مقالات الرأي

أبرون: مسؤولية الأوقاف والمجالس العلمية في حماية الفقه المالكي من البتر والتشويه

يعتبر الفقه المالكي الذي ينتسب للإمام مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة وعالم المدينة من أوثق ما استنبط من تعاليم الإسلام الحنيف وأحكامه السديدة عقيدة وشريعة ، عبادات ومعاملات واعتبار للكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة ، ولما يمتاز به من دقة في المنهج واعتبار لعمل التابعين الذي يعرف بعمل أهل المدينة ، وما نقلوه عن الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، فضلا عن كون الإمام مالك رحمه الله من أوائل من صنف في الحديث النبوي الشريف كتاب الموطأ ، حيث جمع بين كونه فقيها ومحدثا ، وقد طبقت شهرته الآفاق في زمانه وبعد وفاته ردحا من الزمن سافر إليه للأخذ عنه طلاب العلم من كل حدب وصوب ، وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم : ” يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ” 1 ولا يتسع المقام هنا للتعريف بمكانة ومرتبة الإمام مالك رحمه الله بين العلماء ولا لثراء مذهبه ومطابقته لتعاليم الإسلام الحنيف الذي أخذ به المغاربة منذ ظهوره وأقطار المغرب العربي ومصر والسودان ومسلمو أفريقيا وبعض دول الخليج وغيرهم ، وحيث إن حاجة الناس لعالم يرشدهم ويبين لهم تعاليم دينهم ويستنبط لهم أحكام شرعهم قائمة منذ انتهى عهد الصحابة والتابعين حيث عرف الناس المذاهب الإسلامية الأولى كالمذهب الجعفري والحنفي والأوزعي ومذهب الليث بن سعد والمالكي والشافعي والحنبلي والظاهري ، وغيرها من المذاهب السنية.
ونظرا لتعدد المذاهب الإسلامية وتنوعها فقد كتب لبعضها الظهور والانتشار ، ولبعضها الأفول والانحسار ، وكان من بين أتباع المذاهب من يحترم كل المذاهب ويقدر مجتهديها ويعمل بالمذهب الذي ارتضاه لنفسه ودينه في تسامح وتعايش مع المذاهب الأخرى ، بينما انبرت فئة أخرى تكيد للمذاهب التي تختلف مع فقهها وتحاربها ، وقد حدثنا التاريخ عن نمادج من تلك المكائد والدسائس
ويعيد التاريخ نفسه ، ولكن هذه المرة يأتي الكيد للمذهب المالكي من قوم يزعمون أنهم على المذهب المالكي ومن أتباعه ، حيث تم استقطابهم من طرف أتباع مذاهب أخرى وزعموا لهم أن بعض أحكام المذهب المالكي غير صحيحة وموهوا عليهم بدسائسهم حتى صرفوهم عن بعض أحكامه وجعلوهم يتبنون أحكام مذهب من استدرجوهم ، وليتهم اقتصروا على ذلك بل إنهم عمدوا لكتب المذهب المالكي وحذفوا منها الأحكام التي لا تتفق وهواهم ، وهي جريمة في حق المذهب المالكي ، وجريمة في حق العلوم الشرعية ، وجريمة في حق المعرفة عموما والإنسانية جمعاء ،
أذكر هنا مثالين لهذا البتر والتشويه:

المثال الأول :
فقد قامت دار الرشاد الحديثة للنشر بالدار البيضاء بنشر كتاب الدر الثمين والمورد المعين ، شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لابن عاشر المسمى بميارة الكبير للعلامة الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي رحمه الله تعالى ، في طبعتها الأولى للكتاب سنة 2011 وعمدت لحذف أبيات من منظومة ابن عاشر التي يقوم على شرحها الكتاب 2، وهي الأبيات التي تتضمن مندوبات الصلاة أي مستحباتها ، لأن فيها بيتا يقول باستحباب إرسال اليدين في الصلاة ونصه :
ردا وتسبيح السجود والركوع سدل يد تكبيره مع الشروع
وهو المستحب السابع ، وكذا بقية المندوبات التي ذكرها ابن عاشر في منظومته كما يلي:
مـنـدوبـهـا تـيـامــن مــع الــسـلام………… تأمين مـن صلى عـدا جـهـر الإمـام
وقــول ربـنـا لك الـحـمـد عـــدا……….من أم والـقـنـوت في الصبح بـدا
ردا وتسبيح السجود والـركـوع ………سـدل يـد تـكـبـيـره مع الـشـروع
وبـعـد أن يـقـوم مـن وســطــاه ……….وعــقــده الــثــلاث مــن يــمـنـاه
لدى التشهد وبسطه مــا خــلاه ………..تـحـريـك سـبـابـتـهـا حـيـن تلاه
والبطن مع فخذ رجال يبعدون ………..ومـرفـقـا مـع ركبة إذ يسجـدون
وصـفـة الجـلوس تمكيـن الـيـد ………..مـن ركـبـتـيـه في الـركـوع وزد
نصـبـهـما قـراءة الـمـأموم في ………..سـريـة وضـع الـيـديـن فـاقـتـفـي
لـدى الـسـجـود حدو أذن وكذا ……….رفـع الـيـديـن عـند الإحـرام خـذا
تـطـويـلـه صبحا وظهرا سورتين ……….تـوسـط الـعـشـا وقـصـر الباقيين
كالسورة الأخرى كـذا الوسطى اسـتـحـب…………سـبـق يـد وضعا وفي الـرفع الركب
مـنـدوبـهـا تـيـامـن مـع الـسـلام تأمين من صلى عدا جهر الإمام
وقــول ربـنـا لك الـحـمـد عـــدا من أم والـقـنـوت في الصبح بـدا
ردا وتسبيح السجود والـركـوع سـدل يـد تـكـبـيـره مع الـشـروع
وبـعـد أن يـقـوم مـن وســطــاه وعــقــده الــثــلاث مــن يــمـنـاه
لدى التشهد وبسطه مــا خــلاه تـحـريـك سـبـابـتـهـا حـيـن تلاه
والبطن مع فخذ رجال يبعدون ومـرفـقـا مـع ركبة إذ يسجـدون
وصـفـة الجـلوس تمكيـن الـيـد مـن ركـبـتـيـه في الـركـوع وزد
نصـبـهـما قـراءة الـمـأموم في سـريـة وضـع الـيـديـن فـاقـتـفـي
لـدى الـسـجـود حدو أذن وكذا رفـع الـيـديـن عـند الإحـرام خـذا
تـطـويـلـه صبحا وظهرا سورتين تـوسـط الـعـشـا وقـصـر الباقيين
كالسورة الأخرى كذا الوسطى استحب سبق يد وضعا وفي الرفع الركب

مع الإبقاء على شرحها فقط دون نصها ، حيث قال في الصفحة 282 : ” لما فرغ من ذكر السنن ـ أي ابن عاشر ، التي ذكر أبياتها نصا وشرحا ـ أعقبها بالمندوبات ، وهي الفضائل ، أولها : التيامن بالسلام ”

المثال الثاني :
كتاب شذى الناشر في شرح وأدلة فقه متن ابن عاشر ، في الفقه المالكي ، تأليف المختار بن العربي مؤمن الجزائري ثم الشنقيطي الصادر عن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت ، الطبعة الأولى سنة 2004 ،
وقد توسل المؤلف لتقديم عمله والتعريف بنفسه بتقريض من والده محمد بن محفوظ بن المختار فال التاقنيتي الشنقيطي وابني قبيلته آخران هما محمد الحسن ولد الددو ومحمد حامد الشنقيطي ، ومعلوم أن شهادة الوالد لولده لا تصح ولا يعمل بها ، كما أن القبلية في الشهادة لا تسلم من ريبة وتوجس ، وختم بتقريض من سلمان العودة الحنبلي المذهب ، فكيف يحكم في فقه هو على غير مذهبه ، خصوصا وأن الأمر يتعلق بالفقه المالكي وليس بالفقه المقارن
وبنفس المنهج المختل الذي سلكه في تقديم نفسه وكتابه تطرق لقضايا الكتاب الذي التزم فيه بشرح وبسط أدلة فقه متن ابن عاشر في الفقه المالكي ، حيث إنه عند شرحه لأبيات ابن عاشر المتعلقة بمندوبات الصلاة وانتهى للمندوب السابع المتعلق بسدل اليدين :

ردا وتسبيح السجود والركوع سدل يد تكبيره مع الشروع

حيث قال : ” سدل اليدين أي إرسالهما لجنبه في الفرض ، وفي المدونة : إن وضع اليد على الأخرى مكروه في الفرض لا في النفل ” إلى آخر ما ورد في المدونة في المسألة ، فيما لا يتعدى أربعة أسطر ، في الصفحة 162 ثم انبرى بعد ذلك لتفنيد قول مالك ومذهبه وقول ابن عاشر في سدل اليدين بإيراد مذاهب المخالفين وأدلتهم والانتصار لهم ولقبض اليدين في الصلاة والاستشهاد بالأحاديث التي يستند إليها القائلون بالقبض في نحو ثلاث صفحات قبل أن ينتقل لشرح المندوب الثامن من الصفحة 162 إلى الصفحة 164
وهو خلل منهجي وخطأ بين واضح حيث لا يجوز أن يتضمن الكتاب مواد مخالفة ومباينة لما يدل عليه عنوان الكتاب وهو شرح وأدلة فقه متن ابن عاشر وليس نقد ومعارضة فقه الإمام مالك ، والشارح متكلم باسم المشروح ومدافع عنه كالمحامي الذي يتبنى قضية يدافع عنها حيث إنه يعتبر خائنا للقضية إذا تواطأ مع خصوم من التزم بالدفاع عنه ، وذلك ما فعله صاحبنا مؤلف الشذى الناشر
ولا يعني امتعاضنا مما قام به صاحبنا مصادرة لحقه في التعبير بالنقد والاعتراض أو غير ذلك ، ولكن عليه أن يمارس حقه في ذلك في كتاب أو منشور آخر .
وهكذا يتبين مدى تنامي ظاهرة اختراق المذهب المالكي من طرف خصومه باسم شرحه وتقديمه للغير وتشويه معالمه وفقهه وتميزه ، بغية الكيد له ولأتباعه لذلك وجب التنبيه للمؤامرات والدسائس التي تدبر له والتصدي للمتآمرين والكائدين له والضرب على أيديهم وردعهم عن غيهم ، وفي طليعة المعنيين والمطالبين بحماية المذهب المالكي العلماء وألوا الأمر من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية ووزارة الثقافة ، وكل الغيورين على تعاليم الإسلام الحنيف.

الأمين أبرون :أستاذ بثانوية خديجة أم المومنين بتطوان سابقا ، دكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة عبد المالك السعدي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان ، دبلوم الدراسات العليا المعمقة في العقائد والفلسفة ، جامعة القرويين كلية أصول الدين بتطوان إجازة في أصول الدين ، جامعة القرويين ، كلية أصول الدين بتطوان

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق