fbpx
ربورتاج

“روش نـوار” … الفـرص الضائعـة

مقاطعة ولدت في فمها ملعقة من ذهب تعرضت لتدهور كبير يصعب مهام الهيكلة والإصلاح

ظاهريا، تشتغل مقاطعة الصخور السوداء، أشهر الجماعات بالبيضاء التي ارتبطت بأسماء وفضائح وملفات وصل بعضها إلى القضاء، من داخل الإطار الكبير للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب 11 أكتوبر 2013، أي جعل المدينة قطبا ماليا دوليا و قاطرة للتنمية الاقتصادية من خلال اعتماد مقاربة تشاركية منسجمة ومندمجة لتجاوز اختلال التوازن بين المدينة و محيطها، لكن ما يجري على الأرض الواقع،
بعد خمس سنوات من الخطاب وثلاث سنوات من الانتخابات الجماعية، لا يبشر بكثير من الخـــــــــير.

إنجاز: يوسف الساكت – تصوير (أحمد جرفي)

تحتل المقاطعة موقعا يبدو متميزا وسط البيضاء. ويحدهـا شمالا المحيط الأطلسي وجنوبا مقاطعة سيدي عثمان وشرقا مقاطعة عين السبع الحي المحمدي وغربا مقاطعة مرس السلطان ومقاطعة الفداء ومقاطعة سيدي بليوط.

وتستريح المقاطعة على مساحة تقدر بـ 7.2 كيلومترات مربعة يقطنها، حوالي 115.704 نسمة (حسب إحصائيات 2014، أو 150 ألف نسمة حسب الإسقاطات الحالية)، بما يمثل 30.041 أسرة، ضمنهم 114.451 مواطنا مغربيا، و1253 أجنبيا، إذ كانت المنطقة ملاذا لعدد من الفرنسيين والإيطاليين والبرتغاليين والإسبانيين، ومواطنين من جنوب الصـحراء.

وإلى حدود 1983 كانت المقاطعة جزءا من الجماعة الحضرية لعين السبع، قبل إحداث الجماعة الترابية بمقتضـى المرسـوم 2.83.372 الصادر في 4/5/1983، إلا أنه وبمقتضى التعديل الكبير الذي عرفه الميثاق الجماعي 2002 من خلال القانون رقم 00.78 الذي تم التنصيص فيه على وحدة المدينة، أحدثت المقاطعة الجماعية الصخور السوداء بموجب المرسوم رقم 203.136 الصادر بتاريخ 21 محرم 1424 الموافق ل 25 مارس 2003.

تاريخ مشرف

في السنوات الماضية، كانت الجماعة قبلة لعدد من الأنشطة الخدماتية والترفيهية والرياضية، التي كان الأجانب يلحون على تنظيمها والإشراف عليها بشكل دوري، كما تمركزت بها مجموعة من الشركات الصناعية التي مازالت معالمها التاريخية شاهدة عليها، مثل أول خط حديدي وكنيسة (تحولت إلى مسجد القدس)، والفنار، أو المنار، كما تميزت بإنشاء أول مسبح أولمبي وخلق أول فريق لكرة القدم فاز بعد بطولات وألقاب.

ويشهد للجماعة الحضرية الصخور السوداء سابقا (المقاطعة منذ 2003) أنها من بين المناطق المتميزة بالبيضاء، إذ تميزت بطابعها الصناعي والتجاري، إضافة إلى أنها شكلت منذ عقود مركزا سكنيا راقيا ومتطورا، مقارنة مع باقي المناطق المدينة. واستمر هذا التطور إلى السنوات الأخيرة، بعد أن شهدت المنطقة تزايد عمرانيا مهما وإقامة المزيد من المرافق الاجتماعيــة والتجارية والثقافية، منها محطة المسافرين (بالتعديلات ومشاريع الإصلاح والهيكلة التي خضعت لها وماتزال)، ومقر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارع محمد الخامس، والمراكز الصحية ومجموعة من المؤسسات التجارية والصناعية، من قبيل مركز الحليب وسوزيكي وأسطا ووكالات بنكية ووكالات للتأمين.

تجربة جديدة

منذ شتنبر الماضي، تعرف المقاطعة، ولأول مرة، تجربة حزبية جديدة، بعد أن كانت قلعة الاتحاد الدستوري بامتياز، قبل أن يسلمها إلى التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2009 السابقة.

واكستح فريق نورالدين قربال، أحد أطر العدالة والتنمية بالبيضاء وواحدا من مجموعة المؤثرين في قراراته جهويا ورئيس فريقه في مجلس المدينة، الانتخابات الجماعية الأخيرة بـ 6905 أصوات أهلت لائحته للحصول على أغلبية مقاعد المقاطعة (12 من22 مقعدا)، فيما حصلت لائحة الاتحاد الدستوري بقيادة “القيدوم” عبد اللطيف حرشيش على 3345 صوتا، منحته ستة مقاعد، ولم تحصل لائحة التجمع الوطني للأحرار برئاسة عبد الرحيم وطاس (الرئيس السابق)، سوى على 1389 صوتا، بمقعدين فقط، أما المقعدان المتبقيان، فمنحا للأصالة والمعاصرة (1309 أصوات التي حازتها لائحة كمال رشيد)، والاتحاد الاشتراكي (1118 صوتا حصلت عليها لائحة محمد الطالبي).

ومنذ أكتوبر 2015، يحكم فريق العدالة والتنمية المقاطعة بتحالف مع التجمع الوطني للأحرار، إذ لا يجد الرئيس أي مشكل في تمرير أغلب مقررات وقرارات الجماعة بأغلبية شبه مريحة، علما أن أغلب النقاط المدرجة في جداول أعمال الدورات السابقة تنصب على تجاوز بعض معيقات المرحلة السابقة، والانطلاق في تنفيذ جزء من برامج العمل الممتد إلى 2021، وفق الاختصاصات الممنوحة لهذه الوحدات الترابية (المقاطعات) غير المتمتعة باستقلال تام.

وتحاول المقاطعة التركيز على مشاريع القرب الموجهة إلى السكان حسب أجندة أولويات، وتحسين جودة التجهيزات الأساسية، خصوصا الطرق والأرصفة والممرات، مستفيدة من ارتفاع المخصص المالي الذي يتجاوز ملياري سنتيم سنويا، عوض 600 مليون سنيتم، أو 700 في المرحلة السابقة.

ترد عام

تشكل المقاطعة ثالث وحدة جماعية بعمالة عين السبع الحي المحمدي، وهي من أكبر العمالات كثافة ومشاكل تجر خلفها إرثا ثقيلا من التدبير السيء وحسابات الانتخابات والسياسة وتعاقب الأحزاب التي حولتها إلى واحدة من أكبر المناطق السوداء بالبيضاء، من حيث أحياء الصفيح وتجمعات البناء العشوائي، واختلالات في توزيع التجهيزات الأساسية والطرق والبنيات التحتية.

وعلى نحو بطيء، تحاول المقاطعة، بشراكة مع مجلس المدينة والسلطات الإدارية والقطاعات الحكومية، تجاوز عدد من المشاكل التي تعانيها المنطقة، لوجود عدد من الإكراهات التنظيمية والقانونية، وعلى رأسها ثقل المساطر والنقص الحاد في الوعاء العقاري وتفاقم ظاهرة احتلال الملك العمومي، ما يؤثر على تنفيذ عدد من البرامج والمشاريع، ويعطل تنفيذ أجزاء كبيرة من تصميم التهيئة.

في المقابل، يحاول المسؤولون الحاليون تجاوز أخطاء الماضي، إذ يعاب على التجربة السابقة ابتكارها طريقة غريبة في التسيير الجماعي، تقوم على النمطية والترويج لبرامج ومشاريع ضخمة، ثم وضعها في الرفوف بعد ذلك، لانعدام أي إمكانية مالية، أو بشرية لتحقيقها.

وظلت المعارضة السابقة تنبه المسؤولين إلى أخطائهم وتجاوزاتهم ومشاريعهم الكبيرة على الورق، وتتحداهم أن ينجزوا 5 في المائة منها فقط، باعتبارها مشاريع غير واقعية وغير قابلة للتحقق. وخلفت السنوات السابقة من التسيير حصيلة هزيلة على جميع المستويات، كانت متوقعة، بسبب النقاط المدرجة في جداول أعمال الدورات، ولا ترقى إلى مستوى أولويات جماعة تضم 150 ألف نسمة من السكان. كما تراكمت المشاكل التي كانت تخفي جبلا من الفساد واللامبالاة اللذين كانا يستفيد منهما البعض، حتى فقدت المقاطعة جميع مقومات التنمية (غياب مخطط للتنمية) وأصيبت مقوماتها الفاعلة بالشلل، إداريا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

مشاريع مع وقف التنفيذ

طالبت الأحزاب، خلال الحملة الانتخابية الأخيرة بتقديم الحصيلة والحساب وقبول المساءلة أمام المواطنين، مع دعوة الجميع للانخراط والإنصات الجيد للمواطنين والانشغال بقضاياهم وأولوياتهم في جميع المجالات.

وظل الضعف واللامبالاة، خلال سنوات، سيد الموقف لبلورة برنامج عمل واقعي يتصدى لعدد من الإشكالات التي تشكو منها الجماعة ويسعى إلى محاربة انحرافات التسيير وتجاوز النمطية، ومن ذلك الإسراع ببناء عدد كبير من روض الأطفال في مختلف الأحياء لتخفيف العبء على الأمهات العاملات، والعمل مع السلطات الأمنية لوضع خطة لاستتباب الأمن وتقليص معدلات الجريمة بالمنطقة، مع الإكثار من المساحات الخضراء ومد جسور التواصل محليا مع جميع المندوبيات والقطاعات الحكومية من صحة وتعليم ونقل وتكوين مهني وتحفيزها على القيام بدورها، كما يطمح إلى توسيع شبكة خطوط النقل الحضري، خصوصا التي تربط الحي بالمعاهد ومؤسسات التعليم العالي.

كما يطمح السكان إلى التصدي إلى إشكاليات السكن غير اللائق، عبر إعادة هيكلة أحياء الحسن بن أحمد طوطو وعين البرجة و”ماكام” و”شودوتير” التي يعانيه سكانها منذ سنوات، كما هو الشأن بالنسبة إلى قاطني حي الجمارك.

تصميم التهيئة

تواجه المشاريع المبرمجة في إطار تصميم التهيئة المصادق عليه في 2014 عراقيل في التنفيذ، خصوصا في الشق المتعلق بالعقار، إذ سبق لمسؤولي الجماعة أن أثاروا هذه الإشكالية أمام والي الجهة السابق وعامل عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي خلال اللقاءات التشاورية لإعداد برنامج عمل الجماعة الحضرية.

وينص تصميم التهيئة في الشق المتعلق بالتجهيزات العمومية، على إقامة سوق جماعي على مساحة 1689 مترا مربعا بزنقة لوي فيري، ومركب سيوسو رياضي بشارع عبد الله بن ياسين (سوق الجملة سابقا) على مساحة 7294 مترا مربعا، إضافة إلى مركز اجتماعي بزنقة إيفيون على مساحة 876 مترا مربعا.

وتتوزع المشاريع الأخرى على البنيات التحتية والقطاعين الصحي والتعليم والمرافق الرياضية، بسبب الخصاص الكبير المسجل في المراكز الصحية والمركبات متعددة الاختصاص والمؤسسات التعليمية والملاعب والقاعات الرياضية المغطاة وروض الأطفال.

ورغم إكراهات التنسيق مع القطاعات الحكومية، بسبب قلة الإمكانيات المالية، تحاول الجماعة المزاوجة بين الاختصاصات المخولة لها في القانون التنظيمي 14-113، خصوصا في الشق المتعلق بالتدبير المحلي، وبين الضغط لتنزيل أكبر قدر من المرافق المنصوص عليها في تصميم التهيئة، نظرا لحيويتها وارتباطها بالتنمية المحلية.

ووضعت الجماعة برنامج عمل يتوزع على عدد من القطاعات يغطي سنوات 2015 و2021، كما يستهدف محاور بعينها لها ارتباط وثيق بمعيش السكان، وتنطلق من انتظاراتهم والأوليات المعبر عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى