fbpx
حوار

رئيس نادي قضاة المغرب: القضـاة يـؤدون ثمـن سنـوات الإهمـال

الشنتوف رئيس نادي قضاة المغرب قال إن هناك تبديدا للمال العام بشأن صفقة بناية المجلس الأعلى للقضاء

قال عبد اللطيف الشنتوف رئيس نادي قضاة المغرب إن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يواجه تحديات في صعوبة إقامة توازن بين هشاشة النص القانوني المؤطر للسلطة القضائية أشخاصا ومؤسسة، وبين كسب رهان تقديم خدمة قضائية في المستوى تتيح لجميع المتقاضين الحصول على حقوقهم. وأضاف في حوار مع “الصباح” أنه على المجلس أن يعيد الأبحاث في كل الملفات التأديبية المحالة من قبل وزير العدل السابق.

< في نظركم ما هي أهم التحديات التي تواجه القضاء المغربي بعد تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ؟
< أظن أن التحديات ستكون كبيرة جدا أمام القضاء المغربي في الأيام المقبلة ولربما في السنوات المقبلة، وتتجلى باختصار في صعوبة إقامة توازن بين هشاشة النص القانوني المؤطر للسلطة القضائية أشخاصا ومؤسسة وبين كسب رهان تقديم خدمة قضائية في المستوى تتيح لجميع المتقاضين الحصول على حقوقهم في وقت محدد وباطمئنان.
وأقصد هنا بالإطار القانوني القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، حيث إن العديد من مقتضيات هذين القانونين كما تعلمون لم تستحضر الوثيقة الدستورية والسياق العام الذي جاءت فيه ولا الخطابات الملكية بشأن تفسير الدستور تفسيرا ديمقراطيا، بل العكس هو الذي حصل تماما، وأذكر هنا بالمطالب والنقاشات التي طبعت خمس سنوات السابقة، ومع ذلك لم يصل هذا النص القانوني إلى المبتغى المطلوب وتوجد به العديد من الهفوات التي سوف يكشفها التطبيق العملي، وإن كنا لا ننكر بعض الإيجابيات القليلة مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.

< هل هذا يعني أن القضاء المغربي سيواجه تحديات كبرى خلال مرحلة التأسيس للسلطة القضائية؟
< التحديات التي ستواجها القضاء المغربي يمكن إجمالها في ثلاثة تحديات أساسية تتمثل في تدبير الشأن القضائي في ظل انعدام الموارد المالية ثم شفافية عمل المجلس ثم كذلك في صدور قانونين ذوي جودة كبيرة مرتبطة بالقضاء .
فيما يخص تحدي انعدام الموارد المالية، فإنه سيكون مؤثرا من دون شك إذ طيلة خمس سنوات من النقاش لم يتم التفكير في بناء مقر للمجلس مع أن مقره كبناية مستقلة كان أمرا محسوما بالدستور، وعندما صدر القانونان التنظيميان تم كراء مقر غير لائق بتاتا كما نبه إلى ذلك بيان الجمعيات المهنية للقضاة جميعا، ولم يتم إصلاح الوضع في حينه، وهاهم الآن بعد أقل من ثلاثة أشهر يبحثون عن مقر آخر كما بلغ إلى علمي، بعد ضياع مبلغ مهم من ميزانية الدولة.
المجلس انطلق الآن وليس لديه العدد الكافي من الموظفين ولا حتى موقع إلكتروني للتواصل ولا مكاتب جيدة للاشتغال والاستقبال ولا أي شئ من هذا القبيل، وكل هذا كان يمكن تجاوزه لو دبرت المرحلة السابقة بشكل جيد، وطبعا هذا دون نسيان ظروف الاشتغال واستقبال المتقاضين بالمحاكم .

< بالرجوع إلى النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ما المقاربات المأمولة من المجلس ؟
< هناك ثلاث مقاربات يجب استحضارها لإعداد هذا النظام الداخلي، وهي :
-مقاربة الحكامة، ومن تجليات هذا المبدأ في موضوع النظام الداخلي أن يقوم بتحديد الهياكل الإدارية والمالية بشكل يستجيب لحاجيات المجلس الفعلية أولا وأن يتم الاحتكام إلى آليات تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص في اختيار المشرفين على هياكل المجلس برمتها ثانيا، ومنها على الخصوص منصبي الأمين العام للمجلس والمفتش العام للشؤون القضائية اللذان وإن كان القانون التنظيمي للمجلس قد حدد أنهما يعينان من قبل جلالة الملك باقتراح من الرئيس المنتدب بعد استشارة المجلس، فإن ذلك لا يتنافى إطلاقا مع قيام الرئيس المنتدب بإعلان الترشح للمنصبين ووضع شروط الكفاءة المطلوبة والقيام بمقابلة لتقييم الكفاءة مع كافة أعضاء المجلس وحتى إمكانية الاستعانة بخبراء في التوظيف، وبعد حصر الأسماء تقترح من طرف الرئيس المنتدب على الملك قصد إصدار ظهير التعيين وفق القانون.
والأمر نفسه يجب أن ينطبق على كل الوظائف داخل المجلس أو تلك التي أناط القانون اختيارها من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو رئيسه المنتدب.

< وماهي المقاربة الثانية ؟
< مقاربة الشفافية التي يقصد بإعمالها في النظام الداخلي للمجلس بشكل عام عن طريق إقرار مقتضيات تسهل على القضاة وغيرهم من المواطنين متابعة عمله بدءا من نشر جدول أعماله ونتائج أشغاله عقب كل اجتماع وتكليف عضو من بين أعضائه بالتواصل مع الإعلام وتقديم تقارير سنوية ونشرها بوسائل سريعة وحديثة وتمكين القضاة من الاطلاع على وضعيتهم الإدارية كلها بوسائل حديثة وعن بعد.

< وماهي المقاربة الثالثة ؟
< المقاربة التشاركية، إذ على المجلس أن يبرهن للقضاة وللرأي العام أنه احترم هذا المبدأ الدستوري المهم من خلال اعتماده مبدأ التشاور مع الجمعيات المهنية الممثلة للقضاة ولمن يرى فائدة في استشارته في إعداد النظام الداخلي ولو من دون وجود نص يلزمه بذلك، على خلاف ما هو عليه الحال في إعداده لمدونة السلوك التي ألزمه القانون باستشارة الجمعيات المهنية، فالنص الدستوري أسمى من أي قانون آخر وواجب الإتباع. كما أن هذا النظام الداخلي عليه أن يسن مقتضيات تكرس هذه المقاربة التشاركية وذلك عن طريق إقرار نص عام يجعل من الجمعيات المهنية الممثلة للقضاة شريكا أساسيا في أشغال المجلس وقراراته باستثناء ما جعله القانون بشكل واضح اختصاصا حصريا له حفاظا على حقوق أطراف معينة، و المبدأ نفسه يجب أن ينطبق على تعامل المجلس مع هيآت لها علاقة بالقضاء .
< لكن المجلس الحالي اشتغل على موضوع تمديدات القضاة ولم يصدر أي بلاغ في الموضوع، هل تعد هذه بالنسبة لكم بداية غير جيدة ؟
< صحيح، اشتغل المجلس على موضوع التمديدات وعلى موضوع آخر هو انتقاء بعض القضاء للعمل قضاة توثيق في قنصليات المملكة بالخارج،كما تم توقيف قاض عن مزوالة عمله، ولكن لم يصدر أي بلاغ تواصلي للرأي العام، وحسب ما بلغني فإن نتائج الاشتغال على التمديدات والانتقاء المذكور كانت بناء على معايير واضحة ومحددة ولكن هذا يجب أن يظهر وينشر حتى يتضح الأمر وحتى نقطع مع السنوات السابقة، وآمل أن تكون البداية وقلة الموارد هما السبب.

< تطرح بشكل جدي مسألة تدبير الملفات التأدبيبة في المرحلة الحالية كيف سيتعامل المجلس الأعلى للسلطة القضائية معها؟
< يمكننا إعطاء تصورنا الخاص لهذا الموضوع الشائك الذي ورثه المجلس الجديد عن المجلس السابق، بحيث يجب التمييز هنا بين نوعين من الملفات التأديبية، الأولى وهي الغالبة وتتعلق بالملفات المحالة من قبل وزير العدل السابق في الشهور الأخيرة من وجوده بالوزارة، الثانية وهي ملفات قليلة تتعلق بإحالات بعد دخول القانون حيز التنفيذ وربما يتعلق الأمر بملف واحد لحد الآن.
وفي نظري فإن التعامل مع الأمرين من قبل المجلس يجب أن يكون مختلفا، إذ يجب أن يعيد الأبحاث في كل الملفات المحالة من طرف وزير العدل السابق واتخاذ قرار الإحالة على المجلس أو الحفظ في الملفات التي لا تستحق والتي من شأنها تضييع وقت وعمل المجلس الذي تنتظره أشغال كثيرة، أما الملفات الجديدة فلا إشكال فيها وسوف يتابعها بنفسه لأنها وقعت بعد دخول القانونين التنظيميين حيز التنفيذ.

< كن ما هو السند القانوني الذي يمكن للمجلس الاستناد عليه لإعادة الأبحاث؟
< الأبحاث التي أجريت من طرف المفتشية العامة التابعة لوزارة العدل أو من طرف المقررين في ملفات معينة، يمكن للمجلس الجديد أن يقرر إعادة الأبحاث فيها عن طريق المفتشين وفقا لنص المادة 116 من الدستور التي تنص على أن “يساعد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في المادة التأديبية، قضاة مفتشون من ذوي الخبرة”، والمادة 87 من القانون التنظيمي للمجلس، ثم كذلك عن طريق مسطرة المقرر التي تختلف عما هي عليه الآن والمجلس الجديد يمكنه أن يقوم بفرز هذه الملفات بين ما يستحق المتابعة وما لا يستحقها وبالتالي بإمكانه أن يقوم بحفظها، إذ أن المادتين 88و90 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تسعفان في هذا الأمر لكون المقتضيات الإجرائية تدخل حيز التنفيذ فورا كما هو معلوم .

شفافية< ماذا عن شفافية السلطة القضائية؟
< الرفع من الشفافية أمر مطلوب منه، إذ هي التي سوف تؤكد للقضاة وللرأي العام أن القضاء ومؤسساته قادرة على تحمل المسؤوليات وحسن إدارتها وأولى الامتحانات أمام المجلس تتمثل هنا في إعداد نظامه الداخلي وشفافية عمله وإخراجها للرأي العام وبيان المعايير المعتمدة .
وأما تحدي صدور قوانين جديدة فإنه مما تنبغي الإشارة هنا إلى أنه منذ دستور 2011 لم يصدر من القوانين المهمة للقضاء المغربي إلا القانونان التنظيمان المشار إليهما أعلاه. ولكن لكي يشتغل القضاء بشكل حقوقي أكثر ويضمن المحاكمة العادلة فإنه لا بد من تغيير الترسانة القانونية التي يشتغل بها كل يوم، إن على مستوى القوانين المسطرية أو القوانين التي تخص تنظيم الموضوعية والتي يعود بعضها إلى الستينات والسبيعيات كالقانون الجنائي والمدني والمسطرتين المدنية والجنائية وقانون التنظيم القضائي .

إشكالية عمل المفتشية العامة

هذا مشكل قانوني كبير يعتري عمل المجلس بفعل عدم تنصيص القانون التنظيمي للمجلس على أي مقتضيات انتقالية بهذا الخصوص، وإنما فقط نصت المادة 53 من القانون التنظيمي للمجلس أن هذا الأخير ” يتوفر على مفتشية عامة للشؤون القضائية يحدد القانون تأليفها وإختصاصتها وقواعد تنظيمها وحقوق وواجبات أعضائها”، وبالتالي يلزم انتظار صدور القانون المنظم لهذه الجهاز الهام في عمل المحاكم وما يتطلبه ذلك من إجراءات، وأما المفتشية العامة الحالية فهي تتبع للوزارة وعملها سيبقى منحصرا في الجانب الإداري والمالي للمحاكم بما لا يتنافى والتدخل في استقلال القضاء،وهذه من الثغرات القانونية الموجودة في القوانين التنظيمية الجديدة التي صدرت بعد ست سنوات من الانتظار .

اختلالات التدبير والتسيير

أن القضاة والموظفين يؤدون الآن ثمن سنوات من الإهمال وانعدام نجاعة خطط الإصلاح، فالمجهودات التي يقوم بها القضاة ليلا ونهار لا تظهر جيدا وأحيانا تبدو غير مفيدة بفعل الاختلالات العميقة التي يعانيها مرفق القضاء على مستوى التدبير والتسيير وهي التي رصدها الخطاب الملكي ل 20 غشت2009 ولم يتم تجاوزها وبفعل أن مخططات الإصلاحات المركزية لا تركز على جوهر المشكل الحقيقي ولم تشرك المعنيين بالعمل في المحاكم.
وطبعا هنا لا أقصد البنايات والأمور اللوجستيكية إذ أن هذه أمور من الضروري أن تكون، وهي مرتبطة بوجود الموارد من عدمها لا اقل ولا أكثر. أقصد بشكل خاص كيفية ترشيد العمل القضائي في المحاكم من خلال إزالة ما لا فائدة فيه ويثقل كاهل القضاة والمتقاضين وكثرة التعقيدات والوسائط والتكرار ووضع مخططات وصفت بالتحديث والإصلاح وهي غير مناسبة إطلاقا للمحاكم المغربية في شكلها الراهن، ونحن جمعية على استعداد للإسهام في كشف هذه العوائق الواقعية، إذا ما رغبت الجهات المختصة في ذلك، وأقدم لكم مثالا مما يسمى تحديث المحاكم ورقمنتها، إذ أن هذا الموضوع رغم أنه يمثل فكرة جيدة ومن مطالبنا في نادي قضاة المغرب ولكن تطبيقه على أرض الواقع يحتاج إلى أمور أخرى منها تجاوز مشكلة كيفية تعامل العنصر البشري معه من المسؤولين القضائيين و القضاة والموظفين ومساعدي العدالة والمتقاضين أيضا، والتعاون مع الإدارات والفاعلين الآخرين، لأن المحكمة لا تشتغل لوحدها إطلاقا فلا معنى لان أشتغل لوحدي بنظام معلوماتي لا يشتغل به الدفاع والخبراء والمفوضون ولا الضابطة القضائية في علاقتها بالنيابة العامة، وبالتالي يصير العنصر المعلوماتي القائم على السرعة عنصر تعطيل مصالح الناس لا أقل ولا أكثر.

القضاة يعانون في صمت

إن تحفيز العنصر البشري في القضاء المغربي منعدم تماما فلا اهتماما حقيقيا بالجانب الاجتماعي عموما والمادي خصوصا من تعويضات على الديمومة وإحداث وسائل لمكافأة المجتهدين ولا أجرا كافيا يوازي ثقل المهمة وساعات العمل الطوال بالليل والنهار وخاصة في بداية مشوار القاضي ولا تغطية صحية قائمة على نظام صحي متكامل يضمن التدخل في أول وهلة. وهنا أشير إلى تزايد عدد القضاة الذين توفوا إلى رحمة الله نتيجة أمراض خطيرة لها علاقة بطبيعة الشغل والضغوط النفسية والإرهاق الجسدي وكان آخرهم، مستشار باستئنافية طنجة توفي في مقتبل العمر وقبله عدد كبير من سلا ومراكش وطنجة وغيرها، نتيجة انعدام النظام الصحي الفعال وأشير إلى أن نادي قضاة المغرب سبق له التنبه إلى خطورة هذا الأمر وسوف يفتح هذا الملف ويشتغل عليه بكل ما أوتي من قوة فالأمر وصل لدرجة لا تطاق.

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى