fbpx
تحقيق

انتخابات اليهود … المعلن والخفي

«الصباح» تكشف كواليس المطالبة بالعودة إلى تنظيمها بعد أكثر من خمسين سنة

إنجاز: نورا الفواري

شكل إعلان الملك محمد السادس العودة إلى تنظيم انتخابات الطائفة اليهودية المقيمة بالمغرب، حدثا حقيقيا بالمغرب وبإسرائيل، حيث يقيم عدد كبير من اليهود المغاربة، خاصة أنها لم تجر منذ 1969.
الإعلان الملكي جاء استجابة للعديد من العرائض الموقعة، التي بعثها بعض أبناء الطائفة إلى الديوان الملكي، بعد أن فاض بهم الكيل، بسبب كم المشاكل والأزمات التي يعانوها، وتراكمها خلال الثلاثين سنة الماضية التي ترأس خلالها سيرج بيرديغو شؤون مجلس الجماعات اليهودية بالمغرب، والتي كان بعضهم يتداولها في الكواليس قبل أن تخرج اليوم إلى العلن.
في هذا التحقيق، محاولة لكشف الأسباب المعلنة والخفية من وراء المطالبة بانتخابات تمثيلية لليهود المغاربة، تكون نزيهة وشفافة، تقطع مع الماضي وتنظر بعين التغيير والتجديد والإصلاح، نحو المستقبل.

تفاءل عدد كبير من أبناء الطائفة اليهودية المقيمة في المغرب خيرا، بعد أن أعطى الملك محمد السادس توجيهاته إلى وزير الداخلية من أجل العودة إلى تنظيم انتخابات ممثليهم، التي لم تنظم منذ 50 سنة.
المتفائلون، اعتبروا المبادرة الملكية استجابة لمطالبهم نحو التغيير والتجديد، التي لطالما عبّروا عنها في الكواليس، وفي بعض الخرجات الصحافية النادرة، قبل أن يصل الأمر إلى توقيع عرائض موجهة مباشرة إلى الديوان الملكي.
الأقل تفاؤلا، متخوفون، من جهتهم، من أن تكون هذه الانتخابات مجرد واجهة من أجل إعادة إنتاج الوجوه نفسها وتكريس السياسات نفسها التي أدت إلى أزمة حقيقية داخل الطائفة اليهودية بالمغرب، التي أصبحت تتقلص سنة بعد أخرى، وقد تصبح قريبا في طريقها إلى الانقراض تماما.

تغيير ودمقرطة
مصدر مطلع، قال في لقاء مع “الصباح” إن القرار الملكي، رغم أنه جاء متأخرا، إلا أن اليهود المغاربة، سواء المقيمين بالمغرب، أو خارجه، يعوّلون كثيرا على هذه الانتخابات من أجل الإصلاح وتغيير الأوضاع التي ظلت على ما هي عليه، وتسير من سيئ إلى أسوأ، منذ حوالي 30 سنة، ترأس فيها سيرج بيرديغو مجلس الجماعات اليهودية بالمغرب، إضافة إلى شؤون الطائفة المقيمة بالدار البيضاء، بعد وفاة رئيسها السابق بوريس توليدانو.
المصدر نفسه أكد أن عددا كبيرا من أبناء الطائفة اليهودية، خاصة بالبيضاء، حيث أكبر تجمع لليهود بالمغرب، ضاقوا ذرعا بالرجل الذي كان موضوع العريضة التي وقعها العديدون منهم تحت عنوان “من أجل دمقرطة جماعتنا”، وانتشرت أياما قليلة قبل الإعلان الملكي عن تنظيم الانتخابات، وهي العريضة التي طالب موقعوها بإعادة النظر في تمثيليتهم من أجل “طائفة يسيرها أشخاص منتخبون، وفي خدمة الآخرين”، في إشارة مبطنة إلى بيرديغو. وأضاف المصدر: “أبناء الطائفة لديهم رغبة كبيرة في التغيير والتجديد وينظرون نحو المستقبل. ويريدون أن يقطعوا مع عهد بيرديغو، خاصة أنه كان ينوي توريث المنصب لابنه جيل، الذي لا يحظى بالثقة لأنه غير قادر على تحمل المسؤولية”.

مقاولة عائلية
عريضة أخرى، تم تداولها على نطاق واسع، جاء فيها أن 34 سنة من السلطة تؤثر لا شك على صاحبها. وأن الطائفة ليست مقاولة عائلية تنتقل فيها السلطة من الأب إلى الابن، وأن عليها أن تقطع مع ماضيها وتنظر إلى مستقبلها من أجل بلوغ هدف الإصلاح، حتى يتمكن اليهود المغاربة من مختلف أنحاء العالم من المجيء إلى المغرب أو العودة إلى وطنهم.
من جهتها، كشفت مصادر متطابقة، من بين أبناء الطائفة اليهودية المقيمة بالبيضاء، رفضت الكشف عن هويتها، أن الإعلان عن تنظيم الانتخابات جاء بعد رحلة طويلة من الصراع والحروب الخفية والمعلنة والتطاحنات بين اليهود المغاربة، الذين ظل عدد كبير منهم، يطالب منذ سنوات، بإزاحة بيرديغو وتنظيم انتخابات ديمقراطية وشفافة. يقول أحد مصادرنا، وهو على معرفة جيدة بالرجل: “العديدون طالبوه بتقديم استقالته لأنه غير متوفر ومشغول دائما ولا وقت لديه لفض النزاعات أو الاستماع إلى الشكايات”. ويضيف المصدر: “ما زلت أتذكر كيف تجرأ على طرد يهودية مسنة من بيت والدها الذي كان يكتريه على شكل معبد، لأنها كانت فقيرة ولم تتمكن من أداء السومة الكرائية الشهرية، وهي الفضيحة التي أثارت ضجة كبرى في أوساط الطائفة”.
من أين لك هذا؟
وإلى جانب الاستقالة، يطالب اليهود المغاربة أيضا بتدقيق مالية المجلس الذي يديره بيرديغو، الذي عين على رأس مجلس الجماعات اليهودية بالمغرب، في 1968 بظهير ملكي، وبالاطلاع على حساباته البنكية للتأكد من مصدر ثروته وبمحاسبته، وسؤاله “من أين لك هذا؟”.
لكن، مثلما يوجد للرجل معارضون بين صفوف الطائفة اليهودية، وما أكثرهم، لديه أيضا مريدون ومؤيدون يرون فيه أنسب شخص يمكنه أن يترأس اليهود المغاربة ويدير شؤونهم، نظرا للعديد من الميزات التي تتوفر فيه وغير موجودة في غيره، مثل علاقته الجيدة مع القصر ومعرفته بأصول البروتوكول وشبكة علاقاته القوية مع الخارج، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع اليهود عبر مختلف أنحاء العالم. يقول مصدر مقرب “رغم كل ما يقال عن بيرديغو، لا يمكن لأحد أن ينكر كل ما قام به من أجل الحفاظ على الإرث اليهودي في المغرب الذي يشكل جزءا من هوية البلد، ومبادراته من أجل إعادة ترميم المعابد اليهودية والمقابر… لقد استطاع بيرديغو أن يدبّر شؤون الطائفة بيد من حديد، منذ وفاة سلفه دافيد عمار”.

نصوص قديمة

رغم إعلان الملك محمد السادس ضرورة العودة إلى تنظيم انتخابات تمثيلية لليهود المغاربة، التي توقفت منذ حوالي خمسين سنة، وإعطاء تعليماته لوزارة الداخلية من أجل الإشراف عليها واحترام تنظيمها بشكل دوري، إلا أن لا أحد يعرف أي تفاصيل أخرى عن شكل أو كيفية الترشح إلى هذه الانتخابات التي تنظمها نصوص قديمة تعود إلى عهد الحماية الفرنسية. مصدر مطلع كشف ل “الصباح”، أن اليهود المغاربة يتطلعون إلى أن تتم إعادة النظر في الظهير المنظم (ظهير 7 ماي 1945)، خاصة أن المغرب اليوم لم يعد مستعمرا، ولديه حكومة قادرة على تدبير شؤون مواطنيه، كما أن عدد اليهود الذين لا زالوا مقيمين بالمغرب اليوم لا يتجاوز 2000، في الوقت الذي كان عددهم يقارب 300 ألف يهودي مغربي حين صدور الظهير.
المصدر نفسه، أكد أن اليهود المغاربة المقيمين بالبلد لا يريدون أن يشرف “الحرس القديم” على هذه الانتخابات، من أجل ضمان نزاهتها وشفافيتها، ويقترحون أن يعهد بالأمر إلى لجنة من الحكماء الثقاة الذين يحظون بالمصداقية، أو مثلما جاء في إحدى العرائض الموقعة “نطالب بانتخابات حرة نزيهة لا يشرف عليها أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية، والذين يريدون أن يسرقوا منا الأمل”.

“قلال قلال حنا”

علمت “الصباح” أن عدد المترشحين للانتخابات التمثيلية اليهودية، الذين في مستوى الرهان، قليل جدا. فإلى جانب سيرج بيرديغو، الذي يستبعد مصدرنا أن يرشح نفسه، يرشح العديدون اسم بابي أزنكوت، رئيس الاتحاد المغربي الإسرائيلي، الذي عرف بين أوساط اليهود بطيبته وأصالته ومعرفته بالتوراة وإصغائه للجميع. كما يبرز اسم رجل الأعمال رافاييل دوفيكو، أحد أشد المعارضين لبريديغو وسياسته في تدبير شؤون الطائفة، والذي عرف بنضاله ضد الفساد والمضاربات في عقارات اليهود، إضافة إلى ألان سينيور، صاحب الثقافة الواسعة، الذي يقيم في كندا، وجاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بمراكش، وغابرييل الحرار، الذي عرف بدفاعه المستمر عن الجالية اليهودية وعلاقته الجيدة مع المسلمين. وهو رجل متدين ومثقف، وهو من كان وراء إحدى العرائض التي تفاعل معها القصر.

المافيـا و”الحيلــوك” و”الكاشـروت”

يعاني اليهود المقيمون بالمغرب، والذين لم يتبق منهم سوى عدد قليل لا يتجاوز الألفي يهودي، العديد من المشاكل التي تراكمت مع مرور السنوات إلى أن وصلت إلى الباب المسدود. من أبرز هذه المشاكل، تقول مصادرنا، ممتلكات اليهود الذين غادروا المغرب قبل سنوات، وحين عادوا لم يجدوا شيئا بعد أن تم الاستيلاء عليها بدون وجه حق. “هناك مافيا حقيقية داخل الطائفة. هناك العديد من اليهود الذين فقدوا إرث آبائهم وأجدادهم الذين ماتوا، مقابل آخرين، كانوا نكرة، وتحولوا، بين عشية وضحاها، إلى أثرياء، دون أن يعرف أحد مصدر ثروتهم”، يؤكد ل”الصباح” مصدر موثوق.
وتضيف المصادر، بخصوص المشاكل الأخرى، “الفقراء اليهود يعانون كثيرا في المغرب. يتسلمون في الأعياد مبالغ مزرية لا تتجاوز 700 درهم، بمبرر أن الصندوق فارغ ولا مال فيه، رغم أن العديد من التبرعات المهمة تأتي من يهود الخارج. هناك أيضا الحيلوك (الأجرة الشهرية التي يتسلمها فقراء الطائفة)، الذي يبدأ من 1200 درهم ولا يتجاوز 3500 درهم، وهي مبالغ لا تكاد تلبي جميع الاحتياجات. لم يحصل الفقراء والمحتاجون من يهود المغرب على أي مساعدة مادية هامة منذ أكثر من 20 سنة تقريبا، وهي المساعدة التي يحصل عليها الأصدقاء والمقربون فقط. كيف يقولون لنا إنه لا يوجد مال في الصندوق في حين أن الإرث العقاري ضخم جدا؟ ماذا فعلوا بأموال الممتلكات التي باعوها في السر؟”.
هناك أيضا الوضعية الكارثية التي توجد عليها المقابر اليهودية. يقول مصدرنا “المقابر أصبحت مهجورة. وحراسها يعيشون أوضاعا مؤلمة. إنهم يتقاضون أجرة لا تتجاوز 200 درهما في الشهر”.
أما الشكوك حول “الكاشروت” فحدث ولا حرج. لقد أصبح اللحم الحلال غير مضمون بتاتا في بعض المجازر اليهودية التي أصبحت تعد أصلا على رؤوس الأصابع، رغم مدى أهمية عنصر “الكاشير” في الحياة اليهودية. يقول مصدرنا نفسه “الكاشروت عامل أساسي في جلب السياحة الدينية إلى المغرب لأنه عنصر أساسي في الديانة اليهودية، وإذا كان مشكوكا في أمره، أو بدأ يتضاءل، فالأكيد أن من تبقى من اليهود بالمغرب سيهاجر أيضا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى