fbpx
تحقيق

“بيزنس” ملاعب القرب

مستشارون فوتوها لجمعياتهم ومداخيل تصل إلى 2000 درهم يوميا تصرف في حملات انتخابية سابقة لأوانها

راهنت الدولة على ملاعب القرب بشكل كبير من أجل التخفيف من حدة الاحتقان لدى الشباب، بسبب مشاكل البطالة ومحاربة التطرف والإدمان.
خصصت لبناء هذه الملاعب الملايير، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حتى تستجيب للمعايير الدولية. فعلا، انطلق بناء هذه المشاريع على وقع “الزفة” كما يقول المصريون، لكن ما لم ينتبه إليه أصحاب القرار أنهم بهذه المشاريع، ساهموا في ظهور طبقة ثرية جديدة، ما هم برجال أعمال ولا تجار، بل فقط فاعلون جمعيون، حولوا بقدرة قادر “العمل التطوعي” إلى ريع بتواطؤ مع مستشارين جماعيين.

إنجاز: مصطفى لطفي – تصوير: أحمد جرفي

بمنطقة الحي الحسني، اتفق شرطي مع شباب من الجيران على لعب مباراة لكرة القدم، بملعب للقرب تابع لحيهم. تم تحديد الموعد، وكلف أحدهم بالحصول على ترخيص وتوقيت المباراة.
انتقل المتبارون إلى الملعب، لي

200 درهم ثمن ساعة الواحدة للعب كرة القدم

فاجؤوا بالمكلف بالإشراف عليه يشترط عليهم أداء 200 درهم للساعة. استشاط الشباب غضبا، ففي فترة سابقة كان ثمن الساعة الواحدة لا يتجاوز 50 درهما. أصر المكلف على تسلم الثمن كاملا، مدعيا أن هذه المداخيل تخصص لصيانة التجهيزات وأداء النفقات. ظل كل طرف متمسكا بموقفه، فقرر الشرطي وزملاؤه إلغاء المباراة والعودة إلى الحي.
تبين في ما بعد أن المكلف ليس سوى رئيس جمعية، وفي ظروف مشبوهة أسندت له مهمة الإشراف على الملعب، بمساندة من مستشار بجماعة المنطقة، يسانده في حملته الانتخابية. هذا السلوك أصبح اللغة السائدة بعدد من ملاعب القرب بمختلف المناطق البيضاوية، إذ في ظروف غامضة تسند مهمة الإشراف عليها لجمعيات، من قبل مجالس المقاطعات، ما يعد تطاولا على القانون لأن المختص بتفويت هذه الملاعب لجمعية هو مجلس المدينة.

تحريف أهداف الملاعب

جمعيات احتكرت مداخيل الملعب وتهربت من إصلاحه

كانت بداية الإشراف على هذه الملاعب جد موفقة، ووجد أخيرا “أولاد الشعب” فضاء بتجهيزات مهمة، يمارسون فيه هواياتهم، خصوصا كرة القدم، بعد معاناتهم بسبب الزحف الإسمنتي الكبير بالبيضاء، لكن في حدود 2009، انقلبت أمور هذه الملاعب رأسا على عقب، بعد أن أدرك مستشارون بـ”مكرهم” الانتخابي أهمية هذه الملاعب في كسب أصوات انتخابية. توقف عبد الجليل، أستاذ السلك الإعدادي، عند مسألة في غاية الأهمية وهي أن ظهور هذه الملاعب، قلل من حدة الصراعات في الجموع العامة لفرق الهواة بالبيضاء، إذ كان المستشارون يدخلون في حروب طاحنة للظفر بمقعد في المكتب المسير لهذه الفرق لأهداف طبعا انتخابية، عبر تسجيل أبناء المنطقة مجانا في مدارس الكرة التابعة لهذه الفرق، مقابل طبعا تصويت آبائهم عليهم في كل استحقاقات انتخابية، لكن يضيف عبد الجليل، في ما بعد أدرك مستشارون أهمية ملاعب القرب، فدورها شبيه تماما لمراكز التكوين التابعة للفرق الرياضية، وبالتالي بدل الدخول في حروب طاحنة للظفر بعضوية داخل فريق ما، تمكنوا بطرق ملتوية من تفويت ملعب ما إلى جمعية تابعة لهم، متطاولين على اختصاص مجلس المدينة وضاربين بعرض الحائط كل القوانين والأعراف.

إتاوات وأرباح خيالية

صار ملزما على كل راغب في الاستفادة من ملعب للقرب أداء مبلغ مالي معين، رغم شعار المجانية الذي رفع في البداية، ويعلل المسؤولون أنه مساهمة من المستفيدين في تسديد نفقات إصلاح وتجهيز الملعب، وأداء فاتورة الماء والكهرباء. إلى حدود كتابة هذه الأسطر يبدو المبرر مقبولا شيئا ما، لكن أن يتضاعف مبلغ الاستفادة من الملعب، ويصل إلى 200 درهم للساعة، بل لمناسبات يفوت لجهات بـ500 درهم للساعة، هنا يطرح أكثر من سؤال، هل الدولة عندما أنجزت هذه المشاريع، اشترطت أن تحولها إلى ملكية خاصة؟ وإذا كانت من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تهدف إلى تحقيق الربح المادي من خلال هذه المشاريع، لماذا ترددت في تفويتها للخواص، مقابل سومة كرائية معقولة؟
لم يقتصر الأمر على تحديد سعر معين للساعة الواحدة، بل ابتكر البعض طريقة للرفع من الأرباح، وهي تحديد ثمن لكل شاب راغب في لعب كرة القدم، يصل إلى 20 درهما، وبعملية حسابية بسيطة يجني هؤلاء أزيد من 240 درهما في الساعة الواحدة، وعلى مدار اليوم تصل المداخيل إلى أزيد من 2000 درهم يوميا.
أرباح مغرية فعلا، لكن السؤال هل تستفيد الجمعيات لوحدها من هذه المداخيل؟ الجواب طبعا لا، لأن المكلف بالإشراف على الملعب مجبر على تسليم جزء من المبلغ لولي نعمته، والذي لن يكون سوى مسؤول بالجماعة التابعة له.
دخلت عدة أطراف على خط هذا الملف، وتوالت الاحتجاجات على احتكار جمعيات معينة تسيير هذه الملاعب، والتي قد تتجاوز 60 ملعبا بالبيضاء، بل منهم من عمد إلى فضح مستشارين وتحديد قيمة الأموال التي يجنونها من ملاعب القرب، متحدثين عن رقم يصل إلى 100 مليون سنويا.
لكن تبين في ما بعد أن كل هذه الاحتجاجات ونشر غسيل الفضائح على وسائل الإعلام، مجرد “جعجعة بلا طحين”، نوايا أغلب محركيها غير سليمة، إذ غالبا ما تخفت حدتها بعد إعادة “توزيع الغنيمة” عليهم.

فضائح بالجملة

من أكبر الخروقات التي يشهدها ملف تسيير ملاعب القرب بالبيضاء، تطاول مسؤولي الجماعات على اختصاص مجلس المدينة، فهذه المؤسسة الوحيدة، التي تحظى بصلاحية الإشراف على هذه الملاعب وعقد شراكات مع جمعيات أو جهات معنية للإشراف عليها، بناء على دفتر تحملات. ومن باب الشفافية تعقد دورتان على الأقل للمجلس للإعلان عن هذا التفويت، الأولى تخصص لتحديد أسماء الجمعيات “المحظوظة” والثانية لوضع دفتر تحملات، ببنود صارمة، من قبيل ألا تتجاوز قيمة ثمن الساعة الواحدة 50 درهما، وأن يخصص الملعب لشباب المنطقة التي يوجد بها دون غيرهم، وإذا وقع أي إخلال، يتم إلغاء هذا التفويت في الحال.
لكن “مافيا” الانتخابات كان لها رأي آخر، إذ في خرق كبير للقانون الجماعي، تم التطاول على اختصاص مجلس المدينة، وعقدت مجالس المقاطعات صفقات مع جمعيات غالبا ما تكون مقربة من أصحاب القرار بها، لتفويت هذه الملاعب لها.
من أجل إضفاء الشرعية على هذه العملية، وافق مسؤولو الجماعات “على الورق”، تحديد أسعار تفضيلية لفائدة قاطني المنطقة، مع احتفاظ الجمعيات بكل مداخيل ملاعب القرب من أجل تسديد فاتورات الماء والكهرباء وكل أعمال الصيانة.لكن على أرض الواقع، ضرب هذا الاتفاق عرض الحائط، كيف ذلك؟
يكشف عزيز مومن، مستشار سابق بمجلس المدينة ومنسق البيضاء لحزب الحركة الشعبية قطاع المجتمع المدني، أن أول قرار تبنته عدد من الجمعيات التي استفادت من ريع هذه الملاعب، ضرب مبدأ المجانية، ورفع القيمة المالية إلى 200 درهم للساعة، بل وصل الأمر ببعضها إلى حد توقيع شراكات مع شركات أو مؤسسات عمومية عديدة، لاستفادة عمالها أو موظفيها من استغلال هذه الملاعب بقيمة تصل إلى 500 درهم للساعة.
والنتيجة، يؤكد مومن، أن الجمعيات عن عمد، أقصت شباب المنطقة من الاستفادة من خدمات هذه الملاعب، بعد أن صارت تحقق مداخيل مالية مهمة، ضاربة عرض الحائط كل الأهداف الاجتماعية التي كانت سببا في تطبيق هذا المشروع.
وأضاف مومن، أن المثير أكثر في هذه القضية أن أغلب الجمعيات تتملص من التزاماتها، بخصوص صيانة الملاعب وأداء نفقاتها، إذ يتولى مجلس المقاطعة، نيابة عنها، تسديد فواتير الماء والكهرباء و كل مصاريف الصيانة.
كلام عزيز مومن، يؤيده عدد من الشباب بمختلف المناطق البيضاوية، إذ أكدوا لـ”الصباح” أنهم يفاجؤون لكل مناسبة، خصوصا بالليل، بحرمانهم من استغلال هذه الملاعب، بحجة أن أغلب الساعات المخصصة حجزت من قبل جهات، وعند مطالبتهم بتحديد هوية هذه الجهات على أمل أن يكون أفرادها من الحي، من أجل اللقاء بهم وإقناعهم بالتنازل لهم عن ساعة فقط للعب كرة القدم، يلتزم المشرفون على الملعب الصمت، خوفا من ردود أفعال غاضبة من شباب الحي.

مستشارون … حيتان العمل الجمعوي

تحقق الجمعيات مداخيل مالية مهمة، وتعفى من تخصيص جزء منها، من أجل صيانة الملعب وأداء نفقات استغلاله، ليبقى السؤال، ما مصير أموال هذه الملاعب؟
يفجر العربي، فاعل جمعوي بسيدي مومن مفاجأة كبيرة، عندما تطرق لما أسماهم “محترفو العمل الجمعوي”. ويوضح العربي هذه العبارة أكثر، بالتذكير أن الأصل في العمل الجمعوي أن يكون تطوعيا، لأن الجمعيات كما نص على ذلك القانون لا تهدف إلى تحقيق الربح، لكن بعض مسيريها حولوها إلى مقاولات وجنوا منها الملايين، من بينهم طبعا المشرفون على ملاعب القرب.
وشدد العربي على أن عددا من الجمعويين، عاطلون عن العمل، ومع ذلك يملكون شققا وسيارات، بل تحولت صفة “جمعوي” إلى رمز للطريق السريع نحو تحقيق ثروة في ظرف قياسي، شرط أن تكون مسنودا من قبل المنتخبين وحتى بعض رجال السلطة.
أما عزيز مومن، فتوقف عند مسألة في غاية الأهمية، وهي أن أموال هذه الملاعب تستغل من قبل منتخبين في أعمال البر والإحسان، لضمان أنصار وأصوات انتخابية جديدة.
ويضرب عزيز مومن المثل، بمستشار جماعي تمكن من تفويت ملعب للقرب إلى جمعية مقربة منه، وعند حدوث وفاة بالحي التابع له أو طلب مساعدة مالية، يأمر رئيس الجمعية بتسديد نفقات الدفن وواجب العزاء، أو منح جزء من المال للمحتاجين، مع الترويج أن هذه الأموال من المال الخاص للمستشار لكسب تأييد وتعاطف السكان.

الطالبي يدق طبول الحرب

لم تمر على تعيين رشيد الطالبي العلمي وزيرا للشباب والرياضة إلا أشهرا، حتى قرر الخوض في هذا الملف الشائك، إذ أن الموضوع أثير في سؤال شفوي لبرلماني، فاستغل الوزير الفرصة لإعلان الحرب على المستفيدين من ريع ملاعب القرب، وأكد أنها ستكون بالمجان، لأن الجمعيات أساءت لهذه التجربة، وحرمت العديد من الشباب من الاستفادة من خدماتها.
توهم البعض أن كلام الوزير مجرد “استعراض عضلات” داخل قبة البرلمان، وكلامه بالنهار سيمحوه الليل، وقريبا سيرمى في مزبلة التاريخ، بمجرد عودته إلى مكتبه الفاخر، لكن الوزير لم ينكث وعده، وعلى الفور أصدر قراره بإلغاء جميع الصفقات والعقود، المتعلقة بتدبير وتسيير ملاعب ومراكز القرب.
شكل الخبر صدمة لكل من اعتاد الاستفادة من “كعكة” هذه الملاعب، إذ من بداية هذه السنة الجديدة، ستصبح تابعة للمديريات الجهوية والإقليمية التابعة لوزارة الشباب والرياضة، التي ستشرف على كل صغيرة وكبيرة فيها.
لكن، هل سينجح الوزير في هذا التحدي؟ بالنسبة إلى حمزة فاعل جمعوي بمنطقة مولاي رشيد، يبدو القرار شبه مستحيل، وأن خطوة الوزير ستجد عراقيل عديدة، لأن “مافيا ” ملاعب القرب، لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تفقد أهم قلاع تدر عليها المال وأصوات الناخبين.
وتوقع حمزة، أن يتم إجهاض خطوة الوزير مهما كلف الثمن، من قبل الكائنات الانتخابية، عبر إجبار مسؤولي الوزارة بالعمالات والأقاليم على إشراك الجمعيات التابعة له في تسييرها، وبالتالي، يعود كل شيء إلى نقطة الصفر.
فملاعب القرب حسب حمزة، “بقرة حلوب” ، وبها يؤسس مستشار ما “حلفا انتخابيا” مع رؤساء جمعيات، إذ يمكنهم من تسيير هذه الملاعب والاستفادة من مداخيلها دون حسيب أو رقيب، مقابل حشد أصوات انتخابية له في كل استحقاق انتخابي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق