تقارير

دلالات تأسيس المنتدى البرلماني “أفرولاك”

بنشماش أكد أن برلمانيي المغرب تأخروا عن الحضور في التجمعات البرلمانية بأمريكا اللاتينية

مراد بورجا*

جرى، يوم الجمعة الماضي، بمقر مجلس المستشارين، التوقيع على وثيقة الإعلان عن تأسيس المنتدى البرلماني لبلدان افريقيا وأمريكا اللاتينية والكراييب “أفرولاك”، وتناقلت العديد من المواقع والصفحات تلك الصورة التاريخية التي جمعت رئيسي مجلسي النواب المغربي، حبيب المالكي وحكيم بن شماش، يدا في يد مع رؤساء كل، نعم كل، الاتحادات الجهوية والقارية بإفريقيا وأمريكا اللاتينية والكراييب، وهي لحظة وإن كانت ستظل دون شك في الذاكرة الجماعية لبرلمانيي ودبلوماسيي المغرب، فإنها تستحق الوقوف عندها وتحليل رمزيتها، ولأجل ذلك نعتقد بضرورة وضعها في سياقاتها التاريخية والراهنة.

مبادرة غير مسبوقة

فالجزم بكون هذه اللحظة وهذه المبادرة غير مسبوقة في تاريخ الدبلوماسية البرلمانية المغربية، لا يعفينا من واجب التحلي بالقراءة الموضوعية في حضور وعمل المنظومة الدبلوماسية الوطنية ككل على الواجهتين الإفريقية والأمريكو لاتينية. وكما يعلم الجميع، فالمحطات التاريخية للتعاون والشراكة بين منطقتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخصوصا قمم قادة ورؤساء الدول طبعها الغياب شبه الكلي للمواكبة البرلمانية لممثلي شعوب المنطقتين.
فالقمة الأولى لقادة ورؤساء الدول الإفريقية وأمريكا الجنوبية ASA انعقدت في دجنبر 2006 بالعاصمة النجيرية أبوجا، بمبادرة نيجيرية – برازيلية، وتميزت القمة الأولى بمشاركة مغربية وازنة جسدتها مضامين الرسالة الملكية الموجهة للقادة ورؤساء الدول المشاركة.
لكن ثلاث سنوات بعد ذلك، عرفت القمة منحى آخر بعد” استيلاء” ليبيا معمر القذافي، وفنزويلا شافيز، على مجريات التحضير وعقد القمة الثانية، حيث استضافت فنزويلا القمة الثانية في شتنبر 2009، لتجعل منها محطة لتكريس منطق “التعاون” القائم على الاعتبارات الإديولوجية الضيقة، وفضاء بهدف واحد هو مهاجمة “الأعداء” الإيديولوجيين.
الوفد المغربي ترأسه وزير الدولة آنذاك، محمد اليازغي، حيث هدد بالانسحاب من القمة بدعم من مجموعة من الدول الإفريقية وطالب بلقاء مع الرئاسة الفنزويلية التي اضطرت الى سحب ما يسمى بعلم الجمهورية الوهمية، وإغلاق معرض خاص بها على هامش افتتاح القمة، ما دفع الرئيس الجزائري الى الامتناع عن إلقاء كلمته.
جدير بالذكر أن 2009، تزامنت مع إغلاق المغرب لسفارته بكاراكاس عاصمة فنزويلا في يناير 2009 ونقلها الى سانتو دومينغو عاصمة جمهورية الدومنيكان.
كما تم إقرار ليبيا بلدا مضيفا للقمة الثالثة سنة 2011، وهي القمة التي لم تنعقد ابدا نظرا للأوضاع والمتغيرات التي عاشتها ليبيا.
القمة الثالثة، انعقدت بمدينة مالابو، بجمهورية غينيا الاستوائية، وتميزت بعودة البرازيل لتزعم المبادرة، حيث كانت كلمة الرئيسة السابقة ديلما روسيف الخطاب الأبرز بالدورة، الى جانب رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي آنذاك دلاميني زوما.
خلال تلك القمة، تمكن المغرب من الظفر بالرئاسة المشتركة مع فنزويلا، لمجموعة العمل المتعلقة بالتجارة والاستثمار والسياحة.
في سنة 2016، تم الاتفاق على عقد القمة الرابعة لقادة دول إفريقيا وأمريكا الجنوبية بعاصمة الإكوادور، ليتم الاتفاق على تأجيلها الى 2017، وفي غياب أي وثائق أو تصريحات رسمية، لم نستطع رسم الأدوار التي تلعبها المملكة المغربية في دينامية هذه القمة الجديدة المفترضة، خاصة بعد العودة المؤسسية إلى أحضان الاتحاد الإفريقي والسياسة الريادية التي تلعبها بلادنا في إرساء علاقات دولية جديدة قائمة على قاعدة التعاون جنوب-جنوب. لكن ومن خلال البلاغ المشترك الذي صدر عقب لقاء وزير الخارجية والتعاون آنذاك، صلاح الدين مزوار، بنظيره بالجمهورية الفدرالية للبرازيل، ماورو فييرا، في مارس من 2016، يتبين أنه كان هناك توجه أو محاولة لحضور ممثلي الجمهورية الوهمية للقمة الرابعة، وهو ما تعكسه النقطة 22 من ذات البلاغ:
– المغرب والبرازيل – وبصفته منسقا عن أمريكا الجنوبية للقمة الافريقية – الأمريكو جنوبية – شددا على ضرورة الحفاظ على الشكل الأولي لآلية التعاون والحوار بين الدول، وفقا للمبدأ الأصلي المعتمد بقمة أبوجا التأسيسية (والذي ينص على ضرورة السيادة والعضوية الكاملة للدول الأعضاء بالقمة في هيأة الأمم المتحدة).

جهود ملكية

كما سبقت الإشارة فإن تلك الدينامية بأهميتها وسياقاتها التاريخية وحتى انزلاقاتها في محطات أخرى، “رافقها” غياب شبه كلي للمواكبة البرلمانية للمؤسسات التمثيلية بالمنطقتين وضمنها المؤسسة البرلمانية المغربية.
فعلى مستوى القارة الإفريقية ورغم العديد من المبادرات وتبادل الزيارات ظل الحضور البرلماني المغربي، بتواز من انسحاب وغياب المغرب من منظمة الوحدة الافريقية، وبعدها الاتحاد الافريقي، خافتا ودون مستوى التطلعات، باستثناء الدور الهام الذي طبع حضوره داخل أجهزة الاتحاد البرلماني الإفريقي.
ومع ما فرضته الدبلوماسية الملكية المباشرة والمقدامة بإفريقيا من مواكبة برلمانية، وبعد العودة التاريخية لبلادنا إلى حضنها المؤسسي بإفريقيا، تم ترسيم انضمام البرلمان المغربي إلى برلمان عموم إفريقيا، وتم توقيع اتفاقية شراكة مع برلمان المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب إفريقيا “سيدياو”، وقام مجلس المستشارين بمبادرات برلمانية إفريقية نوعية، وخصوصا اللقاء التشاوري البرلماني الإفريقي بمناسبة كوب 22 بمراكش، ورئاسة حكيم بن شماش لرابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة بإفريقيا والعالم العربي، والعديد من المبادرات المتميزة التي قام بها البرلمان المغربي بمجلسيه داخل القارة الافريقية.
أما منطقة أمريكا اللاتينية والكراييب، فقد شكلت لعقود متواصلة، إحدى نقط ضعف الدبلوماسية البرلمانية والمغربية بشكل عام.
فمعلوم أن أغلب الاعترافات بالجمهورية الوهمية بأمريكا اللاتينية كان خلال سنوات الثمانينات، أي في أوج المد اليساري الراديكالي بالمنطقة، وفي عز التحولات والتقلبات السياسية التي فرضتها مخلفات الحرب الباردة، والذي قابله جو من الانحسار والتدافع السياسي الحاد ببلادنا.
لكن الأكيد أن الدينامية والانفراج السياسي والحقوقي والمصالحة السياسية الوطنية، التي ميزت مسار الانتقال الديمقراطي وبناء المؤسسات ببلادنا، وخصوصا الزيارة الملكية لبعض بلدان أمريكا اللاتينية سنة 2004، كلها عوامل غيرت منظور وعلاقة المغرب بمنطقة أمريكا اللاتينية والكاراييب، إذ قامت مجموعة من الدول اللاتينية بسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية، لكن ومع ذلك فقد ظلت برلمانات العديد من هذه البلدان فضاء لترويج ودعم الأطروحة الانفصالية.
الدبلوماسية البرلمانية

هذه المعطيات والمتغيرات فرضت على البرلمان المغربي لعب أدواره فاعلا موازيا أساسيا من خلال دبلوماسية برلمانية طموحة تسعى إلى ترسيخ علاقات سياسية بناءة وتعزيز التقارب مع ممثلي شعوب هذه المنطقة ومؤسساتها التمثيلية.
وهكذا وقع البرلمان المغربي اتفاقية إطار للتعاون مع منتدى رؤساء برلمانات أمريكا الوسطى والكاريبي (فوبريل) في أكتوبر 2014، ثم اتفاقية انضمامه كعضو ملاحظ دائم لدى برلمان أمريكا الوسطى في يونيو 2015، ومذكرة انضمام بصفة عضو ملاحظ دائم وشريك متقدم لدى البرلمان “الأنديني”، ليتوج هذا المسار بتوقيع اتفاقية انضمام البرلمان المغربي كعضو ملاحظ لدى برلمان أمريكا اللاتينية والكاراييب (برلاتينو)، كأقدم وأهم تجمع برلماني بالمنطقة ككل.
لهذه الاعتبارات وكما قلنا في البداية، فإن توقيع الإعلان عن ولادة المنتدى البرلماني لبلدان افريقيا وأمريكا اللاتينية والكراييب، سيظل دون شك لحظة راسخة في الذاكرة الجماعية لبرلمانيي ودبلوماسيي المغرب، وكما سبق لرئيس مجلس المستشارين أن أكد في زيارة عمل لإحدى دول أمريكا الجنوبية، حيث قال ، إن تلك الزيارة رسخت لديه قناعات كبيرة مرتبطة بمدى فظاعة وشساعة ما تم تضييعه من فرص للتعاون بين المنطقتين الإفريقية والأمريكو لاتينية، جراء حسابات واعتبارات إديولوجية ضيقة، مؤكدا أن الاهتمام والأولوية التي أولاها مجلس المستشارين لمنطقة أمريكا اللاتينية تأسست على خلفية الرغبة في إرساء حوار برلماني متين، والرغبة في استثمار القيم والقواسم المشتركة من أجل مواجهة التحديات المشتركة، وقبل كل شيء الرغبة في هزم كل ما عرقل بناء شراكة استراتيجية بين المنطقتين، سواء المرتبط منها بالبعد الجغرافي، أو بالاعتبارات الإيديولوجية.
وأكد بن شماش أمام برلمانيي المنطقتين وامام أزيد من 120 برلمانيا أمريكولاتينيين أنه لديه الشجاعة الفكرية اليوم ليعترف ويقر أن منتخبي وبرلمانيي المغرب أيضا تأخروا في استدراك غيابهم عن التجمعات البرلمانية الوطنية و الجهوية والقارية بأمريكا اللاتينية، لكن ولحسن الحظ وفي سنوات قليلة ربما لا تتعدى الثلاث أو أربع سنوات، وفي مدة قليلة راكم البرلمان المغربي علاقات قوية ومتينة مع نظرائه الأمريكو لاتينيين، وأرسى حوارا متميزا بدأت ثماره ونتائجه تتضج اليوم.
بل والأكثر من ذلك، أضاف بن شماش، فإن البرلمان المغربي نجح في الربط بين قارتين وبرلمانيي المنطقتين الإفريقية والأمريكو لاتينية.
*مدير وكالة أيس بريس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض