خاص

محكمة النقض … مشتل الاجتهادات

63 سنة تؤرخ لتاريخ قضائي حافل بالقرارات المهمة

محكمة النقض هي محكمة قانون توجد في قمة الهرم القضائي، وتتجلى مهمتها في مدى سلامة تطبيق القوانين ومراقبة صحة القرارات وضمان وحدة الاجتهادات القضائية. هذه المؤسسة ساهمت في إعطاء تصور جديد عن النظام القضائي المغربي، إذ أسندت إليها مهمة سن اجتهادات للمحاكم العادية لملء الفراغ التشريعي، الناجم عن عدم وجود قوانين مكتوبة تبت عمقا وشكلا في الميدانين المدني والتجاري، وتحدد المسطرة لدى القضاء الشرعي. وعملت المحكمة على إعطاء دينامية جديدة لمجموعة قوانين 1953، التي كانت ما تزال تطبق جنائيا في حق المغاربة من خلال تأويلها تأويلا يحترم كرامة الإنسان. وتعمل محكمة النقض سنويا على منح انطلاق السنة القضائية، وكما يقال فإن المناسبة شرط، فتزامنا مع هذه الذكرى القضائية السنوية ارتأت “الصباح” التعريف بهذه المؤسسة الدستورية، من حيث طريقة اشتغالها ونوعية القضاة العاملين بها والاجتهادات الصادرة عنها.

إنجاز: كريمة مصلي

الاجتهاد القضائي… روح التشريع

محكمة النقض خارطة طريق لتحقيق محاكمة عادلة

تشكل الاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة النقض البوصلة ،التي يتم اعتمادها من قبل باقي المحاكم، في شأن تدبير عدد من القضايا، التي تعرف بعض الاختلاف. ولأجل تحقيق ذلك الهدف اتخذ مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض، خارطة طريق تعتمد على تعميم الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض على مجموع محاكم الموضوع، توحيدا للاجتهاد على مستوى محاكم المملكة، وتدعيم مبدأ التخصص القضائي بالنسبة إلى الأقسام والمستشارين، وتفعيل المهام الأساسية لقسم الدراسات والتوثيق والبحث العلمي بتجميع القرارات الصادرة عن محكمة النقض بانتظام ودراستها وفرزها وتصنيفها.
واعتبر فارس في لقاءات سابقة، أن ريادة الاجتهاد القضائي في جميع المنازعات أيا كانت طبيعتها، تنبئ بآفاقها الواعدة، وتؤشر على سلطة قضائية مستقلة قادرة على مواجهة التطورات، ورفع التحديات الخارجية المرتبطة بربح رهان التنافسية الاقتصادية وكسب ثقة المستثمرين وإقامة السلم الاجتماعي، بما يفرضه الضمير المهني المسؤول من تضحيات في خدمة المصلحة العليا للوطن دون أي اعتبارات أخرى، من خلال إحداث قواعد فقهية اجتهادية تروم ترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية، وإشاعة ثقافة المشروعية والدفاع عنها ومحاربة الشطط في استعمال السلطة، وإرساء عدالة مواطنة تؤمّن شروط المناعة والاستقرار، وتحافظ على التوازنات السليمة بين المصلحتين العامة والخاصة لتحقيق التنمية المستدامة في كافة ربوع المملكة، بما يكرس القيم الدستورية الكبرى، من حرية ومساواة وكرامة ومواطنة.
وركزت الاجتهادات الأخيرة لمحكمة النقض على تطبيق ما أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومنها المادة 14 منه والتي تقر بمنح فرصة دفاع المتضرر عن حقه، إذ اعتبرت محكمة النقض أن المشغلة بقيامها بمباغتة الأجيرة بالاستماع إليها حول المنسوب إليها من أخطاء، دون تمكينها من كافة الضمانات، التي يكفلها لها القانون من إتاحة الفرصة لها للدفاع عن نفسها، كي تكون على علم وبينة منه، مع إحضار مندوب الأجراء لمواجهة ما سيطبق عليها من عقوبات ضمانا لحقوق الدفاع، يجعل مسطرة الفصل التأديبي غير سليمة.
كما كرست محكمة النقض مبدأ الحق في التقاضي مبدأ أساسيا لا يجوز المساس به، حيث أكدت عدم حصانة أي قرار إداري من الخضوع للرقابة القضائية، وأن دعوى الإلغاء يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري، دونما حاجة إلى نص قانوني صريح يجيزها. وفي مجال الحق في المحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع، وتكريسا لقرينة البراءة، اعتبرت محكمة النقض أن قضاء محكمة الموضوع بالبراءة بعلة أن مجرد الاشتراك في خدمة الأنترنيت، لا يفيد علم المشترك باستغلاله في الاختلاس الدولي للمكالمات، ورتبت عن ذلك انتفاء عناصر المشاركة في الأفعال المنسوبة إليه، تكون بذلك قد أبرزت دواعي عدم اقتناعها، وأعملت الأصل وهو البراءة.

رسوخ الرؤية القضائية
في إطار ضمان توثيق العلاقة الزوجية، بالنظر لما تترتب عنها من آثار تتعلق بالنسب وغيره، اعتبرت محكمة النقض أن عدم منازعة المطلوب في دعوى الزوجية في التزامه الكتابي بتوثيق الزواج، يعتبر إقرارا منه بالعلاقة الزوجية لتطابق الإيجاب والقبول المعتبر ركنا في الزواج، ويغني عن إبراز حالة الاستثناء الواردة في المادة 16 من مدونة الأسرة.
ولم يفت الرئيس الأول لمحكمة النقض، التأكيد في العديد من المناسبات، على أن تميز الاجتهاد القضائي بالجرأة والمرونة، والموضوعية والواقعية في ترسيخ الأمن القضائي، يبرهن على عمق ورسوخ الرؤية القضائية في بعدها الإنساني والواقعي، بما يكرس الوثيقة الدستورية المعيارية الأسمى للمغرب، ويضمن التمتع الفعلي للمواطنين على قدم المساواة بمختلف الحقوق الإنسانية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وفق منظور اجتهادي يعكس الإرادة الحقيقية للقضاة في الخلق والإبداع والإنشاء، في إطار دولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق