fbpx
تحقيق

واد لـو … محميـة “الرايـس”

«الصباح» زارت المنطقة وعاينت خروقات تعمير بالجملة والرئيس ظل في منأى عن المساءلة لسنوات

تنظر المحكمة الإدارية بالرباط غدا (الخميس) في المقال الذي سجله عامل إقليم تطوان, في بداية شتنبر الماضي يطالب فيه بعزل رئيس بلدية واد لو، بسبب خروقات في التعمير والتدبير الإداري للجماعة التي يرأسها. وتم تأجيل النظر في هذا الملف في ثماني جلسات، كانت آخرها في 20 فبراير الماضي. ويتساءل الرأي العام المحلي حول أسباب التأجيلات التي طالت هذا الملف، في حين أن هناك رؤساء تم توقيفهم عن مزاولة مهامهم، قبل أن تبت المحكمة في ملفاتهم، مثل رئيس جماعة بن قريش، فما هي الوقائع التي استند إليها العامل لاتخاذ قرار إحالة الملف على القضاء الإداري؟ وكيف ومتى تم اكتشاف تلك الخروقات التي وجهت اتهامات بشأنها للرئيس؟ وماهي حقيقة الأوضاع داخل تراب الجماعة؟ “الصباح” زارت المنطقة وتواصلت مع فعاليات المجتمع المدني ومستثمرين من أجل البحث عن إجابات على هذه التساؤلات.

إنجاز : عبد الواحد كنفاوي (موفد الصباح إلى تطوان)

توجد بلدية واد لو على الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط، على طول خمسة كيلومترات، وتقع بين مدينتي شفشاون وتطوان، التي لا تبعد عنها سوى بـ 44 كيلومترا، ويتراوح عدد سكانها ما بين 10 آلاف و 12 ألفا. يدير شؤون البلدية مجلس يتشكل من 13 دائرة انتخابية، إضافة إلى أربعة أعضاء من اللائحات النسائية. ويرأس المجلس الاتحادي محمد الملاحي، الذي عمر في المنصب لثلاث ولايات متتالية منذ 2003، ما يعني أن البلدية عرفت استمرار المسؤولين عن تدبير الشأن الجماعي، الأمر الذي من المفروض أن ينعكس على الوضع بالمنطقة.
وعرفت المدينة أول تصميم تهيئة، خلال 2004، قبل إقرار تصميم التهيئة التعديلي، عشر سنوات بعد ذلك، الذي صدر بشأنه المرسوم رقم 2.14.29 ، في الجريدة الرسمية الصادرة بتاريخ 10 فبراير 2014. وساهم مخطط تنمية أقاليم الشمال في تأهيل المنطقة، إذ تقرر إعطاء ديناميكية للشريط الساحلي من أجل إحداث مناصب شغل ومصادر دخل لسكان المنطقة الذين كانوا يعيشون على الفلاحة المعاشية وبعض الأنشطة الأخرى، ويعانون خصاصا ملحوظا في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية.

تصميم التهيئة…للاستئناس

أقر المجلس البلدي لواد لو أول تصميم للتهيئة، خلال 2004، تحت إشراف الرئيس الحالي، والذي حدد الإطار العام للتهيئة العمرانية للجماعة وفق مخطط تنطيق يراعي خصوصية المنطقة ومتطلبات التنمية، وتضمن رؤية متطورة من أجل تنمية المدينة، لكن لم يتم تنزيل مقتضياته بالشكل المطلوب، وتم تجاوزها، ما تسبب في فوضى عمرانية. وتقرر، خلال 2014، اعتماد تصميم تهيئة تعديلي، إضافة إلى تصاميم إعادة هيكلة عدد من الأحياء، خلال 2011، التي أنجزت خارج ضوابط التعمير.
وتضمن التصميم الجديد تقسيم تراب البلدية إلى 13 منطقة، خصصت المنطقة الأولى للأنشطة الزراعية، والثانية للحرف، في حين أن المناطق الثالثة والرابعة والخامسة خصصت للسكن من طابق إلى ثلاثة، إضافة إلى الطابق الأرضي، وتقرر تخصيص المنطقة السادسة للترفيه والتنشيط، وتقرر إنشاء المشروعات المتكاملة في المنطقة السابعة، في حين تم اعتبار المنطقة الثامنة لحماية الموقع الطبيعي، واعتبرت المنطقة التاسعة، منطقة إعادة الهيكلة، فيما خصصت المنطقة العاشرة للسكن والتنشيط والفندقة والحادية عشرة منطقة للفيلات، وخصصت المنطقتان الأخريان للسياحة والمعيشة. وحددت لكل منطقة مجموعة من الضوابط التي يتعين احترامها، لضمان تنمية عمرانية متوازنة للمدينة وتجاوز الاختلالات التي تسبب فيها سوء تنفيذ تصميم التهيئة الأولي.
فهل تمكن التصميم من تقويم الاختلالات؟

التهيئة العمرانية…”السيبة”

لا يتطلب الأمر كثيرا من التمحيص والبحث لاكتشاف حالات الخروقات في مجال التعمير، إذ عند مدخل المدينة من جهة تطوان تستقبلك أوراش بناء متوقفة بسبب إنجازها في مناطق غير مسموح البناء فيها، وما تزال تلك العمارات، التي تظهر طوابقها للعيان شاهدة على التجاوزات. ما يطرح السؤال حول الجهات التي سمحت بإنجاز تلك المباني ودور ومسؤولية أجهزة المراقبة.
يعهد القانون بمهمة معاينة وتحرير محاضر المخالفات في مجال التعمير لضباط الشرطة القضائية، وموظفي الجماعة المكلفين بمراقبة المباني من قبل رئيس الجماعة، والموظفين التابعين لإدارة التعمير المكلفين بهذه المهمة، وموظفي الدولة الذين يعتمدهم الوزير المكلف بالتعمير للقيام بهذه المهمة أو كل خبير أو مهندس معماري كلف بهذه المهمة بصفة استثنائية من قبل رئيس الجماعة أو إدارة التعمير.
ويتعين بعد معاينة أي مخالفة لأحكام القانون رقم 12.90، المتعلق بالتعمير، تحرير محضر بذلك وتوجيهه في أٌقرب الآجال لرئيس المجلس الجماعي والعامل الذي توجد الجماعة داخل دائرة تراب نفوذه والشخص الذي ارتكب المخالفة، ويتم توجيه محضر المخالفة، إضافة إلى الأطراف الثلاثة المشار إليها سابقا، إلى وكيل الملك في ما يتعلق بالمخالفات لأحكام القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات. ولا يجب إقامة أي بناء دون الحصول على رخصة، لا تسلم إلا بعد التحقق من أن المبنى المزمع بناؤه تتوفر فيه الشروط التي تحددها النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بهذا المجال.

خروقات مع سبق الإصرار

عاينت “الصباح”، خلال جولتها بمختلف أحياء ومناطق البلدية، عددا من حالات خرق قوانين التعمير وتصميم التهيئة المعتمد من قبل المجلس، إذ هناك عمارات يصل عدد طوابقها إلى سبعة طوابق، في حين أن تصميم التهيئة يحدد الارتفاع في طابق أرضي وثلاثة طوابق حدا أقصى، كما أن هناك عمارات بنيت دون احترام المسافة القانونية عن الطريق العام وأخرى شيدت على المناطق المجاورة للوادي، ما يعتبر خرقا واضحا لقوانين التعمير.
الأدهى من ذلك أن هناك مجرى يمر تحت العمارات، مع ما يعني ذلك من خطورة على سلامة أرواح ساكنيها، خاصة أن المنطقة تعرف أعلى نسب للتساقطات على الصعيد الوطني، وتشهد فيضانات.
وأفاد فاعلون جمعويون محليون “الصباح” أن رئيس المجلس يتعامل كما لو أنه لا توجد أي سلطة رقابة، إذ يمنح رخص بناء انفرادية دون الاستناد إلى رأي الوكالة الحضرية، في خرق واضح لقوانين التعمير. وأكد مسؤول محلي للهيأة المغربية لحقوق الإنسان في تصريح لـ”الصباح” أن الرئيس منح عددا من رخص البناء بشكل انفرادي دون التقيد بقوانين التعمير وضوابط البناء، ما ساهم في بروز تجزئات عشوائية بعدد من المناطق. الأدهى من ذلك أن هناك تراخيص صادرة عن الرئيس من أجل إنجاز بنايات سكنية فوق أراض مخصصة في تصميم التهيئة لمناطق خضراء، وأخرى لإنجاز مساكن دون احترام المسافة القانونية عن الطريق العام. كما رخص لإنجاز عمارات على ضفاف الوادي دون التقيد بضوابط السلامة التي تفرض ترك مسافة معينة عن ضفاف النهر. وعاينت الصباح عددا من العمارات التي أقيمت على جنبات الوادي ما تزال قائمة حتى الآن.
ورصدت الهيأة ما لا يقل عن 762 مخالفة موثقة، في حين يؤكد أعضاؤها أن العدد يقتصر فقط على التجاوزات التي تم التأكد من وجودها، من خلال زيارات ميدانية أو الوثائق التي تم الحصول عليها وتصريحات بعض المعنيين. إن الخروقات التي عاينتها “الصباح” لا تحتاج إلى مجهود كبير لاكتشافها، فلماذا لم تتدخل السلطات في حينها لمنع هذه التجاوزات؟

الوكالة الحضرية تقر بالخروقات

تحدد المادة 101 من القانون التنظيمي رقم 113.14، المتعلق بالجماعات، اختصاصات رئيس الجماعة في مجال التعمير في السهر على تطبيق القوانين والأنظمة واحترام ضوابط تصاميم إعداد التراب ووثائق التعمير، ويمنح رخص البناء والتجزئة والتقسيم، وإحداث مجموعات سكنية، لكنه يتعين عليه، تحت طائلة البطلان، التقيد بجميع الآراء الملزمة المنصوص عليها في النصوص التشريعية الجاري بها العمل في المجال، لا سيما بالرأي الملزم للوكالة الحضرية المعنية. فهل أخذ الرئيس برأي الوكالة في ما يتعلق بالتراخيص التي منحها لمشاريع البناء المخالفة لقوانين التعمير؟
توصلت الوكالة الحضرية بعدد من الشكايات من مواطنين متضررين من الرخص التي منحها الرئيس، وتؤكد ردود الوكالة، التي تتوفر “الصباح” على نسخ منها، أن جل التراخيص التي منحها رئيس بلدية واد لو لا تحترم المساطر والقوانين الجاري بها العمل. وتؤكد الوكالة في ردها على شكاية تقدم بها أحد المتضررين بتاريخ 28 أبريل 2016، أن الرئيس منح رخصة بناء تحت عدد 18/2016، لإقامة بناية مكونة من طابق أرضي وثلاثة طوابق والرابع بالتراجع دون احترام المساطر والقوانين الجاري بها العمل في مجال التعمير، مشيرة إلى أنها وجهت رسالة في الموضوع إلى الجهات المعنية قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة. وأشارت الوكالة في رد آخر على شكاية مسجلة بمصالحها بتطوان تحت عدد 3886، إلى أنه تبين، بعد المعاينة التي قام بها أعوان المراقبة التابعين للوكالة، أن الجماعة الحضرية لواد لو منحت رخصة تحت عدد 52/2013 لمستفيدة من أجل تعلية الطابق الأول والثاني بحي وراغن، دون الحصول على الرأي الموافق من قبل اللجنة التقنية المختصة، كما تنص على ذلك الدورية الوزارية عدد 1500، المتعلقة بدراسة طلبات رخص البناء، وراسلت الرئيس في الموضوع.
وتؤكد الوكالة الحضرية في ردها على رسالة ثالثة بشأن شكاية توصلت بها، خلال 2013، تحت عدد 2534، بشأن مجموعة من التراخيص التي منحها الرئيس، أن جلها تم دون احترام المساطر والقوانين المعمول بها، مؤكدة توجيهها رسالة إلى والي ولاية تطوان، آنذاك، تحت عدد 4845 بتاريخ 20 ماي 2013 قصد اتخاذ الإجراءات المناسبة في هذا الشأن. لكن لم تتخذ أي إجراءات في هذا الباب وظلت الخروقات متواصلة.

المجلس الأعلى يرصد التجاوزات

باشر قضاة المجلس الجهوي للحسابات بجهة طنجة، بدورهم، تحقيقاتهم بالجماعة الحضرية لواد لو وأكدوا وجود مجموعة من الخروقات في مجال التعمير ضمنوها في التقرير السنوي للمؤسسة الدستورية، وسجل التقرير مجموعة من الملاحظات، من أبرزها تسليم رخص البناء دون احترام قوانين التعمير، وتسليم رخص البناء في الملك العام البحري التابع للدولة وعدم احترام القوانين المتعلقة بالملك العام، وتسليم بعض رخص البناء وشهادات إدارية دون أخذ رأي مهندس الجماعة بعين الاعتبار.
لكن رغم كل هذه الملاحظات ومراسلات الوكالة الحضرية، فإن الرئيس ما يزال يرأس مجلس الجماعة الحضرية حتى الآن، في انتظار أن يبت القضاء الإداري في الطلب الذي وجهه العامل الحالي على إقليم تطوان من أجل عزله.

أين المحاسبة؟

أصبحت فعاليات المجتمع المدني بالمنطقة تشكك في حقيقة ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ رغم كل التجاوزات والخروقات في مجال التعمير التي تعرفها الجماعة الحضرية لواد لو، والتي أكدتها الوكالة الحضرية والمجلس الأعلى للحسابات، فإن الرئيس ظل يشغل منصبه منذ 2003، حتى الآن. وتقدم عامل إقليم تطوان في شتنبر الماضي بدعوى للقضاء الإداري من أجل عزل الرئيس، بعد أن عاينت اللجن التابعة للعمالة، بدورها، حجم الخروقات المرتكبة بتراب الجماعة. ويطالب الرأي العام المحلي بضرورة فتح تحقيق قضائي في هذه الخروقات، وعدم الاكتفاء بالقضاء الإداري والاقتصار على عزل الرئيس، من أجل تحديد المسؤوليات ومتابعة المسؤولين عن جرائم التعمير التي كانت الجماعة مسرحا لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى