fbpx
حوار

الحسناوي: هذه رحلتي من الإيمان إلى الشك

الحسناوي الصحافي واللاجئ السياسي بالسويد قال إنه شكك في أحداث 16 ماي حتى قابل منفذيها بالسجن

ارتبط اسمه بملفات الإسلاميين المعتقلين على خلفية قضايا الإرهاب. دافع عن الكثيرين منهم من موقعه صحافيا وفاعلا حقوقيا، قبل أن يجمعه بهم السجن في تجربة مريرة قضى خلالها ثلاث سنوات خلف القضبان، قبل أن يعانق الحرية مجددا في 2016. إنه مصطفى الحسناوي الذي خبر مجاهل الحركات الإسلامية التي انتمى إليها، قبل أن يستقل عنها، ويأخذ منها مسافة نقدية، انتهت بدخوله مرحلة شك منهجي بالمفهوم الديكارتي، جعلته يعيد حساباته في مجموعة من الأمور التي يبسطها في الحوار التالي.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

> ما هي أسباب خرجتك التي أعلنت فيها دخولك دائرة الشك والانتقال من مرحلة الإيمان إلى اللإإيمان.. وما هي خلفياتها النفسية والفكرية وأيضا تبعاتها؟
> الخرجة الأخيرة هي حلقة ضمن مسار من التساؤلات والتنقلات والبحث، في ما يتعلق بالأسئلة الوجودية والمعتقدات والمسلمات والقناعات… مسار عشته منذ سنوات، وتنقلت بين حلقاته ومنعرجاته، وكنت كلما حصلت على أجوبة، ظهرت لي أسئلة أخرى، ثم بعدها تتولد عن الأجوبة الأولى أسئلة أخرى، وهكذا…
أما عن خلفية ذلك، والأرضية التي نبتت فيها هذه التساؤلات، وترعرع هذا البحث، فأقول بداية إنني ابن بيئة محافظة، من أبوين متعلمين، فنشأت نشأة إلى حد ما متحررة، أطرح الأسئلة التي أريد، وأقرأ الكتب التي أريد، منذ الصغر، لكن البيئة المحافظة وجهتني وأطرتني، فانتميت للحركة الإسلامية في وقت مبكر من طفولتي، وتنقلت بين التيارات والمدارس الإسلامية، خلال فترات من حياتي، ونهلت من كل الأدبيات المتعلقة بالجماعات الإسلامية والفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي… ثم بعد حوالي 15 سنة ابتعدت عن الانتماء التنظيمي للجماعات الإسلامية، بعد أن جربت كل الجماعات والتنظيمات، واخترت أن أبتعد تنظيميا، مع بقائي ضمن الفكر الإسلامي.

> ما الذي تغير في أفكارك وقناعاتك خلال هذه الفترة؟
> هذه الفترة أخذت مني حوالي عشر سنوات، حاولت فيها أن أبلور أفكاري واختياراتي الخاصة والمستقلة عن أي تنظيم أو جماعة، لكن دائما ضمن الفكر الإسلامي، انطلاقا من قراءات خاصة.
انتكاسات الربيع العربي، وقراءاتي خلال فترة اعتقالي، لكثير من كتب التاريخ، وفشل كل التيارات الإسلامية في تقديم أجوبة للأسئلة المعاصرة، واختيار تيارات أخرى أسلوب العنف وتكفير الشعوب، وتيارات أخرى الوقوف مع الأنظمة الاستبدادية، وعرقلتها لأي نهضة حقيقية، ومتابعاتي لعدد من النقاشات المتعلقة بالإعجاز العلمي، والردود بين الجماعات والشيوخ والدعاة، وطرق وأساليب الرد المتبعة، والمواضيع التي يهتمون بها ويعتنون بها… هذه الإشكالات دفعتني لمرحلة أخرى من البحث، وحلقة أخرى في سلسلة ومسار تنقلي، وهي البحث عن أجوبة من خارج ما سمي بأهل السنة والجماعة. هذه المرحلة بدأت معي قبل أربع سنوات.
بعد أن طرحت جانبا التفاسير التي كنت أفهم من خلالها الدين عموما، بقرآنه وسنته، وعقيدته وشريعته وعباداته، وبدأت أتأمل القرآن وأتدبره مباشرة، بدون أي واسطة. بدأت أصطدم بمعان تبدو لي متعارضة أو متناقضة، إما في ما بينها، أو بينها وبين العلوم الطبيعية والمكتشفات.

> نحن الآن أمام حالة تراكم شكوك أدت إلى اتساع الرؤية. هل يمكن القول إن مشكل التيارات الإسلامية، والدينية بشكل عام، هو ضيق أفق تفكير يراد إسقاطه على السياسة المرتهنة بمتغيرات الواقع؟
> دعني بداية أعتبرها تراكم أسئلة. تراكم الأسئلة وتجددها وتطورها، هو نتيجة طبيعية لتطور الزمن وتغير الواقع، ولا يمكن لأي إنسان سوي إلا أن يتساءل باستمرار، ويبحث عن الأجوبة على الدوام. الذي يفعل هذا، لاشك سيتسع أفق رؤيته، وسيحث الخطى على درب الوصول إلى اليقين أو الاطمئنان.
والذي يقاوم الأسئلة ويهرب منها ويتحاشاها ويتجاهلها، سيعيش في استكانته، معتقدا أنه لا توجد أسئلة في هذا العالم تستحق الاجتهاد، وأن الأسئلة طرحت والأجوبة قدمت، ورفعت الأقلام وجفت الصحف، وما على الإنسان إلا التسليم لما وجد عليه آباءه.

> إلى أي حد جعلتك التجربة السجنية، رغم ما انطوت عليه من قسوة، تعيد النظر في مجموعة من المهام التي كنت تقوم بها في التصدي لشيطنة الإسلاميين والتشكيك في خلفيات أحداث 16 ماي الإرهابية؟
> إذا كنت تقصد بالمهام، أنني مندوب من جهة للقيام بذلك العمل، أو أوكل إلي في إطار صلاحيات أو تكليف… فهذا لم يكن. وإن كنت تقصد بالمهام بمعنى الرسالة والواجب، فصحيح، قمت بهذه الرسالة وهذا الدور من باب الإنسانية والشعور بالمسؤولية، تجاه ما كنت أراه ظلما وتجاوزا.
هذه الرسالة قمت بها تارة مدفوعا بإنسانيتي المحض، وتارة بانتمائي الإسلامي، وتارة بصفتي الصحافية سعيا لكشف الحقيقة، وتارة بانتمائي الحقوقي دفاعا عن حرية التعبير وحرية المعتقد والحق في الاختلاف والحق في المحاكمة العادلة…
طبعا هذه الرسالة النبيلة، شوش عليها أحيانا الاندفاع والتهور، وأحيانا الثقة الزائدة، وأحيانا قلة التجربة… ما جعلني أقع في أخطاء مهنية وتقديرات خاطئة. بلغت حد اتهام السلطات مثلا بالقيام بضربات 16 ماي، في مقالات وأخبار نشرتها، وفي كلمات ألقيتها في تجمعات ومسيرات خاصة أثناء حراك 20 فبراير. المشكل أنني لم يكن عندي أي دليل على اتهاماتي تلك.

محاسن السجن
> كلفتك أخطاؤك المهنية وتقديراتك الخاطئة السجن، تحدث لنا عن تجربتك خلف القضبان…
> بعد دخولي السجن، كان أول ما اصطدمت به، هو أولئك الأشخاص الذين كنت أدافع عنهم، بدءا بتكفيري من قبل بعضهم، ثم بتحريض إدارة السجن ضدي من قبل آخرين.
وخضت نقاشات وحوارات طويلة مع آخرين، خاصة العائدين من بؤر التوتر، فبدأت الصورة تتضح لي، واكتشفت ما لم يكن ظاهرا لي.
وعلمت متأخرا جدا، أنني تورطت مع أناس لا يستحقون ما فعلته من أجلهم، خاصة بعد اعتراف بعضهم لي بأنهم تورطوا حقيقة في تلك الأحداث، الشيء الذي جعلني أصدم حقيقة، وأكتشف كم كنت ساذجا جدا، وأنا أنفي التهمة عن شخص يعترف بها. لم أندم على الدفاع عن الكثير من المظلومين. ليس كل من في السجن متورطون، بل فيهم مظلومون أيضا.
لم أندم على دفاعي عن ملفات أخرى للإسلاميين، كعودة المنفيين منهم، والدفاع عن بعض الخطباء الموقوفين، وبعض الجمعيات المغلقة…
ليس كل ما فعلته كان سيئا أو ندمت عليه. فعلت أشياء كثيرة أفتخر بها. لم أكن شخصا لا يكترث لمعاناة الآخرين، ولا يهتم لمشاكلهم، فقد كنت نشيطا في العمل الإنساني والخيري أيضا، وهذا شرف كبير، لا يمكن للإنسان أن يندم عليه.
لكن السجن جعلني أكتشف ما لم أكن أعرفه، وما كنت لأعرفه أبدا. السجن جعلني أتريث كثيرا ولا أندفع. في الحقيقة ليس السجن هو الذي جعلني أعيد النظر في ما أسميته أنت التصدي لشيطنة الإسلاميين. الذي دفعني لذلك هو وجود هؤلاء في السجن، واحتكاكي بهم داخله وأفكارهم وتصرفاتهم ومعاملاتهم التي اكتشفتها عن قرب، ولو أنني مثلا قضيت فترة السجن معزولا عنهم، لا أحتك بهم، ولم أكتشفهم عن قرب، لربما لن أغير موقفي. وأجدد القول أنني لا أعمم، فيوجد فيهم من تعرض للظلم، ولم يحظ بمحاكمة عادلة.

هناك من كفرني
بطبيعة الحال الخرجة كانت لها تبعات وردود أفعال مختلفة ومتنوعة، قولي إنني دخلت مرحلة شك قاتلة، وأنني أعاني من الحيرة، وقلت انني انتقلت من مرحلة الإيمان المطلق إلى مرحلة اللاإيمان، وشرحت ذلك بالقول أنني أقصد مرحلة الشك، ومرحلة البحث عن اليقين، وإنني قصدت الانتقال من التسليم إلى البحث عن أجوبة مقنعة، وأن هذه الرحلة هي رحلة نحو اليقين، ورحلة نحو البحث عن أدلة وعن أجوبة شافية، وأنني أريد أن أؤسس معتقداتي على يقين، وأن بعض هذه الأسئلة تفرض نفسها علي، وتهجم علي دون قصد ولا رغبة مني، رغم كل هذا، اختار البعض تكفيري مباشرة، وبدون مقدمات، ووصل الأمر بالبعض إلى تهديدي وإهدار دمي، وتوعدي بالقتل.
في الإسلام مطلوب من هؤلاء، أن يستمعوا لأسئلتي وشكوكي، وأن يكونوا رحماء بي، وأن يعذروني ويترفقوا بي، وأن يجيبوا على أسئلتي، ويجتهدوا في إقناعي وإقامة الحجة علي، ويبذلوا ما في وسعهم في توضيح المعنى والمقصود من تلك النصوص، وبعد أن يستنفدوا كل ما في وسعهم وكل طاقتهم، وكل أساليب التوضيح والإقناع، ويظهر لهم أنني فقط أعاند، حينها فقط يمكنهم اللجوء إلى سلاح التكفير هذا.
لكن الذي حصل أن بعض الكسالى اختاروا أقصر طريق، فكفروني وذهبوا للنوم، معتقدين أنهم قاموا بما يجب عليهم القيام به.
البعض الآخر كفروني أو هاجموني بأساليب صبيانية وحتى حقيرة، ومضحكة أيضا، إذ ادعوا أنني أريد الشهرة أو أريد الحصول على اللجوء، وبعض هؤلاء كان مدفوعا من جهات تريد تصفية حساباتها معي، وبعضهم كان يصفي حساباته الشخصية، فوجد الفرصة سانحة ليستغلها.
صراحة لو كان أمثال هؤلاء هم الموجودون في الساحة، لأعلنت إلحادي وخروجي من الإسلام، كرد فعل على أسلوبهم الإجرامي هذا، ولفضلت أن أتشرف بمفارقة ومنابذة إرهابهم وإجرامهم وجهلهم وتنطعهم وغلوهم و”دعشنتهم”، ولكان الحق بكل تأكيد، في مخالفتهم ومضادتهم، ثم مهاجمتهم ومحاربتهم وفضحهم.
لكن مقابل هؤلاء، كان هناك آخرون تواصلوا معي بكل أدب وبكل رحابة صدر، وعبروا عن رقي وأخلاق عالية، منهم من كان غرضه احتواء الوضع، ومنهم من أراد مواساتي، ومنهم من أراد الاستماع إلى أسئلتي، وطلب مني آخرون أن أتوقف وأناقش الإشكالات في دائرة ضيقة، وألا أطرحها بشكل علني.

تراكم الأسئلة والشكوك
إما أن آخذ بأقوال المفسرين القدماء، وهذا يطرح عندي مشاكل تتعلق بتناقضاتهم، وبسقفهم المعرفي المحدود، وفهمهم لكثير من الظواهر، وتصوراتهم عن الكون والأرض والسماء… أو آخذ بخطابات وتفسيرات المعاصرين من أصحاب الإعجاز العلمي، وأقبل تناقضاتهم وتعسفاتهم وتدليساتهم، وأغض الطرف عن أخطائهم، فقط لأنهم أصابوا في بعض الكلام.
أو أتعامل مع القرآن بشكل مباشر فأتدبره وأتأمله، وهذا أيضا يوقعني في إشكالات التناقض التي تظهر لي.
استمر معي هذا البحث مدة من الزمن، إلى أن تراكمت عندي كل تلك الشكوك، التي هجمت علي وسيطرت علي، وزادت من انفجارها خطابات بئيسة لكثير من الدعاة والشيوخ، كانت بمثابة الشرارة التي فجرت برميل البارود الذي بقي مضغوطا في صدري حوالي ثلاث سنوات أو أقل قليلا. فكانت تلك الخرجة التي حاولت فيها تسليط الضوء على موضوع الشكوك التي تسيطر علي، وأيضا على ذلك الخطاب البئيس الذي أردت أن أنبه وأحذر منه، وأربطه بموضوع شكوكي، وهو ذلك الشيخ الذي ظهر في الفيديو يتحدث عن النملة، وأن عقيدتها أفضل من عقيدة الأشاعرة.

تقديس السلف إساءة له
أما بالنسبة إلى القراءات الدينية المختلفة، بطبيعة الحال فهي متفاوتة ومختلفة ومتنوعة…. ولكن السائد والمسيطر حتى شعبيا، هو تلك القراءات التي تُسقط أحداثا أو تجارب أو صراعات تاريخية على واقعنا، بل وتريد استنساخها. تلك القراءات التي تعتقد أن الأوائل أجابوا عن أسئلة عصرنا، فيستدعونهم في كل مرة، ويخرجونهم من قبورهم، ليجيبوا عن أسئلة لم يعيشوها ولم يشهدوها، فيحملونهم ما لايطيقون، هؤلاء الذين يقدسون السلف هم من يسيئون إليه، بجعله يجيب مكانهم.
عوض أن يجيب هؤلاء عن أسئلة العصر، بأدوات وأجوبة العصر، يهرعون إلى كتبهم للبحث عما يعتقدون أنها أجوبة نهائية قيلت قبل عشرة قرون، وأتحدث هنا في مجالات لها علاقة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والاكتشافات… كل النصوص المرتبطة بهذه المجالات، تحاول هذه القراءة استدعاءها بتفسيراتها وسياقاتها وملابساتها، ثم إسقاطها على هذا الواقع، مع عمل آخر موازٍ هو تبخيس منجزات العصر والتقليل من قيمتها والتشكيك في نتائجها… للوصول إلى معادلة مفادها أن العلوم والمنجزات والاكتشافات… ظنية متغيرة غير ثابتة، وتفسيرات القدماء واجتهاداتهم الدينية في السياسة وغيرها، قطعية ونهائية، وبالتالي تقديمها على كل شيء. ونحن نعيش نتائج هذا الوضع ونرى آثاره.

في سطور:
– معتقل رأي سابق، وصحافي مغربي، مقيم في السويد
– عضو الرابطة السويدية للصحافيين
– عضو المنتدى المغربي للصحافيين الشباب
– إجازة في علم الاجتماع
– باحث في الجماعات الإسلامية والفكر والتاريخ الإسلامي.
شارك في عدد من الورشات والندوات والمؤتمرات، داخل وخارج المغرب، ومداخلات في عدد من القنوات التلفزية الدولية.
– صدرت له دراسات ومقالات عديدة، تتعلق بقضايا التطرف والإرهاب، وقضايا القيم والهوية، منشورة بعدد من المنابر العربية.
طبعت له ثلاثة كتب:
– الأدوار السياسية لعلماء المغرب “دراسة وتحقيق لمخطوط المفاكهة”
– سجون وأشجان حكايات من وراء القضبان
– قميص يوسف
تحت الطبع:
– رحلتي مع المجاطي من إمارة الملالي إلى خلافة البغدادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى