حوار

طيب عمر: قضية دانيال سرعت إعادة النظر في العفو

المحامي من هيأة البيضاء يرى أن المطلوب من الناحية الحقوقية ورعيا لاستقلال القضاء وحرمة قراراته أن يأتي العفو بعد صدور حكم نهائي

إثر صدور العفو الملكي عن مجموعة من السجناء الإسبان، عرفت الساحة الإعلامية والقضائية والحقوقية، نقاشا ساخنا بسبب وجود مغتصب الأطفال ضمن تلك اللائحة، واختلفت الآراء.
 في هذا الحوار تطرح الصباح مع الطيب محمد عمر، محام بالبيضاء، إشكالات العفو من خلال الحديث عن التطورات التي شهدها منذ الاستقلال الآن وتداعيات

 قضية دانيال كالفان، إذ يؤكد طيب محمد عمر مسألة مهمة بشأن إعادة صياغة نصوص العفو تخص عدم استيراد نصوص قانونية من الخارج لأننا
في بلد نظام الحكم فيه نظام ملكية دستورية، فأخذ الخصوصية المغربية بعين الاعتبار وتوسيع المشاركة في النقاش أمران لازمان .

 

 كثر الحديث أخيرا عن العفو الملكي، في نظركم  ما هي التطورات التشريعية التي طرأت على ظهير العفو؟
بتاريخ 19/4/1956 وبالتزامن مع فترة الاستقلال كان صدر ظهير شريف مرقم تحت عدد 1.56.091 بإحداث لجنة لمراجعة الأحكام الجنائية والعفو، وبعد مرور أقل من سنتين نشرت الجريدة الرسمية عدد 2365 الصادرة بتاريخ 21/2/1958 ظهير العفو الصادر بتاريخ 06/02/1958، الذي ألغى الظهير الأول، وألغى معه فكرة ربط العفو بمراجعة الأحكام الجنائية، كخطوة أولى نحو استقلال القضاء وفصل السلط، واستمر العمل بهذا الظهير على حالته إلى غاية تاريخ 5 غشت 1963 إذ أضيف إلى تشكيلة لجنة العفو ضابط من الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية، إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية والتعديل الثاني أدخل بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون الصادر بتاريخ 8 أكتوبر 1977 الذي نسخت بموجبه الفصول من 1 إلى 5، وتم استبدالها بخمسة فصول أخرى غيرها، وبموجب الظهير الشريف الصادر بتاريخ 25 أكتوبر 2011 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر الصادرة بتاريخ 26/10/2011 تم استبدال مسميات اقتضاها تنزيل بنود الدستور الجديد.
 وهكذا يلاحظ أن الظهير المنظم للعفو قد لحقته تعديلات وترميمات إن لأسباب سياسية محضة مرت منها البلاد، أو لأسباب تقنية اقتضاها تحيين التشريع، ودون ذلك فقد بقي الأمر بمثابة “الطابو”الذي لم يجرؤ على الإقتراب منه السياسيون والبرلمانيون، ولم يتعمق في دراسته الفقهاء والباحثون، الى أن وقعت حادثة دانييل التي يصدق عليها القول “رب ضارة نافعة “، أو “النقمة التي في طيها نعمة “.

على ذكر واقعة دانييل كالفان وما صاحبها من ردود فعل أنتم بصفتكم محاميا  كيف تنظرون إليها؟
إن الحادثة المذكورة، التي من حق أي مواطن أن يبدي رأيه بشأنها بما يعتقده صوابا، دون أن يخشى توصيفه بأوصاف معينة أو الباسه لبوسا ليس له، حادثة يمكن أن تكون موضوع قراءات منها انها قد أعطت الدليل القاطع على أن المجتمع المدني على درجة كبيرة من اليقظة والتأهب للدفاع عن كرامته وكرامة أبنائه وعن دول الحق والقانون والمؤسسات، ومنها أن ملك البلاد، على خلاف رؤساء دول بلدان عربية كثيرة، متتبع متفهم لأحاسيس الشعب، غير معاند ولا مماطل في كل ما من شأنه أن يرأب الصدع ويجمع اللحمة، رؤوف بالفئات المستضعفة من أبناء هذا الوطن العزيز، وأنه قد اختار، بدون رجعة، كل السبل الكفيلة بإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة، ومنها أن الحادثة قد تم تضخيمها وإعطاؤها حجما أغلظ منها انشطر بسببه الرأي العام إلى قسمين، فهناك من حمل هذا الفريق أو ذلك الوزير المسؤولية لأسباب حزبية وسياسية ضيقة، وهناك من حمل المؤسسة الملكية تلك المسؤولية، وبقيت أمور كثيرة عالقة، قد لا يفهمها المواطن العادي مثلي ، منها هل أن ذلك الذي تم “توحيشه” أكثر من اللازم والذي عمره 63 سنة، أليس مريضا أكثر منه وحشا ضاريا، ثم ألا نقرأ يوميا في وسائل الإعلام اغتصاب قاصر من طرف عصابة قرب مدرسة واغتصاب الشخص لوالدته أو لعمته والأب لابنته والأخ لأخته، بل إنني أذكر عبارة كانت أوردتها بعض الصحف الوطنية على لسان طفل لا يتجاوز عمره أربع سنوات عندما اشتكى لأمه ” بابا دار ليا ديدي”اليست هذه هي الوحشية السارية في مجتمعنا دون أن ننهض للبحث عن أسبابها ومعالجتها، ثم عن أسباب الوقاية منها وضبطها، فالمريض المذكور حظيت قضيته بإهتمام كبير للرأي العام، لأنه أجنبي، من جهة، ولأن الجمعيات الحقوقية المتخصصة قامت بما يفرضه عليها واجب الدفاع عن حقوق الأطفال الضحايا، وواكبها الإعلام في ذلك، من جهة أخرى، في حين أن وحوشا ومرضى كثيرين “يتختلون” بيننا وينتهكون يوميا براءات أطفالنا، ومنهم من قد تصدر في حقه عقوبات مخففة ومنهم من لم يلق حسابه بعد.

تحدث بيان للديوان الملكي عن ضرورة  إعادة النظر في معايير منح العفو، ومن تم من خلال تجربتكم ما هي أهم الانتقادات في نظركم لنصوص ظهير العفو؟
في البداية أظن أنه يجب أولا مناقشة أهم التعديلات التي أدخلها ظهير 1977 ، بشأن العفو من خلال عرض النصوص في صيغتها الأصلية، ثم في صيغتها بعد التعديل، فالفصل الأول من ظهير 1958 يتحدث عن أن “العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف، هو التخفيض الجزئي أو الكلي من كل عقوبة تصدرها محاكم مملكتنا، ويمكن أن يصدر هذا العفو بشروط أو بطريق استبدال العقوبة”. والفصل الثاني منه يقول  إنه “لا يجوز إصدار العفو إلا إذا أصبح الحكم بالعقوبة المطلوب العفو من أجلها لا مرد له وقابلا للتنفيذ”. وبعد التعديل فالفصل الأول أصبح “إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا”، في حين تحدث الفصل الثاني عن “إن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو إيقاف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام محكمة النقض”، “وفي حالة ما إذا صدر العفو إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا جاز أن يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا وإما الإلغاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه”. أما الفصل الثالث من الظهير بعد التعديل “لا يشمل العفو إلا الجريمة أو العقوبة التي صدر من أجلها ولا يحول بأي وجه من الوجوه دون متابعة النظر في الجرائم أو تنفيذ العقوبات الأخرى في حالة تعدد الجرائم أو تجمع العقوبات المضاف بعضها إلى بعض أو الممكن إضافة بعضها إلى بعض كيفما كان نوعها أو درجتها أو الترتيب الذي صدرت فيه”.
مؤدى ذلك أن العفو لم يكن بالإمكان ممارسته، في ظل الصيغة الأولى للنص، الا بعد أن يصير الحكم القاضي بالعقوبة الحبسية النافذة حائزا لقوة الشيء المقضي به وقابلا للتنفيذ، بينما أتى ظهير 1977 بمقتضى جديد هو عدم اشتراط صيرورة الحكم القاضي بالعقوبة قابلا للتنفيذ ، وبالتالي فقد فتح المشرع الباب أمام إمكانية ممارسته ابتداء من تاريخ ارتكاب الجريمة الى غاية صدور حكم “نهائي” بشأنها، من جهة، وفتح الباب، من جهة أخرى، أمام إمكانية ” إيقاف سير الدعوى العمومية ” بعد صدور العفو.
وهنا لا بد من التوقف عند النص للقول، من جهة ، بأن المطلوب، من الناحية الحقوقية الصرفة، رعيا لاستقلال القضاء حرمة قراراته، هو أن يأتي العفو بعد صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، كما كان ينص على ذلك ظهير 1958 قبل التعديل، إلا أن الممارسة والتجارب التي مر ويمر المغرب منها أعطت الدليل، في أحايين كثيرة، على أن العفو الملكي الذي يأتي أثناء سريان الدعوى العمومية، كثيرا ما كان علاجا ناجعا لوضعيات شاذة أو على الأقل غير عادية، توبع في إطارها أشخاص لأسباب معينة، تبين في ما بعد عدم صحتها، أو عدم جدوى استمرار اعتقالهم، بل جدوى الإسراع بالإفراج عنهم والقضاء قد يتأثر بما كان قد واكب تحريك المتابعة من تأليب للرأي العام وتجييش له فلا يجرؤ على تمتيعهم بالسراح المؤقت، الأمر الذي لا يجعلني متحمسا كثيرا لفكرة الرجوع الى ظهير 1958، رغم أن شيئا من داخلي يشدني اليها، ويشدني أكثر من ذلك أمل توفير كل الأسباب الكفيلة بتوقير القضاء وضمان استقلاليته وعدله ونزاهته وجرأته ونجاعته.
 وللقول، من جهة أخرى، بأن الفصل 2 في شقه المتعلق بايقاف سير الدعوى العمومية أضحى لزاما إلغاؤه. للأسباب والموجبات الواقعية والقانونية التالية: لنفترض وضعية المتهم الذي صدر في حقه قرار استئنافي جنحي او جنائي بعقوبة قضى منها ما قضى، وتم تمتعيه بعفو ملكي سام في الوقت الذي كان قد طعن فيه بالنقض ضد قرار محكمة الاستئناف، فهل أن من حقه أن يواصل الدفاع عن حقوقه لاستصدار قرار بالنقض والإحالة تمهيدا للوصول الى براءته، إن كان بريئا، أم أن صدور العفو يحرمه من ذلك الحق، بذريعة أن الدعوى العمومية قد توقفت والطعن أصبح غير ذي موضوع، في الجواب على هذا السؤال نجد أن بعض أقسام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، تقيدا منها بحرفية النص، تعتبر أن  النقض قد أصبح غير ذي موضوع، وان الدعوى العمومية قد توقفت، و من بينها من يعتبر، خلافا لذلك، أن الأمر ليس إلا عفوا مما تبقى من العقوبة، وأن من حق المحكمة أن تواصل النظر في جوهر القضية، إن برفض الطعن أو بالنقض، بل إن القسم نفسه، وبالهيأة نفسها أحيانا، قد يصدر قرارا في هذا الاتجاه وقرارا آخر في الاتجاه المعاكس.

العفو أحدث اضطرابات اجتماعية في بلدان أخرى
إن العفــو كحــق من حقــوق رؤســاء الدول فــي بلدان كثيرة، عنــدما مــورس عــن بينة واختيار، وليــس بــدون علم بخبايا الملفات ومضمونها، تــارة كــان قـــد هدأ مـــن روع الرأي العـــام وتــارة ألهب غضبــه، كما حدث في فــرنسا سنة 1960 بعــد العفــو عــن بعض الجنرالات، وسنة 1970 بعد العفــو عن المسمى بــول تــوفيي، Paul Touvier والــرئيس فرنســـوا متيــران الذي كــان قــد أصــدر 408 عفـــو سنـــة 1989، فــإنـــه قــد مــارس قبل ذلك حقه في العفو سنة 1986 عن أخ السيــد جــاك لانك JACK Lang وسنة 1988 عن برلمانيين من الحزب الاشتراكي، كان المجلس الدستوري قد نزع عنهما صفة التــرشح للانتخابات، وهــذه النوازل كلهــا – في عهد الرئيس ميتران – شأنها شــأن نازلة “لارك دو نوي” “L’arche de Noé” بعده والتي صدر بشأنها عفو بتاريخ 1/4/2008 أحدثت في فـــرنسا اضطرابات واحتجاجات لم تخل من عنف من هذا الجانــب او ذاك، ومع ذلك التفــت الناس إلى دستــورهم فعــدلوا المادة 17 منه والى قوانينهم فأصلحوها والى بلادهم فأسهموا في بنائها على أسس سليمة.

إيقاف الدعوى في مرحلة النقض
العفو كمؤسسة من مؤسسات القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، لم يتم النص عليه من طرفهما ضمن الباب المتعلق بالدعوى العمومية، او الإجراءات المطبقة امام المحاكم، حتى يمكن الكلام عن”ايقاف سير الدعوى العمومية “بل أشار اليه القانون الجنائي ضمن الباب الثالث من الكتاب الأول المتعلق بأسباب انقضاء العقوبات والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها وضمن الباب الثاني من الجزء الثاني المتعلق بأسباب انقضاء تدابير الوقاية والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها (الفصلان 49 و93 ). وأشارت إليه  المادتان 623 و688 من قانون المسطرة الجنائية  في إطار تنفيذ العقوبة أو ما يعادلها، ولا وجود لأي مقتضى قانوني يربط بين العفو وبين ايقاف سير الدعوى العمومية.
ومن جهة أخرى، كيف نوقف سير البت في الدعوى في مرحلة النقض ولا نوقفها أمام باقي المحاكم  التي رتبت عن العفو الملكي السامي ما ينبغي أن تترتب عنه من آثار قانونية تراعي مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء وقرينة البراءة وضوابط المحاكمة العدالة وقواعدها، واستمرت بالبت في كل القضايا التي كانت معروضة عليها، والتي تمتع فيها بالعفو الملكي 191 معتقلة بالمركب السجني عكاشة، بمناسبة زيارة جلالة الملك لهذا المركب يوم 10/08/2012 (ومن قرارات تلك المحاكم في هذا الإطار القرار الصادر بتاريخ 9/1/2013 في الملف الجنائي الاستئنافي عدد 1672/7/2012).

العفو يجب ألا يوقف حق المتهم في البراءة

القضاء كسلطة مستقلة، من المفروض فيه أن يبت، كمبدأ عام، في جميع الدعاوى المعروضة عليه، ومنها الدعوى العمومية، إذ يترتب عن كل جريمة الحق في اقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات، ودعوى مدنية لترميم الضرر الناتج عنها مباشرة “المادة 2 من قانون المسطرة الجنائية”.  والأصل هو وجوب البت في كل الدعاوى المعروضة على القضاء، والاستثناء هو امكانية ايقاف سيرها، ضمن شروط معينة ولميقات معلوم، وبعبارة أخرى فإن المحكمة لا توقف النظر إلا استثناء وبنص القانون، كحالة المادة 10 من قانون المسطرة الجنائية والمادة 258 من هذا القانون في فقرتيها الأخيرتين والمادة 461  وما ينبغي استنتاجه من المقتضيات المشار اليها هو أن ايقاف النظر في الدعوى لا يكون الا بنص قانوني واضح، من جهة، و لا يكون إلا  لأجل مسمى، من جهة أخرى، أي أن قانون المسطرة الجنائية لا يقبل إيقاف النظر في الدعوى العمومية الى ما لا نهاية له، وإلا قد يتحول الأمر إلى إنكار للعدالة، وهو ما يتحقق حتى لو كان النص غامضا واستنكف القاضي عن تأويله، وبكلمة أخرى فإن ايقاف سير الدعوى العمومية لا يكون إلا مؤقتا، بحيث تنطلق هذه الدعوى بعد زوال السبب، ولا يمكن ابدا ان يصدر حكم بإيقاف النظر في تلك الدعوى الى الأبد، ذلك أن الدعوى العمومية التي تقيمها النيابة العامة في مواجهة المتهم لابد أن تنتهي بصدور حكم إما بالإدانة أو بالإعفاء أو بالبراءة فقط، كما هو واضح من المواد 366،434 و439 من القانون المذكور، ولا يمكنها ان تصدر حكما بإيقاف البت، ثم إن الدستور ينص في الفصل 120 منه على  أن ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول” ثم إن من حق المتهم الذي حظي بعفو ملكي سام، برفع حالة الاعتقال عنه، أن يستنفد كل أوجه دفاعه للوصول إلى الأصل الذي هو البراءة، إعمالا لنص الفصل 23 من الدستور الناص على أن “قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان،  و”حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون بموجب الفصل 118، شأنه شأن “حقوق الدفاع المضمونة أمام جميع المحاكم  بموجب الفصل 120 وبالتالي فإن كل إيقاف للبت وكل عرقلة للحيلولة دون استفادة المتقاضي من تلك الحقوق الدستورية يشكل انتهاكا صارخا لحقوق الانسان، بل وقلبا لمزايا العفو الملكي، الذي لم يأت الا لأجل التخفيف عن السجناء من عناء الاعتقال، ولا يمكنه ان يتحول الى ضرر يمسهم، ربما اكثر من النفع الذي جنوه بتمتيعهم به؛ وقد يصير مشروعا بالتالي التساؤل حول حق المسجون في تخييره بين خروجه من السجن، على ان يبقى مدانا، مع ما قد يترتب على ذلك من مساس بوضعيته المهنية او الاجتماعية او السياسية، أو حقوقه المـالية بـــأداء تعويض قد يعتبره غير  مستحق، إن تم ايقاف سير الدعوى العمومية، وبين بقائه في السجن، حتى يضمن فرصة الدفاع عن حقوقه أمام قضاء النقض، لذلك فإن المسألة في بعدها الحقوقي والقانوني لا تخلو من خطورة، لما تنطوي عليه من مساس بمؤسسة العفو نفسها وغاياتها السامية، بصرف النظر عن المساس بحقوق الفرد، وباستقلال القضاء، وغل يده عن البت في الدعوى العمومية المعروضة عليه إما بالبراءة او بالإدانة او بالإعفاء، كما ينص القانون على ذلك.

لجان جهوية  لتخفيف العبء

بخصوص بعض المقترحات فإن الفصل العاشر من الظهير ينص على “لجنة مركزية تؤسس بالرباط”والحال ان هذه “المركزية” أصبحت متجاوزة في الوقت الحاضر، مما يقتضي التفكير، ونحن نتأهب للجهوية المتقدمة، في تأسيس لجن جهوية تتركب من الرئيس الأول من محكمة الاستئناف أو نائبه ومن السيد الوكيل العام للملك لديها أونائبه، ومن قاضي تطبيق العقوبات، الذي أعطته المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية إمكانية تقديم مقترحات حول العفو ومن مدير المؤسسة السجنية أو نائبه، وعضو من اللجنة المنصوص عليها في المادة 620 من القانون المذكور، وهي نفسها التي أعطتها المادة 621 مكنة “تقديم توصية إلى لجنة العفو بما يظهر لها من المعتقلين استحقاقه للعفو”مع إضافة بعض الفعاليات الحقوقية من المجتمع المدني المعروفة باهتمامها بموضوع الجريمة والعقاب والمؤسسات السجنية وانحراف الأحداث وضابط للشرطة القضائية وطبيب نفساني أو اختصاصي في علم الاجتماع، وعضو من الكونفدرالية العامة للمقاولات بالمغرب، على ان ترفع هذه اللجن الجهوية مقترحاتها إلى اللجنة المركزية، التي ينبغي تطعيمها كذلك بفعاليات من المجتمع المدني على النحو المذكور، خاصة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفي ذلك كله محاولة تحقيق اللاتمركز، وتخفيف على اللجنة المركزية، وضمان لحد أدني من الشفافية، بما يتجمع لدى اللجن الجهوية من معلومات تؤخذ في حيزها المكاني حيث يوجد المعتقل أو طالب العفو، وحيث تتأتى بعض آليات إعادة ادماجه، على أن توضع لكل لجنة من اللجان الجهوية واللجنة المركزية معايير موضوعية تتعلق بتحديد الجرائم التي لا يمكن أن يصدر بشأنها العفو الملكي، والأشخاص الذين لا يمكنهم الاستفادة منه لخطورتهم على الأمن العام، وغير ذلك من المعايير، التي نقترح من بينها كأولويات، حالة الشخص المريض مرضا مزمنا ثابتا، ومن له تحملات عائلية لا يمكن لغيره ان يتحملها، من تلقى تعليما او تكوينا في السجن يؤهله لإعادة الإندماج في المجتمع بسهولة، من لم يكن في حالة عود من أجل جرائم خطيرة، ومن قضى في السجن فترة معينة، من يوجد بشأنه شعور لدى الرأي العام بأن اعتقاله كان لأسباب سياسية او نقابية او لمصلحة ما، في الوقت الذي ينبغي معه التوافق، بعد النقاش الهادئ، على وضع لائحة الجرائم لا يمكن أن يستفيد مرتكبوها من العفو.
 ورغم كوننا لا نعلم أن لوزير العدل نائبا، ونائبا للمدير الديوان الملكي، فإن الفصل 10 من الظهير، في صيغته العربية، قد أشار الى حضور جميع الأعضاء او ممثلهم، باستثناء الشخصيتين المذكورتين اللتين أشار النص إلى حضورهما او نائبهما، مع الفرق الذي قد يوجد بين النائب، إن وجد، الذي يمكنه اتخاذ قرارات دون الرجوع إلى الأصيل، على خلاف الممثل، الذي يبقى ممثلا، فالمسألة في حاجة الى تأصيل.
  وأخيرا لا بد من  ملاحظتين أولاهما أن الحالات المشار اليها، والتي شملت بعض المعايير لتمتيع الشخص بالعفو الملكي، ليس بالضرورة أن تجتمع كلها، بل جلها، حتى لا يتم سد الباب أمام حالات خاصة، وثانيتهما عدم استيراد نصوص قانونية من الخارج، ونحن متشاركون متعاونون عازمون على اعادة صياغة ظهير العفو، لأننا في بلد نظام الحكم فيه نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، حسب نص الفصل 1 من الدستور، وأن للعفو الملكي في المغرب أصول تاريخية وطعم خاص قد لا يليقان  بغير الشعب المغربي، فأخذ الخصوصية المغربية بعين الاعتبار وتوسيع المشاركة في النقاش أمران لازمان.

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق