حوار

الراجي: هناك من يريد تحويل المحاماة إلى “خبزية”

الراجي تحدث عن أزمة منظومة العدالة وإعطاء الأولوية لإصلاح القضاء وتهميش المحاماة

استعرض الحسين الراجي، رئيس نقابة المحامين بالمغرب، واقع المحاماة حاليا، والحلول الممكنة لتجاوز ما وصفه في حوار مع الصباح ب “أزمة كيف”، ويرى أن أزمة المحاماة في أي مجتمع ليست في العمق أزمة محامين، وإنما هي أزمة تصور مجتمع بكامله لمهنة يفترض فيها أنها “المراقب” لسير ولأداء العدالة. وذهب الراجي إلى أنه مهما بلغت جهود إصلاح القضاء، فإن ذلك لن يبلغ مراده دون إصلاح شامل وعميق للمنظومة برمتها، لأن العدالة وإن كانت جذورها بين جدران المحاكم، فإن أغصانها تمتد لما وراء هذه الجدران…..
أجرى الحوار: المصطفى صفر- تصوير: ( عبد الرحمن المختاري)

< يكاد المهنيون يجمعون على أن مهنة المحاماة تمر بأزمة، فما هو واقع المحاماة بالمغرب في نظركم؟
< واقع المحاماة لا يختلف عن الواقع العام، ولا يمكن أن يكون إلا انعكاسا لمحيطها، فإذا حسمنا في أن المحاماة تعيش أزمة، فهذا معناه أن العدالة برمتها تعيش أزمة، لأن المحاماة في قلب العدالة. ولا أخفيكم أنه منذ التحاقي بمهنة المحاماة، وحتى قبل التحاقي بها بداية التسعينات من القرن الماضي، وأنا أسمع عن "أزمة المحاماة" وأتابع ندوات ونقاشات ومؤتمرات كلها تناقش هذه الأزمة.

< هل هذا يخالف ما عليه الأمر اليوم؟
< حاليا يمكن أن نلاحظ أن هذا الموضوع لم يعد مقتصرا على المحامين وحدهم، بل أصبح نقاشا عموميا، ومرد ذلك بكل بساطة، أن المحاماة هي شأن عام، ويجب أن تظل كذلك، حتى وإن كان يمتهنها المحامون، فإن ذلك ليس لمصلحتهم، وإنما لمصلحة المتقاضين، لذلك فإن أزمة المحاماة في أي مجتمع ليست في العمق أزمة محامين، وإنما هي أزمة تصور مجتمع بكامله لمهنة يفترض فيها أنها "المراقب" لسير ولأداء العدالة. وبالتالي، فإن أزمة المحاماة لا يمكن أن تكون إلا مظهرا من مظاهر الأزمة العامة.

< هناك سعي لتحويل المحامي إلى موظف. لكن عكس ذلك، يلاحظ أن الخطاب الرسمي لوزارة العدل يتجه نحو تحصين المهنة برفع مستوى التكوين عبر إنشاء معهد وطني لتكوين المحامين، كما أن الخطاب الملكي لمناسبة عيد العرش، تطرق للمهن الحرة ومنها المحاماة، داعيا إلى ضرورة انفتاح هذه المهن على الخبرات والكفاءات العالمية، هل معنى هذا أن هناك رغبة في إصلاح القوانين المنظمة؟
< هذا صحيح، وهي كلها معطيات إيجابية، ولكن تنزيلها يجب أن يكون في إطار حماية مهنة المحاماة رسالة، وليست وظيفة. فالتصور الذي تقترحه وزارة العدل لمعهد تكوين المحامين، لم يعرض على المحامين وعلى إطاراتهم ومؤسساتهم، قصد إبداء وجهة نظرهم بشأنه، وهو أمر يضرب في العمق أحد المبادئ الدستورية المتعلق بالديمقراطية التشاركية. وهو ما قد يجعل الأفواج المقبلة من المحامين تخضع لتكوين خارج المكاتب المهنية، وبعيدا عن الممارسة المهنية الحقيقية، وبالتالي يحول الأجيال المقبلة من المحامين لمجرد موظفين عموميين يمارسون مهنة حرة، بعيدا عن روح وفلسفة رسالة المحاماة، وهذا أكبر خطر يهدد المهنة.
أما بخصوص ما جاء في الخطاب الملكي، فنحن لسنا ضد الانفتاح على تجارب المحاماة عبر العالم، بالعكس تماما، فهذا مطلبنا عندما نرفع شعار الالتزام بالمعايير الدولية المتعارف عليها في مجال المحاماة وفي مجال العدالة بشكل عام، لأن ذلك سيرفع من مستوى الأداء المهني للمحامين، وسيساهم في تطوير الاقتصاد، عبر بعث الثقة والارتياح في نفوس المستثمر الأجنبي، وينعكس إيجابيا على مجال الشغل. لذلك، نعتبر أن هذه التوجهات الواردة في الخطاب الملكي إيجابية، ويجب تنزيلها في سياق يراعي المعايير الدولية في مجال العدالة وحقوق الانسان، خاصة بعدما خطا المغرب خطوات مهمة جدا في مجال مصالحته سواء مع الذات بعد تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة، أو مع المنتظم الدولي بمصادقته على مجمل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

أزمة كيف
< هذا يجرنا للنقاش حول المباراة الأخيرة للولوج للمهنة والتي تميزت بإعلان نجاح ما يقارب 5000 محام جديد، ما أثار قلق شريحة واسعة من المحامين…
< أولا، أذكر بأن الأمر لا يتعلق بمباراة، وإنما بامتحان، وهذا الموضوع لايزال من النقاط الخلافية بين المحامين ووزارة العدل، على اعتبار أن المحامين يطالبون بإجراء مباراة للولوج للمهنة وليس مجرد امتحان.
ثانيا، بالفعل ولأول مرة في تاريخ المحاماة يتم الإعلان عن هذا الرقم المرتفع جدا لعدد الناجحين في امتحان الأهلية لولوج مهنة المحاماة، بحيث أن هذا العدد يمثل لوحده ثلث المحامين المسجلين بجداول هيآت المحامين بالمغرب برمتها. وهو ما أثار مخاوف المحامين، خاصة في صلب أزمة المحاماة التي نتحدث عنها، بحيث يمكن لهذا الرقم أن يساهم بشكل قوي في تعميق هذه الأزمة.
لكن مع ذلك، أقول إن أزمة مهنة المحاماة، لا تكمن في الكم، ولكنها تكمن في الكيف. بمعنى أن أزمة المحاماة لا تتعلق بتزايد عدد المحامين، ولكنها تتعلق بممارسة المهنة، وتتعلق أساسا بتصور الدولة للمحاماة. فعدد المحامين بالمغرب ليس مقلقا مهما ارتفع، والمهنة قادرة على استيعاب أفواج وأفواج أخرى من المحامين، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أننا نراكم أفواج الملتحقين بالمهنة، وبالمقابل نقلص ونضيق من نطاق عمل وتدخل المحامين.
فالمفروض أن يواكب التشريع المتعلق بممارسة مهنة المحاماة سياسة التشغيل، ومن المفروض ضمانا لبيئة سليمة لعمل هذه الأعداد من المحامين، أن تتدخل الدولة لسن قوانين توسع من مجالات اشتغالهم، وفي مقدمة ذلك إلزام الدولة نفسها بالاستعانة بخدمات المحامي أمام القضاء دون إعفائها من ذلك. كما يجب على هذه القوانين أن تفرض ثقافة التخصص، وتلزم الشركات وغيرها من المؤسسات باعتماد محامين في كل القضايا، كما هو معمول به في مختلف التشريعات. أما أن تفتح الدولة الباب على مصراعيه لولوج المهنة، ودون ضمانات لممارسة المهنة وفقا للمعايير المتعارف عليها دوليا في هذا المجال، فهذا يعني أحد الأمرين: إما أن هناك سياسة ممنهجة لتحويل المحاماة لمجرد مهنة خبزية، وإما أن القائمين على أمر المحاماة بالمغرب يجهلون دور المحاماة رسالة إنسانية، وفاعلا أساسيا في منظومة العدالة.

إصلاح القضاء وتهميش المحاماة
< من خلال حديثكم، هل يمكن أن نخلص إلى أن التطورات التي عرفتها السلطة القضائية واستقلال النيابة العامة، لم يواكبها بالمقابل تطور على مستوى تنظيم مهنة المحاماة؟
< يمكن الانتهاء لهذه الخلاصة بكل سهولة، وهذا معناه أن ما يهم القائمين على الإصلاح ، كان ولا يزال هو إصلاح القضاء وليس إصلاح منظومة العدالة ككل، والحال أنه مهما بلغت جهود إصلاح القضاء، فإن ذلك لن يبلغ مراده دون إصلاح شامل وعميق للمنظومة برمتها، لأن العدالة وإن كانت جذورها بين جدران المحاكم، فإن أغصانها تمتد لما وراء هذه الجدران. كما أن أغصان شجرة العدالة تتنفس هواء من خارج بنايات المحاكم، هواء اجتماعي وثقافي واقتصادي وسياسي. وإذا لم يتم استئصال جذور الفساد من كل هذه "الفضاءات" ، فإن العدالة مهما أصلحت، ستظل تتنفس هواء من مناخ ينزلق بها للفساد. لذلك فليست المحاماة وحدها التي يجب أن تواكب أو تستفيد من جهود إصلاح العدالة، وإنما القطاعات كلها، حتى يسهل على السلطة القضائية النهوض بمهامها الدستورية، في ظل مناخ عام ييسر ذلك.

محاربة السمسرة
< هل لنقابة المحامين بالمغرب مقترحات لتجاوز هذا الوضع؟
< بالتأكيد، فنقابة المحامين بالمغرب سبق لها أن تقدمت أثناء الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة بوثيقتين أساسيتين تختزلان تصور النقابة للإصلاح المنشود. الوثيقة الأولى تهم مقترح قانون شامل لمهنة المحاماة فصلا بفصل، وهو مقترح يراعي المعايير المتعارف عليها دوليا، وتقدم عدة حلول للأزمة التنظيمية للمهنة، وفي مقدمتها مقترح إنشاء مجلس وطني للمحاماة، في سابقة من نوعها، مما أثار معارضة شديدة من قبل جمعية هيآت المحامين بالمغرب آنذاك، مع ملاحظة أن الميثاق الصادر عن الحوار الوطني قد تبنى جوانب مهمة من هذا المقترح، وغيره من المقترحات الأخرى، التي مازلنا ننتظر أن تصاغ في إطار القانون المقبل المنظم لمهنة المحاماة، خاصة ما يهم توسيع مجال الممارسة المهنية ومحاربة السمسرة، وتأكيد استقلال المهنة ومؤسساتها المنتخبة، وتمتيع الجمعيات العمومية بسلطة تقريرية كفيلة بتحقيق المحاسبة الداخلية، فضلا عن إقرار مقاربة النوع بمناسبة الاستحقاقات المهنية.

< وماذا عن الوثيقة الثانية؟
< أما الوثيقة الثانية، فتهم تصور نقابة المحامين بالمغرب للإصلاح العميق لمنظومة العدالة، وتطرقت للجوانب العامة، الحقوقية والسياسية للإصلاح، في إطار نظرة شمولية تضع هذا الاصلاح في سياقه العام والمرتبط بالتحولات الهيكلية للمجتمع المغربي، بدءا بتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، مرورا بتجربة التناوب وانتهاء بالعهد الجديد.
وأشير بالمناسبة إلى أن نقابة المحامين بالمغرب، تعمل حاليا عبر أجهزتها واللجن التي استحدثت أخيرا على تحيين هاتين الوثيقتين وملاءمتهما مع المستجدات الوطنية والدولية في مجال العدالة، تمهيدا لرفعهما مجددا للجهات المعنية.
في سطور
– من مواليد 2 فبراير 1968
– أب لطفلة
– محام بهيأة مراكش
– رئيس نقابة المحامين بالمغرب
– له إسهامات عديدة في المجال القانوني والحقوقي
– رئيس جمعية النخيل للمرأة والطفل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق