوربية، ومثل جميع الفتيات القابعات في المنازل كان ذلك بمثابة حلم لها، وفي ظرف أشهر قليلة كان الزفاف وشرعت في ترتيب الأمور لأجل أن تلتحق به، وكان لها ذلك ووصلت إلى عش الزوجية لتقضي أول ليلة إلى جانب زوجها.
وغير ما كانت ترسم في مخيلتها تحولت تلك الليلة إلى جحيم بعد أن مارس عليها الزوج ساديته وعاشرها بعنف وتسبب لها في آلام كثيرة. ظنت في البداية انه ربما الاشتياق لها، هو الدافع وراء ما قام به، إلا أن تكرار الأمر حول حياتها إلى جحيم لتقرر الهرب من بيت الزوجية.

ولحسن حظها وقعت في يد إحدى النساء اللواتي يشتغلن في الجانب الاجتماعي، فساعدتها في العلاج وفي رفع دعوى على زوجها الذي ساومها بعد ذلك للحصول على طلاقها.
هي الآن تعيش في البلد نفسه الذي يقيم فيه زوجها، وتخضع لعلاج نفسي جراء الصدمة التي تعرضت لها، وتعتبر أنها لو عاشت تلك التجربة وهي في المغرب لما استطاعت أن تقوم بما قامت به مخافة “الشوهة وكلام الناس”.

مصائب قوم عند قوم …

ليست كل النساء اللواتي يتعرض للاغتصاب الزوجي يقبلن بالبوح بذلك حتى لأنفسهن، خوفا من تداعيات المسألة، خاصة أن الأمر يعد من الطابوهات التي يحرم الحديث عنها، ولا يقبل فيها حتى التشكي فبالأحرى الكشف عنها وتقديم دعوى في الموضوع.
تحكي خديجة امرأة في الاربعينات من عمرها أنها تتعرض بشكل مستمر لاغتصاب من قبل زوجها، وفي كل مرة تتضاعف المعاناة، ورغم كل الألم الذي تعرض له لم تكن لها الجرأة حتى للحديث معه حتى وقعت الكارثة وحدث لها تمزق داخلي اضطرت معه إلى عيادة الطبيبة التي ذهلت من الأمر، وأعلمتها بخطورة ماجرى وطلبت رؤية زوجها الذي رفض بشكل قاطع عيادة الطبيبة، ومنعها زوجته من ذلك.
ظلت خديجة تخفي معاناتها إلى ان وقعت الكارثة، بعد أن أغمي عليها خلال معاشرة زوجها لها، واضطر إلى نقلها إلى المستشفى، ليكتشف أنها تعاني من تعفنات خطيرة.
لم يتقبل الزوج أن يكون السبب في ذلك وكرد فعل على ذلك، أشاع وسط العائلة أنها مريضة ولم تعد “امرأة”، بل لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل عمد إلى رفع دعوى من أجل السماح له بالتعدد واستعان بملفها الطبي في ذلك، وتم قبوله طلبه لتجد خديجة نفسها وحيدة تصارع المرض.

النص القانوني قاصر

لا يوجد في التشريع المغربي أي نص يجرم بصريح العبارة الاغتصاب الزوجي، فالفصل 486 من القانون الجنائي يشيـــر إلــــى أن “الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة من دون رضاها، ويعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشــر سنوات”، وإذا تــم الأخذ بظاهـــر الفصل فإنه يشمل حتى اغتصاب الزوج لــزوجتــه، لكـــن التفسيــرات الفقهيــة استثنت الاغتصـــاب الزوجــي من نطــاق هــذه المــادة، واعتبــرت أن أقصــى ما يمكــن للمرأة التي يــواقعهــا زوجهــا بــدون رضاها هو اعتبـــــار ذلك تعسفــا منــه فــي استعمــال حقــه المترتب عن عقد الزواج، فلا يحق لها آنذاك إلا المطالبة بالتطليق للضرر الذي لحقها نتيجة لذلك التعسف.
وبالرجــوع إلــى الفصل 485 من القــانون نفسه الذي يجــرم هتــك العرض بالعنف فإنــه يخاطب بشكــل عــام كل رجل يهتك أو يحاول هتــك عــرض امرأة بالعنف بالسجن من خمس إلى عشــر سنوات دون أن يستثني من هذا التوصيف الأزواج أو من تربطهــم العلاقــــة الزوجيــة، وهــو ما يمكــن مــن خلالــه الاستنتاج أن النص القــانوني المجــرم لهــذه الحالة موجود ولكن الإرادة القضائية في تفعيل هذا النص بين الأزواج مغيبة بسبب العادات والأعراف.

ليلى كسرت حاجز الصمت

ليلى تلك الفتاة العشرينية عاشت قصة حب وردية مع خطيبها وكانت تتوق لليوم الذي تصبح فيه زوجته، وهو اليوم الذي اكتشفت فيه شخصا مغايرا عن ذلك الذي أحبته.
لم تتقبل منذ اليوم الأول تلك الممارسات الشاذة التي طبعت العلاقة الجنسية بينها وبين زوجها، وأخبرته بذلك، إلا أن رفضها لم يزده إلا إصرارا في التمادي في سلوكاته، ما دفعها إلى مغادرة بيت الزوجية، وهو الأمر الذي لم تتقبله العائلة وأجبرتها على الرجوع إليه، ورغم إخبار والدتها بمعاناتها، إلا أنها حاولت أن تظهر لابنتها أن ذلك عاد، وليس في الأمر أي اغتصاب.
عادت ليلى إلى زوجها الذي استمر في سلوكاته الشاذة، التي لم تعد تتحملها لتقرر مرة مغادرة بيت زوجها، والتوجه عند إحدى صديقاتها، لأنها كانت تعي جيدا أنه في حال عودتها إلى منزل أهلها فلن تستطيع أن تقنعهم بما ترغب في القيام به.
تقدمت ليلى بدعوى أمام محكمة الأسرة تطالب فيها التطليق للشقاق، واستعانت بملفها الطبي الذي يوثق الاعتداءات التي تعرضت لها. ورغم محاولة الزوج إنكار ذلك، إلا أنها تشبثت بالطلاق وكان لها ذلك بعد أن وقفت المحكمة على الضرر الذي أصابها.

حكم قضائي سابقة

أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية باستئنافية طنجة حكما على رجل يبلغ من العمر 25 سنة، ويتحدر من العرائش، بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها ألفا درهم، مع تعويض لفائدة الزوجة المشتكية حدد في 30 ألف درهم، بعدما اتهمته باغتصابها وفض بكارتها بالقوة، وهو الحكم الذي أثار ساعة صدوره العديد من ردود الفعل انقسمت بين مؤيد ومعارض، الأول اعتبر أنه حكم سابقة ويحمي المرأة والزوجة بصفة خاصة من بعض السلوكات الشاذة، في حين ذهب الرأي المعارض إلى اعتبار أن مثل هذه القضايا من شأنها أن تهدد كيان الأسرة.

4 أسئلة: الزواج ليس عقد استباحة

بدأت تطفو على سطح الأحداث قضايا اغتصاب الزوجات في رأيكم هل يوجد اغتصاب زوجي؟
الاغتصاب الزوجي هو إجبار الزوج زوجته على ممارسة الجنس رغما عن ارادتها. عادة ما يعتقد بعض الأزواج أن عقد الزواج يخول لهم الحق في ممارسة الجنس وقتما شاؤوا حتى دون موافقة الزوجة، أو بأي شكل حتى لو كان فيه إجبار أو إيذاء لها. والاغتصاب الزوجي موجود على أرض الواقع لكنه مسكوت عنه.

من خلال القضايا المعروضة على المحاكم هل انتصر القضاء للزوجة المغتصبة؟
لم يفرد المشرع أي نص خاص لتجريم الاغتصاب الزوجي وهو ما ساهم في وجود جدل حول هذا الموضوع، بين اتجاهين، الأول يرفض بشكل تام وقاطع، الاعتراف بوجود الاغتصاب الزوجي، فمعاشرة الزوج لزوجته دون رضاها لا تعد جرما، لأن رضى الزوجة مفترض بقوة القانون وبقوة عقد الزواج الذي يتيح لكلا الزوجين المعاشرة الجنسية بينهما، كما أن الزوج حينما يمارس الجنس مع زوجته، فإنما يمارس أحد الحقوق التي يخولها له عقد الزواج، حتى وإن اتسمت الممارسة بعنف معنوي وبإكراه. والثاني يرى إمكانية القول بتجريم الاغتصاب الزوجي اعتمادا على الفصل 488 من القانون الجنائي الذي لا يستثني المتزوجين من نطاق اعماله.
على مستوى التطبيق تخلو الإحصائيات الرسمية سواء المقدمة من قبل النيابة العامة، أو من وزارة العدل من أي معطيات تتعلق بعدد شكايات الاغتصاب الزوجي.

هل من أسباب وراء ذلك؟
هناك سبب تقني: مرده عدم اهتمام الجهاز الإحصائي بهذا النوع من الجرائم، إذ يتم إدراجه عادة ضمن خانة العنف الزوجي أو الأسري؛ فشكايات الزوجات من “اغتصاب” أزواجهن، قد تكون موجودة، لكنها تكيف كأفعال عنف (الفصل 404 ق ج).
وسبب ثقافي: يكمن في سيادة اعتقاد واسع لدى النساء الضحايا بأن هذا الفعل غير مجرم قانونا، وهو اعتقاد تتقاسمه أيضا الجهات المكلفة بإنفاذ القانون؛ وسبب نفسي: يكمن في الخوف من التبليغ، والخوف من الوصم الاجتماعي، والخوف من ردود أفعال محيط الضحية في ظل مجتمع يطبع مع هذا العنف الذي يستهدف النساء ويعتبره أثرا من آثار عقد الزواج.
وسبب قانوني: مرده من جهة أولى أن القانون الجنائي لا يفرد نصا خاصا يتعلق بالاغتصاب الزوجي على خلاف طريقة تعامله مع باقي أشكال العنف الأخرى التي تستهدف النساء، إذ تتحول علاقة الزواج إما لظرف تشديد كما في حالة عدم تقديم مساعدة لشخص في خطر أو مساعدته في الأفعال التحضيرية للانتحار أو التهديد أو الضرب والجرح، أو تصبح سببا للإعفاء من العقاب كما في حالة السرقة بين الأزواج، أو شرطا لتحريك الدعوى العمومية كما في حالة الخيانة الزوجية.
ومن جهة ثانية اختلاف المقاربة بين ما هو زجري وما هو مدني، إذ تختار النساء اللجوء لطلب التطليق للشقاق نظرا لسهولة المسطرة، عوض طرق أبواب القضاء الزجري، إذ يواجهن مشكل عبء الإثبات. لكن في الآونة الأخيرة بدأت بعض الضحايا يكسرن جدار الصمت ويلجأن للتبليغ عن هذه الجريمة، وسجلت عدة حالات تم فيها تكييف الاعتداء الذي طال زوجات من قبل أزواجهن على أساس أنه اغتصاب.

ألا ترون أن هناك ضرورة لكي يتم التنصيص على الاغتصاب الزوجي في القانون الجنائي؟
أظن أنه ينبغي على المشرع المغربي أن يراجع جريمة الاغتصاب، وفق ما تقتضيه المعايير الدولية، حتى يصبح التعريف محايدا في ما يتعلّق بالنوع الاجتماعي؛ ويشمل أيضا كل أشكال الاعتداءات الجنسية على أي جزء من جسد الضحية، وبأي وسيلة كانت، وأن يشمل أيضا الاغتصاب الزوجي. اذ لا يمكن أن نعتبر عقد الزواج عقدا لاستباحة جسد الزوجة.

أنس سعدون
(*) دكتور في الحقوق وعضو نادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق