fbpx
تحقيق

مافيا أملاك الدولة بمراكش

نهبت عقارات مدارس ورياضات ومرافق محطة طرقية وزوايا دينية وامتدت إلى الحوز

قبل أيام، مثل رئيس المجلس الوطني للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب أمام الفرقة الجهوية التابعة للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، للإدلاء بإفاداته بخصوص شكاية رفعها إلى الوكيل العام المكلف بجرائم الأموال بمراكش، حول تفويت عقارات في ملك الدولة بأثمان زهيدة، لفائدة منتخبين ومضاربين. وتناولت الملفات، التي تبحث فيها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية منذ 15 يوما بمراكش، مجموع التفويتات التي طالت عشرات الهكتارات من أراضي الدولة لفائدة منتخبين ومضاربين، خاصة خلال الفترة الممتدة ما بين 2016 و2018، عبر لجنة الاستثناءات التي ترأسها عبد المجيد لبجيوي، الوالي السابق.

إنجاز: يوسف الساكت (موفد الصباح إلى مراكش) 

حصلت “الصباح” على معلومات ومعطيات تؤكد تواطؤ مجموعة من المنتخبين ورجال سلطة ومسؤولين بمختلف المصالح الخارجية بعاصمة النخيل، فوتوا عقارات مملوكة للدولة بأثمان زهيدة، أو عبر كراء متوسط الأمد في أفق تفويتها. ظاهر التفويت تشجيع الاستثمار، وباطنه المضاربة في هذه العقارات. 
وتبين، من خلال رخص وتصاميم وصور أن مجموعة من العقارات المملوكة للدولة، كان مقررا أن تحتضن مشاريع ومرافق عمومية في إطار المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة)، قبل أن يتم إكراؤها أو تفويتها لمنتخبين، أو شركات يديرها أشخاص يقف خلفهم منتخبون استغلوا مواقعهم في المسؤولية واستعملوا سلطتهم ونفوذهم وحصلوا على هذه العقارات.

مدارس في مهب الريح

بتراب مقاطعة سدي يوسف بن علي بمراكش، سبق للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مراكش آسفي، أن قررت بناء مؤسسة تعليمية عمومية فوق عقار مملوك للدولة، ذي الرسم العقاري رقم 15145/م، تقدر مساحته بأزيد من هكتار و2000 متر مربع، في  إطار حصتها من المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة)، وسبق لإدارة أملاك الدولة أن منحت موافقتها المبدئية لفائدة المشروع، غير أنه في ظروف غامضة، منح العقار المذكور لفائدة رئيس مقاطعة، في إطار الكراء لمدة تسع سنوات قابلة للتمديد، من أجل إقامة محطة لتوزيع المحروقات ومطعم ومقهى وفضاء لألعاب الأطفال.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “الصباح”، فإن المستفيد وبمجرد حصوله على الموافقة المبدئية من قبل لجنة الاستثناءات التي كان يترأسها الوالي المعزول، قام ببيع حصص من شركته المستفيدة لفائدة مسير رياضي، كما حصل المشروع على ترخيص بالبناء، رغم أن الملف لم يستوف الشروط القانونية.
وبعد الضجة التي رافقت عملية التفويت، تدخل محمد صبري، والي جهة مراكش آسفي بالنيابة السابق، وراسل رئيس المجلس الجماعي لمراكش مطالبا إياه بسحب رخصة البناء من صاحب المشروع، لعدم قانونية الملف، ولأن العقار كان مقررا أن يحتضن مؤسسة تعليمية عمومية، في إطار المشروع الملكي سالف الذكر، وهو الطلب الذي واجهه رئيس المجلس الجماعي بالرفض، قبل أن يتدخل مسؤولون من الداخلية ويعيدوا الأمور إلى نصابها والشروع في بناء المؤسسة التعليمية. 

 العزوزية “غيت”

بمقاطعة المنارة، وتحديدا بمنطقة العزوزية، سبق للمجلس الجماعي خلال الفترة الانتدابية في عهد العمدة فاطمة الزهراء المنصوري (٢٠٠٩-٢٠١٥)، أن صادق على مقرر جماعي يقضي باقتناء ثلاث بقع أرضية مملوكة للدولة مستخرجة من الصك العقاري رقم 1970/م، خصصت أولاها لبناء المحطة الطرقية الجديدة للمسافرين بمنطقة العزوزية بدل محطة باب دكالة، وخصصت البقعة الثانية لإقامة مرأب لوقوف سيارات الأجرة ومرافق أخرى تابعة للمحطة الطرقية، والثالثة لتوسيع السوق البلدي العزوزية، وقد تمت برمجة هذا المشروع في إطار المشروع الملكي مراكش الحاضرة المتجددة.
 وشرع المجلس الجماعي في بناء المحطة الطرقية، قبل أن تنتهي فترة ولايته، وانتخاب مجلس جماعي جديد، لتتوقف مسطرة اقتناء البقعتين سالفتي الذكر، حيث تنازل العمدة عنهما. 
وفي ظروف غامضة، تمكنت إحدى الشركات من الاستفادة منها، إذ شرعت في بناء محطة لتوزيع المحروقات ومطعم ومقهى وفندق. 
ولأن أي محطة طرقية لا يمكنها أن تقوم بأدوارها كاملة دون وجود مرأب لسيارات الأجرة وغيرها من المرافق الأخرى، تقدم رئيس المجلس الجماعي بطلب اقتناء بقعتين مملوكتين للدولة بالمنطقة نفسها، وهما جزء من الصك العقاري 1970/م، تبلغ مساحتهما أزيد من 6 هكتارات من أجل إنشاء محطة لوقوف سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة، وسيارات النقل المزدوج وسيارات النقل السياحي، بالإضافة إلى مرافق صحية وغيرها. 
وتساءل عبد الإله طاطوش، رئيس الجمعية خلال الاستماع إلى إفادته من قبل الفرقة الجهوية، عن “أسباب تنازل المجلس الجماعي عن البقعتين سالفتي الذكر، ليقوم بتقديم طلب آخر إلى إدارة أملاك الدولة من أجل إقامة المرافق نفسها، إن لم يكن الأمر يتعلق بفتح المجال أمام السماسرة والمضاربين قصد إقامة مشاريع جوار المحطة الطرقية الجديدة”. 
وقال في تصريح ل”الصباح”، إن لجنة الاستثناءات منحت المجلس الموافقة المبدئية في غياب موافقة إدارة أملاك الدولة، التي رفضت حتى الآن الموافقة على المشروع، من جهة، لأنها لم تحضر لجنة الاستثناءات التي منحت الموافقة المبدئية للمشروع، ومن جهة ثانية لأن الملف لم يتم إيداعه لدى الشباك الوحيد إلا بعد مرور أزيد من ستة أشهر على حصوله على الموافقة المبدئية كما ينص على ذلك القانون.

فضيحة “تاركة”

بمقاطعة المنارة أيضا، وتحديدا بمنطقة “تاركة”، تم تفويت العقار المملوك للدولة ذي الرسم العقاري 5938/م، لفائدة إحدى الشركات التي يقف وراءها أحد منتخبي المجلس الجماعي لمراكش، بثمن زهيد لا يتعدى 620 درهما للمتر المربع الواحد، في منطقة يتجاوز فيها المتر المربع الواحد 10 آلاف درهم، من أجل تشييد فيلات فاخرة، وهو المشروع الذي تمت المصادقة عليه من قبل لجنة الاستثناءات. 
والخطير في ذلك، أن السلطة المعنية طردت مجموعة من الأسر والعائلات التي كانت تستغل العقار لعقود، وتؤدي واجبات الكراء لفائدة الإدارة المذكورة، وسبق أن طالب مستغلوه بتفويته لفائدتهم منذ سنوات، دون جدوى، وعند اعتراض هذه الأسر على عملية الطرد التي لم تراع أوضاعهم الاجتماعية، تم الزج ببعضهم في السجون، بعد هدم بيوتهم فوق رؤوسهم لتعبيد الطريق أمام المنتخب سالف الذكر.

“بيرو زنيبر” 

بالعودة إلى المشروع الملكي “مراكش الحاضرة المتجددة”، سبق للمجلس الجماعي السابق، وبتنسيق مع مصالح ولاية جهة مراكش آسفي، وفي إطار المشروع المذكور، أن تقرر إعادة تأهيل طوالة بوعشرين، الرابطة بين حي الملاح وحي رياض الزيتون، حيث توجد المعلمة التاريخية الباهية، إذ جرى الاتفاق على إعادة ترميم وتأهيل الرياض التاريخي المعروف بـ”دار زنيبر” أو “بيرو زنيبر”، كما دأب المراكشيون على تسميته، وهو رياض يعود تاريخ بنائه إلى القرن التاسع عشر، ومصنف ضمن التراث الوطني. 
لكن، بعد انتخاب مجلس جماعي جديد، وفي ظروف غامضة أيضا تم منحه لفائدة “شركة”، في إطار الكراء متوسط الأمد والقابل للتجديد، من أجل إقامة مطعم، علما أن اسم صاحب الشركة تكرر في أكثر من ملف أمام لجنة الاستثناءات واستفاد من العديد من العقارات المملوكة للدولة خلال الفترة الممتدة ما بين 2016 و2018، إذ أن المعلومات التي يتداولها الرأي العام المحلي هو أن هذا الشخص لا يعدو أن يكون اسما يختفي خلفه أحد كبار المنتخبين بمراكش.
ورغم أن الرياض المذكور، وضعته إدارة أملاك الدولة منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي رهن إشارة وزارة الثقافة، إلا أنه في ظروف غامضة تم منحه للشركة سالفة الذكر، علما أنه كان مبرمجا في إطار المشروع الملكي لتحويله إلى فضاء ثقافي وفني.

التطاول على الحوز

لم تتوقف آلة تفويت العقارات المملوكة للدولة في حدود مراكش، بل إن المضاربين والمنتخبين الذين استفادوا من هذه التفويتات في إطار لجنة الاستثناءات، انتقلوا إلى إقليم الحوز، حيث وضعت إدارة أملاك الدولة رهن إشارة إحدى الشركات التي يقف خلفها المنتخب نفسه، الذي سبق أن استفاد من العقار المملوك للدولة الكائن بمنطقة تاركة بمقاطعة المنارة. 
ووافقت لجنة الاستثناءات على مشروعه المقرر إنشاؤه فوق العقار المملوك للدولة بتراب الجماعة القروية (أغواطيم) بإقليم الحوز، ذي الصك العقاري 4301/م، والبالغ مساحته حوالي خمسة هكتارات، من أجل إنشاء محطة لتوزيع المحروقات ومطعم ومقهى ونزل.
وبحسب معلومات متطابقة، وقف عامل إقليم الحوز حائلا دون تفويت هذا العقار المملوك للدولة، خشية أن تكون العملية مجرد مضاربة من المنتخب النافذ المذكور. 
وبعد ممارسة ضغوطات كبيرة، من قبل عدة جهات في السلطة وفي أوساط منتخبين كبار، قبل، على مضض، شريطة أن يتم ذلك في إطار كراء العقار لمدة تسع سنوات بدل التفويت، علما أن المكتب الوطني للكهرباء سبق أن حصل على الموافقة المبدئية، من أجل إقامة مشروع محطة لتوليد الكهرباء (الشريفية) بعقار يخترق العقار الممنوح للمنتخب المذكور، وهو المشروع الذي من شأنه أن يزود إقليم الحوز وجزءا كبيرا من مراكش بالطاقة الكهربائية، وخصص له غلاف مالي قدره حوالي 24 مليار سنتيم.

السطو على أراضي الأحباس

لم يتوقف جشع المضاربين والسماسرة عند حدود أملاك الدولة، بل تعداه إلى الأراضي الحبسية ذات الرمزية الدينية والصوفية، نظير جنان الولي الصالح سيدي بلعباس، أو ما يعرف في وثائق نظارة الأوقاف بجنان الشيخ، حيث صادقت لجنة الاستثناءات على إقامة مشروع على مساحة تقدر بحوالي 10 هكتارات من الأملاك الحبسية بجنات سيدي بلعباس، وهو المشروع المتمثل في محلات تجارية و مطاعم ومقاه وفضاءات للألعاب، بسومة كرائية لا تتعدى 33 مليون سنتيم سنويا، دون مراعاة لحرمة هذا العقار الحبسي، الذي شاء صاحبه الولي الصالح سيدي بلعباس، أن يتم وقفه لفائدة مكفوفي المدينة.
وسبق للمجلس السابق أن قرر إنشاء منتزه وفضاء أخضر فوق هذا العقار، وتحديدا من الجهة الخلفية للمحطة الطرقية بباب دكالة وعلى امتداد شارع 11 يناير حتى حدود البرج، المقابل لمقر ولاية جهة مراكش آسفي، خاصة أن سكان المدينة العتيقة لا يتوفرون أن أي متنفس، أو فضاء أخضر، لكن جشع بعض السماسرة دفعهم إلى التعدي على حرمة هذا العقار، ذي الرمزية الدينية والتاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى