بقلم: الفاضل الرقيبي في العواصم العالمية الكبرى، لا يعلن عن نوايا التصنيف الإرهابي بين عشية وضحاها، فالأمر لا يتم ببلاغ طارئ، أو تصريح عابر، بل يطبخ بهدوء في الغرف الخلفية، ويؤسس له عبر تقارير ومؤشرات وشهادات. هذا تماما ما يجري اليوم مع "بوليساريو"، التي بدأت تتحرك دوائر القرار في واشنطن وبعض العواصم الغربية حول ضرورة تصنيفها تنظيما إرهابيا، فمنذ أشهر، بدأت تتسرب إشارات ضمنية، عبر بعض تقارير مراكز التفكير الأمريكية، المقربة من دوائر القرار، التي لم تكن مجرد آراء باحثين، بل إملاءات ناعمة تمهد لقرارات صلبة، ما جعل الجزائر، التي تظن أنها المتحكم في إيقاع "بوليساريو"، تجد نفسها أمام أزمة مركبة، تتعلق بكيفية التعامل مع هذا التحول الخطير في نظرة الغرب لصنيعتها، التي راهنت عليها لتنفيذ أجندتها الإقليمية، إذ ليس من السهل الرد على تقارير تشير بالأسماء إلى تورط قيادات الجبهة في تسهيل نشاط الجماعات الجهادية، كما سيصعب عليها تبرير استمرارها في تمويل كيان بات يشكل خطرا، يتجاوز بكثير المنازعة الإقليمية مع المغرب. السلطة الجزائرية اختارت أن تلوذ بالصمت، هذه المرة، في ما يشبه محاولة لتمرير العاصفة، لكنها تعلم أن العاصفة هذه المرة لا تهب من الرباط، بل من واشنطن وباريس ومدريد وبرلين، كما تعلم أن المعركة لم تعد دبلوماسية، بل أمنية، والسردية الجزائرية الأزلية، المتعلقة بـ "دعم حق تقرير المصير"، لن تتماشى مع إشكالية توفير الدعم المادي واللوجستي لجماعات متطرفة، اختطفت وقتلت عددا من الغربيين، خصوصا أن جنرالات بن عكنون يعلمون يقينا أن صانعي القرار في واشنطن ليسوا بصدد بناء خطاب سياسي لإرضاء الرباط، بل يملكون ملفات استخباراتية دقيقة، جمعت على مدى سنوات، وتتضمن تقاطعات ميدانية بين عناصر من "بوليساريو" والجماعات الجهادية وشبكات التهريب والتسليح في شمال مالي وغرب النيجر. من جهتها، لم تعد "بوليساريو" تتصرف مثل تنظيم واثق، فخطابها الداخلي بدأ يحمل توترا واضحا، والشعارات التقليدية عن النضال أصبحت مترددة، وكأن هناك وعيا خفيا بأن الخطر هذه المرة ليس مغربيا، فواشنطن تعرف، مثل باريس ومدريد، أن أسماء بارزة في التنظيمات الجهادية بالساحل مرت عبر المخيم كأبو الوليد الصحراوي، الذي كان أحد أخطر وجوه "داعش" الصحراء الكبرى، وهو لم ينشأ في كابول أو إدلب، بل ترعرع في مخيم العيون بتندوف، وتحديدا بدائرة الحكونية، "حي 3"، وأبو البراء مثله، وقبلهما عبد الرحمن الصحراوي، ومحمد سالم الصحراوي، جميعهم تلقوا تدريبات عسكرية على يد ضباط جزائريين في معسكرات تدار مباشرة من قبل "بوليساريو"، شرق الرابوني. أما الشق الآخر في هذه المنظومة، فيكمن في ما تسميه التقارير الغربية اقتصاد الحرب، الذي تديره الجبهة بتواطؤ جزائري، فالمحروقات التي تمنحها الدولة الجزائرية شهريا لـ "بوليساريو"، من أجل تسيير الشؤون المدنية للمخيمات، يعاد توجيه أكثر من ثلثيها إلى الجماعات النشطة في مالي والنيجر، عبر شبكة وسطاء تدار، بشكل شخصي، من قبل إبراهيم الصغير، شقيق زعيم الجبهة إبراهيم غالي، الذي لا يدير فقط المال، بل يتحكم في مفاتيح توزيع المحروقات والسلاح الخفيف، بالتنسيق مع شخصيات نافذة في الجبهة على رأسها ابريكي أبوه، ابن خالة القائد العسكري للناحية السادسة، وسالم لبصير، الذي يشرف على شبكة لتخزين الوقود وتوجيهه نحو الحدود الموريتانية ـ المالية، حيث يعاد بيعه أو يقدم هبة للمتمردين لقاء خدمات في التهريب والتأمين والقتال. بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد أسماء عناصر اتصال ضمن جهاز أمن "بوليساريو"، مثل محمد البشرة ومحمد عالي البرناوي والحسان بوشلكة، ممن تولوا تسهيل مرور الأسلحة والوقود، وحتى المقاتلين، بين تندوف ومنطقة "تمبكتو"، عبر دروب يعرفها الأمن الجزائري جيدا، لكنه يغض الطرف عنها لحسابات جيوسياسية. إن ما يتبلور الآن أمام العواصم الغربية، هو أن "بوليساريو" لم تعد حركة تطالب بحق تقرير المصير، كما كانت تدعي من قبل، بل أصبحت طرفا فاعلا في شبكة تهديدات إقليمية تمس الأمن الأوربي والأمريكي مباشرة، وبذلك ستجر الويلات على عرابيها في قصر المرادية، لأن الجزائر، بحكم الدعم والتمويل والتدريب، الذي تقدمه لـ "بوليساريو"، وكذلك برعايتها للدور المظلم الذي تقوم به مليشياتها في الساحل، قد تصنف من قبل القوى الغربية ضمن محور الشر، الذي يوجد حاليا تحت مجهر الرئيس ترامب، وهو ما سيجبرها على الاختيار، إما التخلي عن "بوليساريو" لحماية مصالحها الإستراتيجية، أو الدخول في عزلة دبلوماسية، ومواجهة ضغط عالمي غير مسبوق.