fbpx
حوار

بلكبير: حكومة العثماني عرجاء

المثقف اليساري قال إن شعبية الإسلاميين تتراجع واليسار انعزل شعبيا

أكد عبد الصمد بلكبير، المثقف اليساري أن تراجع شعبية الإسلاميين في المغرب وخارجه أمر مؤكد ومدبر، غير أنه لن يقرر في مصيرهم الانتخابي. واستبعد بلكبير في حوار مع “الصباح” أن يتمخض تراجع شعبية العدالة والتنمية عن انقلاب في الخريطة السياسية والانتخابية، مؤكدا أن اليسار أضاع الذاكرة الوطنية النضالية والبوصلة النظرية والثقافية، فانعزل شعبيا، وأضحى بدون لسان ولا فعل. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني

< ما هي مسؤولية الدولة والأحزاب في الوضع الذي يوجد عليه اليوم المشهد السياسي؟
< ما تسمونه "المشهد السياسي" في مغرب اليوم، هو في غاية من الالتباس والغموض، وهو أيضا حالة شبه مزمنة وليست طارئة. وتعود جذوره القريبة على الأقل إلى ما يسمى "زورا" بالربيع العربي المدبر في أكثره خارجيا، وذلك بقصد نشر "الفوضى العارمة" الأمريكية، أو ما يوصف أيضا بالجيل الرابع للحروب المعاصرة، حيث يوظف المجتمع ضدا على إدارة دولته، والمجتمع (الضحايا) ضدا على المجتمع (الرأسمالي المنتج)، والضحايا ضد الضحايا (قبليا، جهويا، لغويا…) وحيث الاستعمار يتدخل بالتمويل والتوجيه والإعلام والتحريض… خاصة من خلال أفراد أو جمعيات توصف بأنها مدنية (إنسانية، تنموية، حقوقية…)، وما هي كذلك.

بعد فشلهم الذريع في الجزائر، كانت محاولتهم الثانية الأهم في المغرب العربي، في أكديم إزيك، وانتهت بالفشل كذلك، ثم أطلق الجني من قمقمه في الساحات العربية المعروفة ومنها المغربية، وانتهت هنا بتوافق بين الإمبرياليتين الأمريكية والفرنسية، وتولد عن ذلك دستور ممنوح وهجين، يستجيب لمطالب "الجميع" عدا مطالب ومصير الوطن.

< لكن نتائج الانتخابات أكدت فوز الإسلاميين وتراجع باقي القوى؟
< جاءت نتائج الانتخابات موضوعية عموما، ومستجيبة خصوصا للمطالب الأمريكية، فلم ترض فرنسا ولا الإمارات ورهانهما الحزبي المحلي، واختلط الحابل بالنابل، وتكرست الفوضى المقصودة والمطلوبة أصلا وفرعا. وتخوف الأسياد القدامى على مصالحهم ومصائرهم، وكذلك الدولة الحامية (فرنسا)، ولم تعد الإدارة تقتصر على اصطناع أحزاب ونقابات وجمعيات… أو اختراق الوطنية منها بالعيون والآذان… بل بالإنزال كذلك، فضعف الطالب والمطلوب، واستوى الماء والخشبة، وحصل المحظور "الفوضى الوطنية العارمة"، ما عدا الإدارة (الأمنية والترابية خاصة)، حيث ضاعفت من تماسكها الداخلي، وذلك بمضاعفة حسها الأمني ومركزية القرارات، وشخصنة أكثر للسلطة والحكم.

إن المسؤول الأول إذن وقبل إدارة الدولة عن الوضع الراهن، هو الأزمة العامة والعميقة للرأسمالية العالمية وبنوكها وأسواقها المركزية، وانعكاس ذلك على أتباعها من المجتمعات والدول.
أما الأحزاب والنقابات، فهي في عمومها ضحية تدخلات واختراقات ومضايقات، خاصة من قبل ما يسمى، زورا في الغالب، جمعيات ورموز المجتمع المدني، أو الجمعيات غير الحكومية الممولة والمؤطرة والموجهة من الخارج.

بدائل الإسلاميين لا برامج لديهم

< تواجه الأغلبية مشكل الانسجام، ما علاقة ذلك برهانات انتخابات 2021؟ وهل يمكن الحديث عن بداية تراجع الإسلاميين؟
< الإسلاميون في المغرب وخارجه يتراجعون في شعبيتهم، هذا أمر مؤكد ومدبر، غير أنه لن يقرر في مصيرهم الانتخابي، ذلك لأن بدائلهم لا برامج لديها غير إستراتيجية الاستعمار الجديد وفوضاه العارمة وتفكيكاته للكيانات الوطنية القائمة على علاتها.

أما بالنسبة إلى العدالة والتنمية خاصة، فأتصور سبب ذلك في استعجاله صدور "دستور" ممنوح وكثير الثغرات، لا حصر لألغامه ومطباته، وافتقاده التنصيص على مبدأ "الجرح والتعديل" في الترشيحات الانتخابية والوظائف السامية والقضاء، مع أن تطبيقهم الحزبي الداخلي له، يعتبر من أهم أسباب مِنعتهم وتماسكهم تنظيما ونفوذهم شعبيا.
كما يسجل التهاون في محاصرة المخترقين للتنظيم على مستوى قيادته الوطنية، وذلك من قبلهم بوهم تطمين الأخصام في الإدارة والخارج (فرنسا خاصة)، وعدم الانفتاح في الترشيحات الانتخابية على ديمقراطيين مغاربة من خارج الحزب، وبإيديولوجيات غير إسلامية، خلاف أشقائهم الأتراك وقبلهم إخوان مصر.

إنني لا أتصور انقلابا في الخريطة السياسية والانتخابية، ذلك لأن البعد النفعي فضلاً عن المبدئي بالنسبة إلى الموقف الشعبي، سيستمر المواطنون في دعمهم والرهان عليهم، ليس حبا فيهم دائما، وإنما أيضا خوفا من عواقب حكم بدائلهم المطروحة فعليا في الميدان السياسي – الاجتماعي والثقافي المغربي.

فدرالية اليسار مخترقة

< يعاني المشهد الحزبي الضعف والبلقنة، وغياب التقاطب الواضح. ما هو تشخيصك اليوم لواقع القوى الديمقراطية؟
< التعددية الحزبية في المغرب لم تصل بعد درجة البلقنة، وثمة احتياطات جدية في القانون على هذا الصعيد، أما أنها ضعيفة بل ومصطنعة في العديد منها، ومخترقة في عمومها، فهذا مؤكد ومؤسف، رغم الدعم المالي للإدارة، وربما بواسطته أيضا، أما غير المخترقة منها، فهي محاصرة ومحاربة ومستهدفة بالتشقيق والإضعاف، أو هي مهمشة ومعزولة عن الحياة العامة السياسية (أحيانا بسبب خطها السياسي العدمي وطنيا).

أما التقاطب، فهو موجود وممارس على صعيدين، الأول حكومي، وهو غير طوعي، مبتسر ومصطنع قهرا، ومستضعف من قبل إدارة خفية، هي عبارة عن تحالف فرنكوفوني مصلحي وأمني.
والثاني يتمثل في فدرالية اليسار، وهي مخترقة في مكوناتها الحزبية، تراوح مكانها بسبب فقرها النظري المدقع وأخطائها السياسية القاتلة، خاصة في الموقف البئيس أو حتى المتواطئ موضوعيا مع العدوان الإرهابي، الذي تعرضت وتتعرض له الأمة في سوريا خاصة، (وليبيا قبلها)، وتقاعسهم عن جميع معارك النضال المصيرية للشعب المغربي، خاصة منها القومية (فلسطين) والهوياتية (الحرب ضد الأسرة واللغة العربية). لقد أضاع اليسار المغربي الذاكرة الوطنية النضالية والبوصلة النظرية والثقافية، فانعزل شعبيا، وأضحى بدون لسان ولا فعل، ضائعا في تحالفات لا علاقة لها بأهدافه الأصلية ولا بإستراتيجيته الاشتراكية.

الخوصصة خيار اضطراري

< ما رأيك في لجوء حكومة العثماني إلى الخوصصة ؟
< لطالما اضطر الاشتراكيون، فضلا عن الرأسماليين في العالم المعاصر إلى خوصصة بعض المؤسسات، لاحظنا ذلك في أوربا غير ما مرة، كما في مغرب حكومة الانتقال التوافقي (اليوسفي)، والتضحية بالجزء قد يكون ضرورياً من أجل إنقاذ الكل.

إن العدالة والتنمية ليس حزبا اشتراكيا أصلاً، وهو إصلاحي بالكاد، والمطلوب منه فقط وأساسا، أن يكون وطنيا وأن يكون ديمقراطيا، ولا يفرط في القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية التي تقوم عليها إدارات الدولة واستقلالها وسيادتها النسبيين. وللإنصاف، فإنه ليس لدي معلومات حول الموضوع، هل هو اختيار حكومي أم اضطرار، وضغط خارجي عليها، وربما على المغرب.

إن الأصوات المرتفعة أو الهامسة أو المشوشة التي تطالب بوقف التجربة، وحل مؤسساتها جميعا، بما في ذلك الحزبية هي في الشرط الوطني الراهن، أصوات رجعية تشتغل ضمنيا (وأحيانا صراحة) ضمن إستراتيجية الاستعمار الجديد، المأزوم الفوضوي والمتوحش.

< باتت قوى اليسار عاجزة بسبب الخلافات العميقة التي تسائل المشروع برمته. ما هو تشخيصك لواقع أحزاب اليسار ؟
< سؤال اليسار، وعيا وثقافة وحركة في المغرب وعلى الصعيد العالمي… سؤال مطروح جدا وبإلحاح، دواعيه متعددة، ليس أهونها، ما تعرض له من قمع وتشقيق واختراق وتشويش مدبر… وكان ذلك شرطا لازما لمرور أعداء الاشتراكية بل والديمقراطية، نحو مرحلة التوحش ونشر الحروب وإشاعة الفوضى في العالم. والمغرب ليس استثناء على هذا الصعيد، فقد تعرض المصطلح والمفهوم لدرجات عالية من التمييع والابتذال، فاختلط الليبرالي باليسارى، والاشتراكية بالشعبوية والوطنية بالعولمية والنضال بالفوضى، واستعيض عن النظر العلمي بالعفوية والتجريبية.

لا وجود في المغرب عموما، ليسار (أقصد الاشتراكي) إلا على مستوى أفراد منبتين متفرقين، أو ملتزمين تنظيميا في أحزاب ونقابات وجمعيات مدنية. ومصيرهم لذلك، وهم خارج حزب يساري كبير، يحميهم فكريا وسياسيا وأخلاقياً، ويؤطرهم، وينظم فعلهم، ويرفع أصواتهم، ويغني ثقافتهم ويوحد تاكتيكاتهم، وينقذهم من أخطار الانحراف النظري والسلوكي… هو التسيب والتيه.

إعادة بناء اليسار الجديد

إن الجواب المركزي عن سؤال ما العمل، وطنيا ومغاربيا وعربيا، هو إعادة تأسيس وبناء حزب اليسار الجديد، باعتباره الجواب الوحيد والمطلوب والتاريخي عن مآسي الحاضر الاجتماعية والسياسية، وأخطار الاستعمار الجديد فيه أمل الكادحين وعموم الشعوب في التقدم والديمقراطية والوحدة والاستقلال الوطني والسيادة القومية والإنسانية. ولعله للمناسبة، سيكون مفيدا للتنظيمات اليسارية أن تتخلص أولا من المندسين في أوساطها، ليبراليين وقعدة يائسين ومثبطين وذوي الإستراتيجيات الشخصية.

الربـيـع الثـانـي على الأبـواب

< تواجه حكومة العثماني تفاقم المديونية. ما هي مخاطر سياسة الخوصصة في ارتباطها بفشل الحوار الاجتماعي؟
< أسميتها حكومة العثماني، وهي كذلك فعلا، لا حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية، كما كان الوضع بالنسبة إلى سابقتها، والتي تعتبر سابقة في تاريخ المغرب الراهن، بل والعرب عموما، وذلك خاصة من حيث قيادتها من قبل رئيس حكومة، وليس وزيرا أول وحسب.

إذن، فهذه حكومة الإنقاذ والضرورة، بالنسبة إلى جميع الأطراف، ذلك لأن أي خيار آخر، كان سيفجر الوضع الخاص الحزبي أو العام الوطني، يجهض الرهان ويفضي بالمغرب نحو المجهول، خاصة وتربص "الربيع" الثاني على الأبواب ببرامجه وبأدواته الماكرة.

هي حكومة عرجاء منذ المنطلق، تأسست رغم خصوم الديمقراطية وأعدائها في الداخل والخارج، وعلى حساب تماسك وحدة الحزب القائد، وبعد شهور من العراقيل والطعن في القيم والقواعد الديمقراطية، وتبخيسها ، وهو الأمر الذي انعكس على جميع المستويات، بما في ذلك الاستثمارية منها فضلا عن الاحتقان الاجتماعي والجهوي.
ولا حاجة للتذكير بشروط تشكيلها والابتزازات التي تعرض لها "رئيسها"، ثم الإقالات المصطنعة لستة من وزرائها، وتعيين البعض الآخر ممن ليس عليهم رضى الحزب القائد للحكومة، وربما حتى رئيسها نفسه.

< لكن كيف ترى وضع البلاد في ظل مؤشرات الأزمة الحالية؟
< إنني لا أتصور الوضع بدرجة السوء التي يتم ترويجها، خاصة أن الأغلبية الساحقة في الأنظمة الرأسمالية في العالم تعاني مما هو أسوأ أحيانا، بما في ذلك مراكزها الصناعية والمالية المقررة، وذلك باستثناء مؤقت لأمريكا، التي صدرت أزمتها لحلفائها وللأتباع.

في المقابل، فإن إرادة الاستعمار الجديد، في تعميم الفتنة والفوضى ضدا على الاستقرار، لم تنجح لدينا حتى اليوم، رغم المحاولات، وأيضا، فإن أهدافهم الأخطر في فرض خوصصة القطاعات الأكثر حيوية وإستراتيجية، لم تقع الاستجابة لها، والمقصود من ذلك خاصة الفوسفاط والطرق السيارة والسكك الحديدية وخطوط الطيران… الخ، وذلك سبيلا للمساهمة في إخراجهم من أزماتهم المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

أما مطالب المؤسسات المالية الاستعمارية الدولية منها، فهي معروفة وذلك حول تحرير السوق وحقيقة الأسعار، ورفع الدعم (عن الغاز خصوصا)، وإلغاء الصناديق الاجتماعية… فهؤلاء أيضا غير راضين عن الحكومة الحالية، وذلك رغم علاتها تأسيسا وتحالفات ومسارا في حقول الألغام وأجواء المطبات والمؤامرات.

في سطور
كاتب وسياسي
أستاذ جامعي متقاعد
من مواليد مراكش عام 1947.
قيادي سابق في منظمة العمل
عضو مجلس النواب باسم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي 1993-1997
مستشار للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي في حكومة التناوب التوافقي.
عضو سابق في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المندمج في الاتحاد الاشتراكي
له حضور في الساحة الثقافية والفكرية
أسس جريدة "الجامعة" التي وصلت مبيعاتها إلى 100 ألف نسخة.
ساهم في تأسيس عدة منابر ثقافية منها أسبوعية "أنوال الثقافي" ومجلة "عيون المقالات".
مدير مجلة "الملتقى" التي صدر منها أكثر من 30 عددا.
ساهم في تأسيس المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى