حوار

عمليات التجميل … بوكيند: نحن مختصون نفسيون بمشرط جراح

البروفيسور بوكيند قال إن عمليات التجميل يجب أن تكون في حدود الممكن المعقول وإلا يجب رفض إجرائها

اعتبر البروفيسور الحسن بوكيند، جراح التجميل والتقويم، أن الوظيفة الجمالية لأعضاء الجسم، لا تقل أهمية عن وظيفتها العضوية، موضحا، في تعريفه لجراحة التجميل، بأنها إصلاح خلل عضوي بسيط بنتائج نفسية وخيمة. وقال بوكيند، في حوار أجرته معه “الصباح”، إن طبيب التجميل مختص نفسي يحمل مشرط جراح، مؤكدا أن عمليات التجميل يجب أن تكون في حدود الممكن والمتاح، وإلا يجب رفض إجرائها. تفاصيل أخرى تجدونها في الحوار التالي:

> تختلط المفاهيم لدى البعض حول جراحة التجميل. هل يمكن أن تمنحنا تعريفا عنها ونبذة عن تاريخها؟
> فن الجراحة عموما لم يعرف في الطب إلا في القرنين 12 و13. في عهد الإغريق، كان الطب يعتبر فرعا من فروع الفلسفة. أما الجراحة، فكان يمارسها الدجالون والمشعوذون والحلاقون، ولم يتم الاعتراف بها اختصاصا طبيا، إلا في عهد لويس الرابع عشر. في حين أن الجراحة التي كانت مرادفا للبتر أو إزالة القيوح والجروح، كانت تمارس منذ عهد الفراعنة. بعد ذلك جاءت الجراحة التقويمية أو الإصلاحية، التي أصبحت تداوي العضو أو تصلحه، بدل إزالته أو بتره أو استئصاله، ثم أصبحنا بعد ذلك نتحدث عن الوظيفة الجمالية، إلى جانب الوظيفة العضوية. سأعطي مثالا بالأنف، فوظيفته العضوية تتجلى في التنفس، إلا أن الإنسان يمكن أن يعيش بدون أنف، لأنه يستطيع أن يتنفس من فمه، لكن بتره أو نزعه من الوجه يخلق تشوها ويخل بوظيفته الجمالية، التي يمكن القول إنها أكثر أهمية من الوظيفة العضوية.

> هل يمكن أن تشرح للقارئ أكثر عن الوظيفة الجمالية؟
> الثدي مثلا، لديه وظيفة حسية شهوانية، إضافة إلى وظيفة الرضاعة، وهما وظيفتان متضادتان، فوظيفته العضوية تؤثر سلبا على وظيفته الجمالية، التي أصبحت ضرورية، ومنها خرج الاختصاص المتعلق بالبدائل الاصطناعية، والتي كانت موجودة منذ عهد الفراعنة، مثل ما يعرف بعين القرصان، والتي كانت على شكل عصابة سوداء يضعها من فقئت عينه، أو القطعة الحديدية التي كانت على شكل “كروشي” لتعوض اليد المقطوعة، أو الأقنعة المصنوعة من الذهب، والتي كان يضعها العديد من الملوك عبر التاريخ، لإصابتهم بالجذام، وهي كلها تدخل في نطاق الجراحة التقويمية للوظيفة الجمالية.
يمكننا أيضا أن نتحدث، في هذا الإطار، عن عملية الختان التي كانت تتم منذ عهد سيدنا إبراهيم، والتي يتم خلالها نزع جزء من العضو التناسلي للذكر رغم أنه لا يعاني أي مرض أو خلل ويستطيع أن يقوم بجميع وظائفه. وبعيدا عن الجانب الديني للعملية، استطاع العلم أن يثبت أن للأمر علاقة وطيدة بجانب النظافة. وهو الشيء نفسه الذي يمكن أن ينطبق على عملية إزالة ترهلات البطن مثلا.
هناك أيضا الجانب المتعلق بالألم العضوي وألم الوظيفة الجمالية. فحين يشاهد الناس شخصا في الشارع تعرض لعارض صحي طارئ، يسارعون إلى مساعدته، لكنهم حين يصادفون شخصا لديه تشوه، يتهربون منه، رغم أن الألم الذي يشعر به الشخصان هو الألم نفسه. وبالتالي، يمكننا أن نعرف الجراحة التجميلية بأنها إصلاح خلل عضوي بسيط بنتائج نفسية وخيمة. كما يمكن القول إن طبيب التقويم أو التجميل، هو طبيب نفسي يحمل مشرط جراح. أما إذا كانت النتائج النفسية للخلل العضوي غير موجودة، أو مبالغ فيها، فلا يجب إخضاع الشخص للجراحة بل توجيهه نحو طبيب أو مختص نفسي.
> البعض يعتقد أن التجميل يصنع المعجزات وأن له مفعولا مثل السحر. إلى أي حد يعتبر هذا الأمر صحيحا؟
> للأمر علاقة قوية بانتظارات المريض. فإذا كانت غير معقولة وغير قابلة للتحقق، على الطبيب أن يرفض. الجراحة التجميلية يجب أن تكون في حدود الممكن والمتاح. في تلك الحالة، يكون للجراحة أثر إيجابي جدا على المريض، الذي تتغير حياته إلى الأفضل، ويصبح أكثر إقبالا على الحياة.

> لكن الملاحظ أن العديد من جراحي التجميل يلجؤون إلى المشرط رغم عدم وجود أي خلل عضوي أو نفسي لدى الزبون. فهل يحق لهم ذلك؟
> في كل المجالات، هناك دائما القاعدة، وهناك أشخاص يخرجون عنها.

> إلى أي مدى يتم احترام الأخلاقيات في مهنتكم؟
> الأخلاقيات وضعها الإنسان. وهي موجودة منذ القدم. إننا نضع هامشا نتحرك في حدوده، لكن حين تضيق تلك الحدود، نسعى إلى توسيعها. وكلما تقدم الطب، تمرد عنها. أعطيك مثالا بالقتل الرحيم وبأطفال الأنابيب والإجهاض وزراعة الأعضاء، التي كانت ممنوعة أخلاقيا في الماضي. الجراحة نفسها كانت منبوذة من الناحية الأخلاقية في مجال الطب، فقد جاء في قسم أبقراط نفسه أنه لن يلجأ إلى جرح مريض أبدا.

بعضنا يبحث عن “البوز” و”الشو”

> ما مدى تنظيم مهنتكم؟ كيف تجري الأمور، خاصة في ظل وجود صالونات تمارس التجميل أيضا، وفي ظل وجود أطباء يمارسونه رغم أنه ليس من اختصاصهم؟
> المهنة منظمة في المغرب من قبل هيأة الأطباء (وطنية وجهوية) ووزارة الصحة. نحن في المجمل 100 طبيب تجميل مختص. لذلك ننتظم في إطار جمعيات وهيآت، إضافة إلى التمثيليات النقابية المعروفة، نحاول من خلالها الدفاع عن أنفسنا وعن المهنة. لكن هناك مراكز وصالونات تمارس التجميل خارج القانون. وعلى المستهلكين أن يكونوا واعين بأنها ليست مؤهلة لحقن “البوتوكس” أو “البلازما” أو استعمال تقنيات “الليزر” أو إزالة الشحوم عن طريق التبريد… الهيأة يمكنها أن تتدخل في حالة الطبيب الذي يمارس في مجال ليس من اختصاصه، وقد تعاقبه أو توقفه. لكن وزارة الداخلية هي ما يمنح الترخيص للصالونات، التي لا علاقة لها بالطب وهيآته، وبالتالي، يلزمها من يراقب عملها.

> ما هي الإكراهات التي تواجه ممارستكم للمهنة؟
> ثقافة “الشو” التي أصبحت منتشرة في برامج الواقع وفي العديد من القنوات الفضائية من بين هذه الإكراهات. وهو ما جعل بعض أطباء التجميل لا يكتفون بممارسة هذا الاختصاص باعتباره اختصاصا طبيا، بل يبحثون عن ما يسمى ب” البوز”. لم يعد الجانب الأكاديمي مهما. لقد كرست وسائل الإعلام نموذجا معينا ليس فقط للجمال وحده، بل لجراح التجميل الناجح. هناك أيضا إكراه الخلط في التخصصات والمهام. من يمارس ماذا؟ وأين ينتهي الاختصاص ويبدأ التطفل؟

الأخطـاء واردة

> تزايد عدد ضحايا عمليات التجميل بتزايد الإقبال عليها وأصبحنا نسمع كثيرا عن تشوهات وحالات وفاة. ما هي أسبابها؟
> هناك إحصائيات تؤكد أنه سجلت 12 حالة وفاة بسبب عمليات التجميل، منذ التسعينات، أغلبها بسبب اللجوء إلى خدمات طبيب غير مختص، أو بسبب “البنج”. وهي الحوادث التي يمكن أن تقع في عمليات إزالة المرارة مثلا، غير أننا لا نتحدث عنها. كل تدخل جراحي، كيفما كان نوعه، يحتاج تخديرا وفيه نسبة خطورة معينة. لا وجود لـ 0 خطر. ما يسري على الجراحات الأخرى يسري أيضا على جراحة التجميل. يجب أن نعرف أيضا أن الشخص الذي يخضع لعملية تجميل “ماشي غير رشقات ليه وبغا يفتح”، بل يعاني مشكلة أو عقدة نابعة من تشوه أو عيب أو خلل يزعجه وينغص عليه حياته.

“لوبيات” ستقضي على جراحة التجميل
> ألا تسعى عمليات التجميل إلى التسويق لنموذج أحادي للجمال؟
> منذ القدم، يسعى الإنسان إلى الجمال والشباب والخلود. نريد أن نتمتع بالجمال لأننا كائنات اجتماعية نحتاج إلى التعايش مع بعضنا، كما نحتاج أن نكون محبوبين ومثيرين جنسيا من أجل الزواج والتناسل وضمان استمرار النوع البشري. النموذج الأحادي للجمال موجود منذ خلقت الدنيا رغم أن هناك من يعرف الجمال على أنه انسجام بين جمال الروح والجسد، وهناك من يتحدث عن أن الجمال نسبي وكل يراه بعينه وطريقته الخاصة. الإغريق كان لهم نموذجهم. واليونان أيضا. النموذج الأحادي للجمال نجده في الطبيعة أيضا، ويقاس حسب معايير ونسب وقاعدة رياضية معينة. صحيح أن هناك جانبا ثقافيا للجمال، لكن مواصفاته المتفق عليها عالميا تكاد تكون هي نفسها. أما بالنسبة إلى عمليات التجميل، فهي لا تسعى إلى التسويق لنموذج واحد للجمال، بل التلفزيون ووسائل الإعلام هي التي تسعى إلى خلق “موديل” ليتقمصه الكل ويقلده ويشبهه، إضافة إلى ثقافة التجارة والاستهلاك.

> عمليات التجميل عرفت دمقرطة واسعة لكنها خلقت في الوقت نفسه نوعا من الإدمان. كيف تنظرون إلى الأمر؟
> فعلا هناك دمقرطة لعمليات التجميل، مثلما هناك نوع من الإدمان لدى بعض الأشخاص الذين هم مرضى في الواقع. لكن لا يجب أن ننسى تأثير “اللوبيات” الصناعية العاملة في المجال عبر العالم، والتي أصبحت اليوم تسعى إلى إلغاء دور طبيب التجميل تماما والذهاب مباشرة إلى المستهلك، من خلال إنتاج وتسويق مواد وآلات تجميلية بسيطة الاستعمال، وتباع في الصيدليات والأسواق الممتازة. اللجوء إلى التدخل الجراحي بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة، لصالح الحقن والتقنيات الجديدة التي تتطور كل يوم. يمكننا اليوم أن نصلح شكل الأنف فقط بتقنية “الليزر” دون حاجة إلى عملية. الإقبال على “البوتوكس” وانتشاره في الولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى انخفاض ثمنه وجعله يكون متوفرا في الصالونات والمتاجر العادية. اليوم، نتحدث عن دهن مصنوع من خلال تكنولوجيا “النانو” له فعالية وتأثير “البوتوكس” نفسه، سيكون متوفرا في الأسواق. آلات “الليد” أو العلاج بالضوء أصبحت تباع في “السوبير مارشي”… آلة “الليزر” أيضا…

تركيا وتونس منافسان قويان

> هناك إقبال على عيادات التجميل بالمغرب من العالم. هل بسبب الأسعار المنخفضة مقارنة مع دول أخرى أم بفضل كفاءة الأطباء وجودة عملهم؟
> هناك الكفاءة والثمن المناسب أيضا. لكن هذا الإقبال بدأ يتقلص اليوم بسبب الخوف من حوادث ومشاكل جراحات التجميل، التي تتناقل أخبارها مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة أيضا إلى المنافسة القوية من بلدان أخرى مثل تونس وتركيا. الخطوط الجوية التونسية مثلا تخصص للشخص المرافق للمريض تخفيضا ب50 في المائة عن تذكرة السفر، وأحيانا تمنحها له مجانا. كما أن إجراءات الحصول على التأشيرة مبسطة وسريعة، عكس ما يقع في المغرب. الدولة التركية، من جهتها، تشجع على السياحة الطبية أو ما يعرف بالطب العابر للحدود، وتعتبره رافعة اقتصادية للبلد، عكس ما يقع لدينا. الأردن أيضا بلد متطور في مجال تشجيع السياحة الطبية أو العلاجية.

نشتغل مع الفقراء والفئات المتوسطة

> كيف هي نسبة إقبال الذكور على التجميل وما هي العمليات التي يطلبونها أكثر؟
> هناك إقبال كبير من الذكور على عمليات التجميل، مثلهم مثل النساء تقريبا. يطلبون حقن “البوتوكس” والشفط أو عمليات تكثيف الشعر في الجسد وتشكيل العضلات وحصص “الليزر” لتشذيب اللحية.

> ما هي الفئة الاجتماعية الأكثر إقبالا على التجميل؟
> جميعها بدون استثناء، لكن خاطئ من يعتقد أن النسبة الكبيرة من زبائن عيادات التجميل أثرياء. بل العكس، أكبر نسبة من زبائننا من الفئتين المتوسطة والفقيرة. “هوما اللي خدامين معاهم”. أما الأغنياء فيفضلون الذهاب إلى أوربا.

> هل يمكن أن تحدثنا عن آخر التطورات في هذا المجال؟
> العلم اليوم يشتغل على زراعة أعضاء من خارج جسد الإنسان. يمكننا في المستقبل صناعة عظام أو كبد أو رئة مثلا… في ما أصبح يعرف بالهندسة الحيوية أو “البيو إنجنيرنغ”. نتحدث اليوم عن كراء الأرحام لتحمل الجنين حتى تحافظ الأم الحقيقية على رشاقتها وعلى الوظيفة الجمالية لأعضائها. هناك عمليات اليوم لزراعة وجه ميت على مريض حي. هناك أيضا عمليات تجديد الأنسجة والخلايا الجذعية التي يمكن أخذها من العظام أو الشحم أو الدم. هذا هو المستقبل.

أجرت الحوار: نورا الفواري / تصوير: (أحمد جرفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق