تحقيق

تحقيق … مختبرات صناعة “الوهم”

مصانع دواء من ورق ومنصات استيراد لإغراق السوق تقفز على حواجز تفتيش وتراخيص وزارة الصحة

وضع أنس الدكالي، وزير الصحة، يده في عش الدبابير، حين أوفد المفتشية العامة للصحة لافتحاص مديرية الأدوية والصيدلة بوزارة الصحة، بعد محاصرته من قبل برلمانيين وجمعيات مهنية بمجموعة من الاختلالات والخروقات، التي تورطت فيها هذه المديرية منذ عهد الحسين الوردي، وزير الصحة السابق.
«المختبرات الوهمية»، أحد أهم هذه الملفات، التي لم يتجرأ وزراء الصحة المتعاقبون على فتحها، باعتبار حجم الضغط «اللوبيينغ» الذي كانت تمارسه على أصحاب القرار، وقيمة الأرباح التي راكمتها على مدى سنوات من العمل خارج ضوابط القانون. مختبرات تنشط في السوق وتشارك في الصفقات العمومية، دون أن تتوفر على وحدات صناعية، وفق ما ينص عليه القانون رقم 04- 17، بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، أو على الأقل تمتلك مصانع «صورية»، لا تتلاءم مع حجم رقم المعاملات الذي تحققه.
من خلال التحقيق التالي، ستحاول «الصباح» تسليط الضوء على هذا الجزء المعتم من صناعة الدواء بالمغرب، عبر الإجابة عن مجموعة تساؤلات، أهمها يرتبط بحقيقة وجود بعض المختبرات «الأشباح»، التي تنشط بالسوق في غفلة من القانون وتواطؤ مسؤولين، وتحقق أرباحا بالملايير تحولها إلى الخارج.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

الأمر برمته مثل «مطاردة الساحرات»، يؤكد مصدر مهني، في بحثنا عن سبيل لدخول الجزء المعتم في قطاع صناعة الدواء الوطني، الذي تشير وزارة الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي إلى تحقيقه رقم معاملات سنويا يصل إلى 1370 مليار سنتيم. هذا الرقم منشور على الموقع الإلكتروني للوزارة المذكورة، مرفوق بمجموعة من الإحصائيات والمعطيات حول هذه الصناعة، لكن إحداها استوقفتنا، تتعلق بتقسيم المقاولات الناشطة في تصنيع المنتوجات الصيدلانية إلى ثلاث فئات، تهم فروعا لمختبرات دولية لا تتوفر على وحدات للإنتاج خاصة بها، ومقاولات مختلطة، تمثل الفروع المذكورة خلال تصنيع الأدوية، ثم المقاولات المغربية المصنعة لتشكيلتها الخاصة من الأدوية الجنيسة.
هذا التقسيم الذي اعتمدته وزارة الصناعة والتجارة في موقعها الإلكتروني، استنادا إلى معطيات «مغلوطة» حصلت عليها من وزارة الصحة ومديرية الأدوية والصيدلة، يتعارض مع نصوص القانون رقم 04 17-، بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، يوضح المصدر ذاته، ذلك أن المادة 8 منه، تعرف المصنع بأنه كل صيدلي أو شركة صيدلية، تملك مؤسسة صيدلية صناعية (EPI)، تقوم بصناعة الأدوية بغرض بيعها بالجملة، فيما المادة 19 من القانون المذكور، تؤكد بشكل واضح، أنه لا يمكن القيام بصناعة الأدوية واستيرادها وتصديرها، وبيعها بالجملة، إلا من قبل المؤسسات الصيدلية الصناعية، باعتبار أن المشرع كان يستهدف من خلال تقييد تسويق الدواء بوجود وحدة صناعية، ضمان سلامة المستهلك، في حال تعرضه للضرر من الدواء المسوق، إذ يتحمل المسؤولية «الصيدلي المسؤول» دائما في المختبر، صاحب الإذن بالوضع في السوق الخاص بهذا الدواء.

استثمارات صورية
البحث عن حقيقة توفر مختبرات على وحدات صناعية، وفق ما ينص عليه القانون، فرض علينا الاتصال بأحدها وطلب تحديد زيارة من أجل إنجاز ربورطاج صحفي حول وحدتها الصناعية، إلا أن طلبنا ووجه بالرفض بطريقة لا تخلو من دبلوماسية، فمسؤولة في السكرتارية تقودك إلى أخرى دون أي جدوى، الأمر الذي يبعث على الشك وطرح سؤال حول حقيقة توفرها على وحدة إنتاجية، وإمكانية تصنيفها ضمن خانة «مؤسسة صيدلية صناعية» (EPI)؟، وفق ما هو منصوص عليه في مدونة الأدوية والصيدلة.
في ظل تعذر المعاينة المباشرة للوحدات الصناعية الخاصة بالمختبرات المذكورة، قصدنا الموقع الإلكتروني لمديرية الأدوية والصيدلة (www.dmp.sante.gov.ma)، الذي لم نجد به للأسف أي قائمة خاصة بالمؤسسات الصيدلية الصناعية، لكن نتيجة البحث سرعان ما تبين أنها معدة سلفا، بحيث لا يمكن للمتصفح العثور على هذه القائمة في الموقع بسهولة، بعد أن تم حذفها من قبل المديرية من الصفحة الرئيسية. محاولات متعددة في الموقع قادتنا في النهاية إلى قائمة المؤسسات الصناعية، التي تضم 48 مختبرا لتصنيع الأدوية بالمغرب، وتشير إلى عناوين مقراتها الاجتماعية وأرقام هواتفها فقط، وبالتالي تعقدت مهمة اقتفاء أثر الوحدات الصناعية مرة أخرى، بسبب عدم توفر أي معطيات حول مكان وجودها.

بيانات مالية وتجارية
أمام هذا الوضع، كان الخيار الأنسب الاطلاع على النتائج المالية للمختبرات المشار إليها، التي يفترض أن تكون متاحة عبر الأنترنت، من خلال موقع المكتب المغربي للملكية الصناعية أو التجارية أو موقع «أنفوريسك» الخاص بالمقاولات، غير أن البحث هنا لم يفض إلى نتيجة. وبالاستعانة بمصدر مهني، تمكنت «الصباح» من الحصول على نسخ من بيانات مالية وتجارية للمختبرات المذكورة، أظهرت عدم توفرها على وحدات صناعية بالمفهوم المهني، الذي يشدد على وجوب ضم الوحدة، على الأقل، لآليات وأجهزة حديثة لصناعة الأدوية ونظامين لمعالجة الهواء والماء، وكذا مختبر داخلي لمراقبة الأدوية والمواد الأولية.

استقراء البيانات المالية للمختبرات «الوهمية»، تحديدا فقرة «رأس المال الملموس» (Les immobilisations incorporelles)، التي تهم الممتلكات والآلات والمعدات، كشف عن توفر أحدها على جدران فقط، وافتقادها لآليات تنتج ولو علبة دواء واحدة، إذ تستقر قيمة هذه الممتلكات عند 74 مليون سنتيم فقط، فيما تستقر قيمة «الاستثمار» ذاتها لدى مختبر آخر عند 23 مليون سنتيم فقط، الأمر الذي يؤكد أن هذين المختبرين، في ظل عدم توفر أي معطيات عن المختبر الثالث لا يتوفران إلا على مكاتب وأوراق وأقلام، مقارنة مع حجم حضورهما في السوق، وقيمة الصفقات العمومية التي يحصلان عليها من وزارة الصحة سنويا.
وفي المقابل، فإن مختبرات أخرى في السوق، مثل «كوبر فارما» تتوفر على «رأس المال ملموس» بقيمة 27 مليارا و928 مليون سنتيم، فيما تسجل «لابروفان» ضمن هذه الفقرة من البيانات المالية مبلغ 11 مليارا و706 ملايين سنتيم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى «فارما 5» التي تصرح بـ12 مليارا و961 مليون سنتيم، وكذا «صوطيما» بـ35 مليارا و642 مليون سنتيم، إضافة إلى «برومو فارم» بـ11 مليارا و143 مليون سنتيم، و»زينيت فارما» بمليارين و59 مليون سنتيم.

تهرب ضريبي

في ظل تعذر الاتصال بالدكتور عمر بوعزة، مدير مديرية الأدوية والصيدلة بوزارة الصحة، من أجل التعليق على المعطيات الواردة في هذا التحقيق، إذ ظل هاتفه يرن دون مجيب، أظهرت البيانات المالية المذكورة تورط المديرية، التي أحجم «رادار» مراقبتها على التقاط خروقات هذه المختبرات، التي تمكنت من القفز على مهام التفتيش والمراقبة، التي تنجز من قبل هذه المؤسسة العمومية طيلة السنة، وتخضع لها أغلب المختبرات الوطنية، خصوصا أن الترشح لأي طلب عروض خاص بصفقة عمومية، يفرض إنجاز تقارير حول الوحدات الصناعية الخاصة بكل مختبر مرشح للصفقة.
وبهذا الخصوص، تحدثت مصادر متطابقة، عن واقعة فريدة همت مختبرا خضع لتفتيش من قبل المديرية المذكورة، إلا أن المفتشين تفاجؤوا بأن وحدته الصناعية لا تحمل من اسمها، إلا آليات قديمة متهالكة وبضعة تجهيزات بسيطة، لا تخولها تصنيع أدوية حديثة بكميات كبيرة، لكن تقرير المراقبة السلبي المنجز تم حفظه في رفوف (المديرية)، ومنح المختبر بعد ذلك صفقة عمومية من قبل وزارة الصحة.
ووجدت هذه المختبرات فردوسا جبائيا في المغرب، تتجاوز جاذبيته مزايا التخفيضات الضريبية، إلى «الإعفاء» شبه الكامل من كل تحملات في هذا الشأن. يتعلق الأمر بشركات تخالف التصريحات المدلى بها للسلطات، فهي تتضمن وحدات صناعية من أجل إنتاج الدواء، إلا أن الواقع يؤكد اقتصارها على افتتاح مكاتب تجارية للاستيراد فقط، ما يعتبر غشا ضريبيا، بحرمان الدولة من مداخيل جبائية مهمة عند عدم إحداث وحدة للتصنيع.

وتتهرب هذه المختبرات من ضرائب عند تحويل أرباحها إلى الخارج، إذ تحصل من وزارة الصحة على تراخيص من أجل افتتاح وحدات إنتاج أدوية نوعية، توفر مناصب شغل مهمة، إلا أنها تقتصر على النشاط ضمن مكاتب استيراد، تعمل على إغراق السوق بواردات من الأدوية المصنعة محليا، خصوصا ما يهم المضادات الحيوية ومسكنات الآلام والحمى وغيرها من الأدوية الرائجة، الأمر الذي أضر بمصالح المصنعين المحليين، الذين يعيشون مشاكل مالية مهمة، في ظل إغراق السوق وضعف قنوات التصدير نحو الخارج.
وتخرق المختبرات «الوهمية»، التي لا تتوفر على وحدات صناعية للإنتاج، مقتضيات المادة 74 من القانون 17- 04، بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، فهي تعتمد على الاستيراد والتوزيع في السوق، وتستفيد من اختلالات في تدبير أذونات العرض في السوق (AMM) وتراخيص الاستخدام المؤقت (ATU).
ويفترض أن يكون هذا النوع الأخير من الرخص مرتبطا بحالات استثنائية، يحتاج فيها المرضى إلى أدوية غير موجودة في السوق، إذ تمنح من أجل استيرادها، إلا أنها تحولت إلى وسيلة لإغراق السوق بأدوية للتسويق الحصري، موازاة مع تعثر الحصول على الأذونات من قبل المصنعين المحليين، وسهولة الاستفادة منها بالنسبة إلى بعض المستوردين، ما أضعف أنشطة المختبرات المحلية التي تستثمر في إحداث وحدات تصنيع وإنتاج.

تهديدات صحية

تشكل أنشطة المختبرات «الوهمية» تهديدات صحية خطيرة على المستهلكين المغاربة، فهي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، في ظل وجود ثغرات قانونية في المرسوم رقم 2.12.198، المتعلق بالتكافؤ الحيوي للأدوية الجنيسة، الذي لم يحدد تعريفا للمختبرات المرخص لها القيام باختبارات التكافؤ الحيوي عبر العالم، والمعايير الواجب التوفر عليها.
ويمكن الاستدلال في هذه الحالة، حسب مصدر مهني، بواقعة سحب دواء «بيدوفيكس»، الخاص بعلاج أمراض القلب والشرايين والضغط الدموي، من الصيدليات أخيرا، ذلك أن رواج هذا الدواء في السوق، يورط مديرية الأدوية والصيدلة (DMP) والمختبر الوطني لمراقبة الأدوية (LNCM)، اللذين يتحملان المسؤولية عن تنامي الاختلالات في مساطر الحصول على الإذن بالوضع في السوق (AMM)، الخاصة بالعقاقير المستوردة، تحديدا ما يتعلق بالشهادة الخاصة بتجارب التكافؤ الحيوي، المستخلصة من مختبرات عالمية.
وجمدت مديرية الأدوية والصيدلة بوزارة الصحة، جميع ملفات طلبات الحصول على الإذن بالوضع في السوق، سواء المتعلقة بالتصنيع المحلي أو الاستيراد، بخصوص الأدوية التي تتطلب اختبارا للتكافؤ الحيوي، قبل أن تعود من خلال مذكرة موجهة إلى المهنيين في 2015، تخبرهم بالعودة إلى النظام القديم «مقارنة الذوبان»، من أجل تسريع الإجراءات والمساطر، بما يخالف تعليمات المنظمة العالمية للصحة، التي أمهلت السلطات الصحية في جميع البلدان، أجلا محددا من أجل إخضاع أنواع معينة من الأدوية لاختبار التكافؤ الحيوي.

هيمنة على السوق
أثرت المختبرات «الوهمية» سلبا على تنافسية المصنعين المحليين ونسبة تغطية حاجيات السوق الوطنية، التي تراجعت من 85 % إلى أقل من 65 %، فيما تطورت قيمة فاتورة الأدوية المستوردة من 2.5 ملايير درهم إلى 5.5 ملايير، علما أن مختبرات أوربية انسحبت بشكل تدريجي خلال السنوات الماضية من المغرب، لتخلف وراءها منصات للاستيراد فقط، ما زالت تمارس نشاطها تحت غطاء «مؤسسة صيدلية صناعية».

وبهذا الخصوص، تفضح إحصائيات مكتب الصرف ارتفاع حجم واردات الأدوية، التي قفزت قيمتها إلى 79.5 مليار درهم متم أكتوبر الماضي، علما أن الأرقام المسجلة لدى المكتب والمصالح الجمركية، تتضمن تفاصيل صادمة، حول الاستغراق في استيراد الأدوية ذاتها المصنعة من قبل المختبرات الوطنية. يتعلق الأمر بما نسبته 48 % من الواردات التي تلج إلى السوق سنويا.
وتربط مصادر مهنية تراجع تنافسية المختبرات الوطنية بتزايد هيمنة (المختبرات الوهمية)، التي تتوفر على أفضلية استثنائية في الولوج إلى السوق باكرا، موضحة أن هؤلاء المستوردين يحصلون بسرعة على الإذن بالوضع في السوق (AMM)، داخل أجل لا يتعدى أقصاه ثمانية أشهر، في الوقت الذي يعاني المصنعون المحليون عند محاولتهم طرح منتوجاتهم في السوق، إذ تتجاوز مدة الحصول على الإذن المذكور من قبل مديرية الأدوية والصيدلة بوزارة الصحة، سقف ثلاث سنوات أحيانا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض