أخبار 24/24

محكمة النقض … رهان الاستمرارية

إحداث أقسام جديدة لأجل الرقي بالمنتوج القضائي لمحكمة القانون

لا يمكن الحديث عن محكمة النقض، دون الرجوع إلى التأصيل التاريخي لها الذي يمتد إلى 1957، وكانت حينها تسمى المجلس الأعلى، الذي أحدث بعيد حصول المغرب على استقلاله، وبإحداثه تم توحيد مجال الطعن بالنقض، الذي كان يتسم بالازدواجية.

التأريخ المرحلي للهرم القضائي
تشكل التنظيم الإداري والقضائي لمحكمة النقض عبر عدة محطات تاريخية. مرحلة التأسيس تمتد من تاريخ إحداث المجلس الأعلى بمقتضى ظهير 27 شتنبر 1957 إلى إعادة التنظيم القضائي للمملكة سنة 1974.
1974 إلى 1997 مرحلة تدبير الأزمة، إذ عرفت هذه المرحلة تدنيا كبيرا في نشاطه القضائي، من مؤشراته أن المخلف من القضايا – أي حجم العمل غير المنجز- بلغ سنة 1974 ما يفوق 76 ألف قضية أي 4 أضعاف مخلف سنة 2010 (18 ألف قضية).
1997 إلى 2010 مرحلة التحديث وتاريخ الشروع في تنفيذ برنامجه. إذا كان المجلس الأعلى منذ إنشائه مغبوطا بوجود مقره في المشور السعيد، فإن سنة 1974 شكلت انتكاسة معنوية له بنقل مقره إلى مكان آخر لا رمزية له (ساحة الجولان بوسط الرباط)، ولا يتلاءم مع وضعه محكمة عليا (قاعة جلسات واحدة، عدم وجود مكاتب كافية للقضاة وملفات قضائية مهملة في الممرات).

2011 بداية الهيكلة الإدارية الجديدة
شكل الاحتفاء بالذكرى 50 لتأسيس المجلس الأعلى سنة 2007 نهاية مرحلة وبداية أخرى. هذه المرحلة الجديدة تكرست قانونيا باستبدال تسمية المجلس الأعلى ب “محكمة النقض” بمقتضى دستور 2011 ، وفي ذلك إبراز لوظيفته القضائية الأساسية، ألا وهي البت في الطعون بالنقض.
من تجليات هذه المرحلة التأسيس لهيكلة إدارية جديدة، نظر لها مصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض، وقد شرع فيها فعليا بداية 2011.
أصبحت الهيكلة الإدارية الجديدة تتكون من ديوانين وكتابة عامة وأربعة أقسام هي: قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي وقسم التحديث والآفاق المستقبلية وقسم الشؤون القضائية وقسم العلاقات الدولية والتعاون. تتبع هذه الأقسام عدة مصالح إدارية. بعض هذه الأقسام مستحدث، وهو قسم التحديث والآفاق المستقبلية والبعض الآخر أدخل تعديل على تسميته ومهامه كقسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي.

المكتب الفني… القلب النابض للمحكمة
للتغلب على ما يمكن أن ينجم عن تعدد الأقسام من اختلاف في قراراتها داخل الغرفة الواحدة، قام الرئيس الأول بمبادرة تأسيس مكتب فني يرمي إلى النهوض بعمل محكمة النقض، من خلال الوقوف عند منتوجها القضائي، الذي يشكل رأسمالا قضائيا لاماديا، و يتولى القيام بإعداد دراسات وتقارير حول الموضوعات، أو الاهتمامات التي يرغب فيها الرئيس الأول حسب توجيهاته.
كما يقوم المكتب الفني بتصنيف القواعد التي أرستها محكمة النقض، من خلال عرض القرارات الصادرة بجميع الغرف أو بغرفتين منذ إنشاء المجلس الأعلى سابقا وحتى الآن، تصنيفا موضوعيا حتى تكون أيسر في البحث، وتذييل النصوص التشريعية بالاجتهادات القضائية، إذ تندرج تحت كل نص قانوني مجموعة من القرارات القضائية المتعلقة به، وتقديم المساعدة للقضاة ومساعدي القضاء والمؤسسات العمومية والباحثين في ما يخص الإشكالات التي تعترضهم في إنجاز بحوثهم في نطاق مهام المكتب الفنيويضطلع المكتب أيضا بالعمل على تعميم الاجتهاد القضائي على محاكم أدنى درجة بالوسائل الالكترونية وغيرها، والعمل على إبراز الإشعاع العلمي لمحكمة النقض واستخلاص المبادئ القانونية، التي تقررها المحكمة في ما تصدره من قرارات وتبويبها ومراقبة نشرها، بعد عرضها على رؤساء الأقسام، وإعداد موسوعة إلكترونية شاملة لكافة القرارات الصادرة عن غرف المحكمة باعتمادها المنهج الموضوعي في تصنيفها وتقسيمها إلى مجلدات وأجزاء، تعنى بالقواعد القانونية والمبادىء القضائية المستخلصة من قرارات محكمة النقض الصادرة في مختلف المواد القانونية.

المتحف… ذاكرة القضاء
يزخر المغرب بوثائق مهمة تجسد و ضعيته القضائية والاجتماعية والسياسية، عبر مختلف المحطات التاريخية، التي مر بها، والتي شكلت تراثا قضائيا غنيا وقائما بذاته، مؤكدة على أن التاريخ القضائي قديم قدم تاريخه. بيد أن هذا الموروث القضائي بدأت تطوله يد الإهمال وأخذ في الاندثار سواء بعامل الزمن أو إهمال الانسان.
حرصت محكمة النقض وتحت إشراف الرئيس الأول لها على تطبيق توجيهات الملك محمد السادس، وذلك بأن تنشر كل ما يتعلق بالتاريخ القضائي والفقهي وجعله مجالا فسيحا للدراسة أمام الباحثين والمهتمين من رجال القانون والقضاء. من هذا المنطلق وحفاظا على هذا الموروث المغربي الأصيل وحفاظا على هذه الذاكرة القضائية، جاءت فكرة إنشاء متحف خاص بمحكمة النقض تم فيه تجميع الوثائق والمخطوطات وكذا الأحكام والفتاوى وغيرها من الأدوات القديمة، والتي تم عرضها حتى يتسنى للباحث والزائر الاطلاع عليها.
تؤرخ الوثائق المعروضة حالیا لفترات تاريخیة وسیاسیة واجتماعية مر بها القضاء المغربي على وجه العموم، وحقب تاريخية عرفتها محكمة النقض على وجه الخصوص، بهدف إبراز ما أبدعه الأسلاف من فكر فهي وقضائي، حتى يتسنى لكل زائر التعرف عنه عن قرب، وجعله مجالا فسیحا للدراسة والتأويل والتحليل. وهي عبارة عن وثائق قديمة بخط عربي قديم بأحجام مختلفة، وعلى ملفوفات أو مخطوطات طويلة تصل إلى 15 مترا تحمل بداخلها مجموعة من الإجراءات، كما تضم نماذج من الملفات القديمة لمختلف المحاكم، وكتبا ومجلدات أو سجلات كبيرة الحجم، وأدوات أو صورا مختلفة، بالإضافة إلى فيديوهات.
كما تهدف محكمة النقض لدعم الكفاءات وتبادل الخبرات والتجارب، إلى تقوية علاقات التعاون التي تجمعها مع العديد من المؤسسات الوطنية، لما لذلك من انعكاسات إيجابية، بالنظر للأهداف المشتركة، والتي تصب كلها في دعم دولة الحق والقانون.

النيابة العامة… الضبط والربط
يمثل النيابة العامة بمحكمة النقض الوكيل العام للملك، يساعده المحامون العامون، ويعتبر حضور النيابة العامة إلزاميا في سائر الجلسات، والوكيل العام للملك لدى المحكمة النقض قاض خارج الدرجة، وهو عضو بحكم القانون في المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 115 من الدستور)، وفي مكتب محكمة النقض.
وللوكيل العام للملك لدى محكمة النقض السلطة على أعضاء النيابة العامة بها وعلى مصالح كتابتها، ويراقب أعوان كتابة الضبط المكلفين بالمصلحة الجنائية أو المسندة إليهم مهام حسابية.
يمكنه أن يوجه مباشرة تعليمات وملاحظات إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف وإلى وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية.
ويساعد المحامي العام الأول والمحامون العامون الوكيل العام للملك في تصريف أشغال النيابة العامة، كما يمثلونه في الجلسات المكلفين بها، ويعتبر المحامي العام الأول عضوا في مكتب محكمة النقض.
وتقوم النيابة العامة بمحكمة النقض بتقديم ملتمسات إلى الغرفة الجنائية بالمحكمة نفسها بإجراء التحقيق في الجنايات والجنح المنسوبة لبعض فئات القضاة والموظفين السامين المذكورين بالمادة 265 من ق.م.ج. وإذا ما قررت الغرفة المذكورة إجراء البحث، تعين عضوا أو عدة أعضاء من هيأتها لإجراء التحقيق حسب الكيفية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية.
وإذا تعلق الأمر بأصناف القضاة أو الموظفين المشار إليهم في المادة 266 من (ق.م.ج)، فإن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض يلتمس من الغرفة الجنائية بالمحكمة نفسها إجراء تحقيق، وفي حالة الإيجاب، تعين محكمة استئناف غير المحكمة التي يباشر في دائرتها المعني بالأمر مهمته.
الإحالة من أجل تشكك مشروع، والإحالة من أجل المصلحة العامة وتجريـح القضــاة وتسـليم المجرميـن أما في الميدان المدني، فتتدخل النيابة العامة بالمحاكم في القضايا المدنية طرفا أصليا أو طرفا منضما في الأحوال المشار إليها في الفصول من 6 إلى 10 من قانون المسطرة المدنية.
كما تعمل النيابة العامة بمحكمة النقض على مراقبة الخبراء القضائيين المسجلين بالجدول الوطني،بناء على مقتضيات البابين الرابع والخامس (المادتين 28 و32) من الظهير الشريف رقم 1.01.126 الصادر في 22 يونيو 2001 بتنفيذ القانون رقم 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين. يقوم الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها بمراقبة الخبراء القضائيين المسجلين بالجدول الوطني، وكذا بإنجاز تقرير مشترك بشأن كل إخلال ارتكبوه ويرفق بوثيقة تتضمن وجهة نظرهما.

المتابعات ضد نقيب هيأة المحامين
يقوم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تلقائيا أو تبعا لشكوى توصل بها، بتقديم المتابعات مباشرة ضد النقيب الممارس إلى محكمة الاستئناف غير تلك التي توجد الهيأة بدائرتها.

اختصاصات النقض
تنظر محكمة النقض في الطعون المقدمة ضد الأحكام والقرارات الصادرة نهائيا في كل المجالات، باستثناء الطلبات التي تقل قيمتها عن عشرين ألف درهم، أوالطلبات المتعلقة باستيفاء واجبات الكراء والتحملات الناتجة عنه أو مراجعة السومة الكرائية. كما تقرر نقض أو إبطال القرار وإحالة النازلة على محكمة أخرى مماثلة للمحكمة التي اتخذت القرار بانتمائها إلى الدرجة نفسها، أو على المحكمة نفسها شريطة أن تكون مكونة من هيأة قضائية مخالفة. وتمتد صلاحيات محكمة النقض إلى القضايا التي تتعلق بخرق قانون الأحوال الشخصية وإن كان قانونا أجنبيا، وخرق قواعد جوهرية وخرق قواعد الاختصاص والشطط في استعمال السلطة، ونقصان أو انعدام التعليل وعدم الارتكاز على أساس قانوني. ولم تقتصر مهام محكمة النقض على تلك الاختصاصات فقط، بل تعدتها إلى البت في الشطط في استعمال السلطة من قبل القضاة في حال اتخاذهم قرارا لم يطالب به الخصم، أو ينتقد سلطة إدارية وفي تنازع الاختصاص الإيجابي والسلبي بين المحاكم، ومراجعة الأحكام في الميدانين الجنحي والجنائي، عندما يتم الكشف عن عنصر جديد أو تدليس بعض الشبهات على قرار اتخذ صبغة نهائية، ويمكن في مثل هذه الحالة أن يقرر منح تعويضات عن القرار المذكور.
وتدخل مخاصمة القضاة في المهام الإضافية للمحكمة، وتقع عندما يطالب متقاضي التصريح بمسؤولية القاضي أو المحكمة عدا محكمة النقض، عن الضرر الناتج عن تدليس أو ابتزاز أو وجود إنكار للعدالة. وبإمكان محكمة النقض تعيين محكمة أخرى حينما تتهم المحكمة المختصة بالتحيز أو سحب القضايا من أي محكمة من أجل المصلحة أو الأمن العامين، كلما وجد تخوف من عدم توفر النزاهة لدى المحكمة واحتمال حدوث اضطرابات جراء ذلك. كما تبت في جلسة تضم جميع الغرف، في قضايا الأشخاص الذين يتمتعون بامتيازات قضائية تم النص عليها في قانون المسطرة الجنائية.وبالنظر إلى الفترة التي كان يمر منها المغرب قبيل الاستقلال فقد تحول المجلس إلى مختبر حقيقي تتمخض عنه أفكار وتجارب قضائية وتطورت مهامه واتسعت لتشمل تحري مشاريع قوانين موحدة مهدت لتوحيد الأنظمة القضائية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق