تحقيق

سموم على موائد المستهلك

أطنان من المواد الغذائية تصنع من إضافات ممنوعة ومكونات معدلة وراثيا خارج مسارات أجهزة الرقابة الصحية

تطور وعي المغاربة تجاه ما يأكلونه بتغير نمط استهلاكهم العام، وتعدد وتنوع عروض الأسواق من المواد الغذائية، بظهور المساحات التجارية الكبرى، التي لم تكتف بتسويق المنتوجات المحلية، وإنما تعدتها إلى السلع المستوردة، ما حفز الطلب على المعلبات والأطعمة الجاهزة. رقائق البطاطس والتونة واللحوم المجففة والشكولاطة وغيرها، سرعان ما سلبت ألباب المستهلكين، لسهولة تناولها في أي مكان، وتحت أي ظرف، بما يتماشى مع سرعة الحياة اليومية.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

معرفة المستهلكين بما يأكلوه لم ترق إلى ثقافة الاستهلاك الأوربية أو الأمريكية، فما زالوا بعيدين عن مرحلة التدقيق في عنونة المنتوجات التي يقتنوها، أو التحقق من مكوناتها، وطبيعة المواد التي صنعت منها، في ظل تنامي استخدام مواد حافظة مسرطنة وأخرى معدلة وراثيا في الصناعات الغذائية، ما حول بعض الأطعمة إلى سموم على موائد المغاربة، لا يدركون مخاطرها إلا بعد فوات الأوان.

ومن خلال التحقيق التالي، تحاول «الصباح» تسليط الضوء على قاتل صامت يتربص بالمستهلك، والإجابة عن أسئلة حول حقيقة وجود أغذية ممنوعة دوليا بسبب مخاطرها الصحية في رفوف متاجر مغربية؟ ومدى استخدام مصنعين محليين لإضافات خطيرة في تصنيع منتوجاتهم من المواد الغذائية؟ وكذا البحث في أسرار رواج منتوجات معدلة وراثيا في الأسواق؟.

غزو الأسواق

البحث عن السموم في الغذاء مثل البحث عن إبرة في كومة قش، بحضور المنكهات والملح والسكر وغيرها من المدخلات، التي تغري المستهلكين وتجذبهم إلى اقتناء هذا المنتوج أو ذاك، هذا رأي محمد نوالي، الطبيب المتخصص في التغذية والتخسيس، موضحا أن الصناعات الغذائية العالمية أصبحت تنتج ملايين العلامات المختلفة من الأغذية، بتزايد الطلب على المعلبات والمنتوجات سريعة التحضير والاستهلاك، مؤكدا أنها اغلبها لا يخلو من خطورة بوجود مواد حافظة وإضافات غذائية، وكذا مكونات أولية، معدة من مواد معدلة وراثيا.

اختارت «الصباح» المتاجر والمساحات الكبرى نقطة لبدء تحقيقها حول السموم الواردة على طاولات المغاربة، قبل أن تتوه في بحر «الماركات» الوطنية والعالمية، التي ما فتئت تغزو السوق خلال السنوات الأخيرة. يتعلق الأمر بمنتوجات مصنعة محليا، وأخرى مستوردة عبر وسطاء ووكلاء معتمدين، قبل أن تتحصل “الصباح” على معطيات خطيرة من مصدر مهني، أكد قفز منتوجات خام وجاهزة «معلبة»، مصنعة بالصوجا والذرة من منشأ أمريكي، تضمنت مواد معدلة وراثيا، وقفزت على مساطر المراقبة الخاصة بالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتوجات الغذائية «أونسا»، بسبب عدم توفرها على التجهيزات التقنية اللازمة، مشددا على أن أجهزة المراقبة الأوربية النظيرة، تواجه صعوبة في ضبط المواد المذكورة ضمن وارداتها.

مضافات مسرطنة

يتحدث المصدر المهني، عن قصور في المراقبة أيضا، عندما يتعلق الأمر بتعقب المنتوجات الغذائية المسوقة محليا، من خلال التحقق مما تحمله من إضافات، خصوصا تلك الواردة في القوائم السوداء لمنظمة الصحة العالمية، والممنوع استخدامها، لما تشكله من خطر على صحة الإنسان، باعتبار ارتباطها بحالات تسمم وإصابات بأنواع سرطانات فتاكة، علما أنه ليست جميع الإضافات والملونات، المستخدمة في تصنيع أغذية بالدرجة نفسها من الخطورة، إذ بعضها غير مضر بشكل تام.

ولا يولي المستهلكون أي أهمية لمكونات المواد التي يقتنونها من المتاجر في أغلب الأحيان، وفق ما عاينته «الصباح» خلال رصدها لعادات التسوق بأحد المتاجر الكبرى في البيضاء، إذ يظل السعر الفيصل في اختياراتهم لما سيتناولونه من مواد أولية. ولا تتوانى شركات المواد الغذائية في تقديم منتوجات على أنها لا تتضمن مواد دسمة أو أن السعرات الحرارية بها منخفضة، وذلك في غياب أي ضوابط ومعايير تصنيف مدققة. ورغم إصدار مرسوم أعده المكتب الوطني للسلامة الصحية للمواد الغذائية حول العنونة (لائحة المواد المكونة للمنتوج)، فإن ذلك لم يمنع من استمرار التجاوزات وعدم احترام مقتضيات المرسوم. الذي يضع ضوابط جديدة ومعايير مدققة حول عنونة المنتوجات الداخلية ومواصفاتها.

وسمحت هذه الثغرات بتسلل مواد مضرة إلى موائد المغاربة، على رأسها مادة «تارترازين»، الموجودة في منتوج «الخرقوم»، الذي يستخدم لتلوين بعض وصفات الطبخ التقليدية، وفق ما أكده الدكتور بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، موضحا أن المادة التي يرمز لها بـ (E102)، مستخرجة من قطران الفحم، وتسبب الحساسية والربو، والسرطان.

وتتوالى قائمة المضافات الخطيرة، لتشمل «سن ست» (E110)، وهي مادة ملونة تسبب الربو والفشل الكلوي وآلام البطن والسرطان، إضافة إلى مادتي «أمارانث» (E123) و»اللورا ريد» (AC E129) المسرطنتين، والممنوعتين في أمريكا وروسيا والنرويج والنمسا، ناهيك عن مادة «برثروسين» التي يرمز لها بـ(E127)، وهي ملون يضاف إلى عدد من الأطعمة والأغذية، مثل البسكويت والحلويات والفواكه المعلبة، خصوصا عندما يكون لون الكرز هو المطلوب، إذ تسبب لبعض الأشخاص تفاعلات حساسة تشبه الربو.

ولا تقل مادة (خضراء S)، التي يرمز لها بـ(E142) خطورة، حسب الفاعل الجمعوي، فهي عبارة عن مضاف غذائي مصنع بلون أزرق مخضر، ويستخدم في تصنيع المربى والأغذية المعلبة، خصوصا الفاصولياء، إذ ترتبط بعدد كبير من السرطانات، التي أصابت مستهلكين خلال السنوات الماضية.

“لايت”… الكذبة الكبرى

ترتبط علامة «لايت»، التي عاينتها «الصباح» في مجموعة من المنتوجات، خلال جولة بمتاجر كبرى في البيضاء، بنسبة لا تتجاوز 30 % من السكريات والدهون في المنتوج، وهي النسبة التي دفعت كبار المصنعين إلى ابتكار بدائل للسكر الطبيعي والمصنع، يتعلق الأمر بمحليات صناعية متنوعة، أشهرها مادة «لاسبرتام» الكيميائية، التي لا يتعرف الدماغ عليها باعتبارها من المحليات، إلا أن لها التأثير نفسه على الجسم، علما أن هذه المادة تعتبر مسرطنة، حسب الدراسات والتقارير الدولة المنجزة حولها، وتستخدم بشكل كبير في تصنيع المشروبات الغازية والعصائر التي تحمل علامة «لايت»، في الوقت الذي تشير عنونة المنتوج إلى مدخلات التصنيع بالتفصيل.

وفي هذا الشأن، يؤكد بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، أن هناك خلطا شائعا بين المنتوجات الطبيعية والبيولوجية والخفيفية «لايت»، موضحا أن كل منتوج يتميز بخصائص فريدة عن الآخر، إلا أن التعرف على أي منتوج يرتبط بقاعدة عامة هي العنونة، التي تطورت بشكل كبير في أوربا والدول المتقدمة، التي انتقلت إلى مرحلة «العنونة الملونة»، لمواجهة صعوبة استقراء المكونات والمخلات الموظفة في تصنيع المنتوجات، في الوقت الذي تشوب تنفيذ المرسوم المتعلق بالعنونة بالمغرب، ضمن القانون 07- 28، الخاص بالسلامة الصحية للمنتوجات الغذائية، مجموعة من التعقيدات العملية.

المنتوجات المقلدة… ثغرات الاستيراد

تشكل المنتوجات المقلدة خطرا كبيرا على صحة المستهلكين، لاحتوائها بشكل مهم على المضافات الممنوعة والمواد المعدلة وراثيا، إذ تصنع في ظروف غير مهنية، ومن مكونات مجهولة المصدر. ونبه موزعو المنتوجات الغذائية، وفق معلومات حصلت عليها “الصباح”، إلى مجموعة من الثغرات المسطرية، التي تفتح المجال أمام تطور رواج المنتوجات الغذائية المقلدة، يتعلق الأمر بغياب نظام للتتبع بالنسبة إلى المواد الغذائية المصنعة محليا، ذلك أنه يتم ترويج مجموعة من المنتوجات المخالفة لمعايير السلامة الصحية في الأسواق ونقط البيع المعروفة (درب غلف مثلا)، وكذا المساحات التجارية الكبرى، دون معرفة مصدرها، بخلاف المنتوجات المستوردة بشكل قانوني، التي تتشدد السلطات حول عنونتها ومنشأها.

ودق موزعو مواد استهلاكية، ناقوس الخطر حول ثغرات الاستيراد، ذلك أن الإدارة العامة للجمارك لا تعترف بالحقوق الحصرية التجارية لتسويق بعض المنتوجات في المغرب، فتسمح لمستورد آخر بعرض العلامة نفسها وبيع المنتوج ذاته في السوق، ما يضر بتنافسية القطاع، وفسح المجال أمام رواج المنتوجات المقلدة، علما أن المنتوجات الغذائية ومستحضرات التجميل، أصبحت مجال تركز ظاهرة التقليد، التي أصبحت تمثل بين 0.7 % و1.3 من الناتج الداخلي الخام، وفق دراسة أنجزت من قبل اللجنة الوطنية للملكية الصناعية ومحاربة التزييف، أي بين ستة ملايير درهم و12 مليارا.

اللحوم المحولة… قنابل موقوتة

بعيدا عن المعلبات، تظل اللحوم مصدر خطر بالنسبة إلى المستهلكين المغاربة، خصوصا الحمراء منها، ذلك أن معايير الجودة الخاصة بمنتوجات اللحوم الحمراء المصنعة، مرتبطة بخصائص المنتوج الطبيعية والكيميائية والميكروبيولوجية، من شكل ولون وطعم، وكذا رائحة ونكهة، إذ يجب أن تتوفر في اللحم الخام المستخدم في تحويل اللحوم، وصناعة «الكاشير» والنقانق «صوصيص»، حسب ما أكده حسن المعروفي، طبيب مختص في التحليل البيولوجي للأغذية، لـ»الصباح»، مجموعة من الشروط، أهمه أن يكون اللحم مصدره حيوانات سليمة خالية من الأمراض، وكذا علامات الفساد والروائح والمواد الغريبة، إلى جانب عدم احتواء اللحم على أنسجة مخاطية، أو أعضاء الجهاز التناسلي، أو الضرع، أو الرئة، أو المرئ، كما يشترط أيضا، أن تكون المواد غير اللحمية، المستخدمة في إعداد المنتوج، مطابقة للمواصفات القياسية الخاصة بكل منها، إضافة إلى مراعاة ظروف النظافة والتعقيم في جميع الأدوات و الأجهزة المستخدمة في تصنيع المنتج، وأن تتم عملية الإنتاج في درجة حرارة مناسبة.

وبما أن القانون رقم 07 28- المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، يثبت المسؤولية المباشرة للمنتج عن تسويق المنتوجات الفاسدة، ذلك أن عمليات المراقبة التي يجريها «أونسا» لوحدات التصنيع، مهما كان عددها أو قوة تركيزها، فإنها تظل قاصرة عن حماية المستهلك بشكل كامل، ذلك أن القطاع غير المهيكل يستحوذ على حصة مهمة في مجال تصنيع اللحوم، إلى جانب المهربات من منتوجات اللحوم المحولة، المسوقة في السوق على نطاق واسع، خصوصا خلال فترات ذروة الاستهلاك، ويتعلق الأمر تحديدا، بالنقانق، التي تم تحضيرها من قبل الجزارين ومحلات بيع الوجبات الجاهزة، في خرق للقانون المذكور، إذ لا تخضع عملية التصنيع هنا للمراقبة، وبالتالي يظل الباب مفتوحا أمام التلاعب بنسب الإضافات المشار إليها في المنتوج النهائي، ما يجعل هذه المواد مسرطنة على نحو كبير، خصوصا إذا تمت زيادة نسبة «النتريت».

اختلالات المراقبة

كشف مصدر مهني عن خرق مصنعين محليين لنسب استخدام إضافات واستغلال أخرى ممنوعة في إنتاج مواد غذائية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواد المعدلة وراثيا، المرتبط استهلاكها بمجموعة من الأمراض الخطيرة، على رأسها أنواع السرطانات، موضحا أن شركات لتصنيع الأغذية تستورد بشكل مستمر موادا أولية معدلة وراثيا، خصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تتقيد بالنسب المفروضة من قبل منظمة الصحة العالمية في هذا الباب.

ويصادق الدكتور بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، على هذه المعلومات، من خلال التأكيد على وجود دورية لوزير الفلاحة والصيد البحري، صدرت في أواخر التسعينات، تمنع استيراد المواد المعدلة جينيا، موضحا أنها تظل دورية ولا ترقى إلى قوة قانون، منبها إلى أن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتوجات الغذائية لا يتوفر على الموارد البشرية اللازمة لإنجاز مهام المراقبة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التجهيزات التقنية.

وأثبتت دراسات طبية مختلفة أن المركبات الكيماوية أو العضوية التي تتعرض لها المواد الغذائية المعدلة وراثيا، تحتوي على درجات سمية عالية، وهي تعلق لفترة طويلة في التربة والماء والهواء، لتتجمع في نهاية المطاف في جسم الإنسان، وأن التداخل التقني الجيني لبعض الأنواع من الأغذية عن طريق التداخل الوراثي، من شأنه أن يحدث تغييرات جذرية في طبيعة تلك الأغذية، ما يؤدي إلى تغيرات أو طفرات وراثية في المادة الوراثية (dna) المسببة لمعظم الأورام السرطانية، خصوصا في المعدة والقولون،

إضافة إلى تأثيرها على النسل من جهة أخرى، وهو ما ظهر جليا خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ تراجعت نسبة الخصوبة عالمياً بنسبة وصلت إلى 25 %.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق