تحقيق

بنـي مـلال تغـرق

عشوائية التسيير ومشاريع مشوهة ومديونية ثقيلة وجبايات معلقة

الداخل إلى المدينة من جهة مراكش، يضطر إلى تخفيف السرعة، ليس بسبب حفر أو مطبات، ولكن لوجود طابور سيارات تنتظر المرور في السد القضائي الثابت المنصوب هناك. البطء الذي يميز مدخل المدينة بالنسبة إلى السيارات، هو نفسه الذي يميز مختلف أوراش ومشاريع بلدية بني ملال، بل ويتعداه إلى مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

رغم أن بني ملال قفزت إعلاميا إلى الواجهة في سنة 2014، إثر زيارة الملك محمد السادس للمدينة، وإشرافه على تدشين المطار الجديد، الذي اندرج في إطار الجهود التي يبذلها جلالته لفك العزلة وتحسين الولوج إلى المدينة والجهة ككل، لتمكينها من تنمية شاملة ومستدامة، عبر تطوير الحركة الاقتصادية والسياحية، إلا أن بني ملال، أبت أن تساير الآفاق التي رسمت لها، وبدت جل المشاريع المنجزة مشوهة.

أكثر من ذلك لم يفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى ما تتعرض له من اختلالات وسوء تدبير، فجل المشاريع مشوهة وبعضها افتتح ولم تعط ما رجي منه أو توقفت، فتراجعت السياحة وجل القطاعات.

عين أسردون وجمال الطبيعة وهدوء المدينة، كل هذه الثروات الجذابة لم يواكبها برنامج طموح لاستغلال إمكاناتها البشرية والمجالية، فحسب إحصاء 2014، عدد السكان يبلغ 192 ألف نسمة و676، كما أن المدينة لم تطور نفسها حتى ترتبط أكثر بمحورها الغني، إذ تحدها من الجنوب الشرقي الرشيدية، ومن الشمال الشرقي خنيفرة ومن الشمال الغربي خريبكة ومن الجنوب الغربي قلعة السراغنة.

حملة الوالي

كانت أولى الملاحظات التي أثارت انتباه الوالي الجديد لبني ملال، احتلال الشوارع من قبل الباعة المتجولين ومنع المرور من أهمها، بسبب العربات والسلع المفروشة، ليس فقط على الجنبات، بل حتى في وسط هذه الطرق التي كلفت الملايير، ما يسبب معاناة ليس بالنسبة إلى الراكبين فقط، بل حتى الراجلين. وانطلقت السلطات بأمر من الوالي في حملات لتحرير هذه الشوارع، لتبدأ في شتنبر الماضي بشارع الرباط، في ما يشبه لعبة القط والفأر، إذ سرعان ما تعود العربات إلى مكانها رغم التهديدات والتدخلات الأخيرة.

عين أسردون

عين أسردون التي أنفق على تأهيلها غلاف مالي مهم، تحولت إلى محمية للباعة القارين، وليس المتجولين، فالساحات المبلطة التهمتها السلع واللعب وبائعو المأكولات، وبدت العين تبكي حالها، بسبب الترييف الذي لحقها، رغم أنها قبلة مشهورة للباحثين عن الهدوء ومناظر وخرير مياه السواقي المتدفقة.

العارفون بخيايا الأمور يتحدثون عن هجوم عشوائي على المساحات الفارغة، للإبقاء على ترييف المنتزه، فاحتلال الملك العمومي بعين أسردون مستباح، أكثر من ذلك أن بعض الباعة المتجولين تحولوا إلى قارين، يصرون على توفرهم على رخص، فمن سمح بهذا وكيف تقف السلطة مكتوفة الأيدي أمام هذه الظاهرة التي تستفحل يوما عن يوم، وامتدت إلى منتزه سيدي بويعقوب غير البعيد.
هناك جزء غير تابع لعين أسردون وهو محاذ لها، شيدت فيه محلات عشوائية، تقدر بأزيد من 100 براكة، تحولت إلى ما يشبه مطاعم، وهو ما وقفت عليه لجنة عاينت التشوهات. فالمنتزه الذي أنفقت عليه الملايير لتأهيله وجعله الواجهة السياحية للمدينة، يعاني أمام صمت المسؤولين.

مشاريع مشوهة

الزيارة الملكية ما قبل الأخيرة، انتهت إلى الوقوف على جملة من النواقص، الشيء الذي أدى إلى اجتماع ترأسه حينها وزير الداخلية الأسبق الطيب الشرقاوي وقال فيه كلمته الشهيرة “بني ملال قرية كبيرة”، لتعطى أوامر ملكية بتشييد نافورات ومداخل المدينة والحدائق. تلكم هي المنجزات التي قاومت السنين، أما ما جاء من بعدها ففيه الكثير مما يقال، سواء في دورات المجلس، أو في ملاحظات الوالي الجديد مباشرة بعد تسلمه مهامه.

“الشيء الوحيد الذي نعرفه جيدا أن المدينة مثقلة بديون كبيرة، أما المبلغ فقد كان قبل ثلاث سنوات 5 ملايير”. هكذا تحدث عضو من المعارضة داخل المجلس البلدي عن مديونية الجماعة التي لا تبذل جهودا لتغطيتها، سيما أن الباقي استخلاصه مجرد أرقام في وثائق، قد تتحقق وغالبا ما لن تتحقق.

مناحي ضعف التدبير والعشوائية تمتد إلى كل المجالات، فمصلحة حفظ الصحة، لا تتوفر على مقر لها، كما أنها تعاني نقصا في الموظفين والوسائل، ما يجعل المراقبة المنوطة بهذه المصلحة الحساسة منعدمة الجدوى.

احتلال الملك العمومي

يشكل احتلال الملك العمومي هاجسا يؤرق السكان، فالمدينة مشوهة في جل شوارعها، والحلول البديلة التي نهجتها الجماعة كانت فقط وسيلة لتشييد دكاكين وتفويتها لأشخاص لا علاقة لهمم بالباعة المتجولين، فـ 140 دكانا شيدت بمحيط المقبرة، فوت بعضها بالزبونية، هناك من كان معتقلا في السجن واستفاد من محل تجاري، فيما استبيح احتلال الملك العمومي، الذي لا تجني من ورائه الجماعة أي مداخيل. كما أنشئت سويقات، لبلقنة الأحياء، من قبيل سويقة حي الهدى مثلا، ناهيك عن احتلال شوارع وإقامة براريك بها، مثل شارع الرباط ، إضافة إلى احتلال جنبات مؤسسات تعليمية، وهو ما شجع عليه قرار للوالي السابق الدردوري ورئيس الجماعة، بعد الترخيص بتسييج مؤسسة تعليمية بدكاكين، في ضرب تام لما ينبغي أن يكون عليه محيط المدارس.

سوء تدبير المجزرة

لم تشفع ملاحظات المجلس الجهوي للحسابات ولا الأشرطة المصورة التي فضحت “المجزرة الجماعية”، في تجاوز سوء التدبير الإداري والصحي لهذه المجزرة التي تحولت ساحة للفوضى ينتعش منها الخارجون عن القوانين.

فالمجزرة الجديدة التي دشنها الملك في آخر زيارة له للمدينة، مازالت أبوابها مغلقة بينما الأزمة تخيم على المجزرة القديمة من كل جانب، وهي أزمة لم يتدخل المسؤولون لتصحيحها، بل تركت للظروف اليومية تتحكم فيها وتزيد من تعميقها، فالاختلالات التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات مازالت قائمة ومن ضمنها عدم إصدار الجماعة تراخيص المجزرة الجماعية وغياب التأمين عن المخاطر المرتبطة بالعمل داخل المجزرة، وغياب قانون داخلي خاص بالمجازر من شأنه الرقي بمستوى التدبير الأمني والإداري. ناهيك عن احتلال مدخل البابين من قبل الباعة المتجولين ما يعرقل ولوج شاحنات نقل اللحوم.

المجزرة التي ضاق السكان ذرعا بما يقع فيها وما تصدره من إزعاج وفوضى، رفعوا شكايات لوضع حد لمعاناتهم، إلا أن ذلك لم يؤد إلى تخل بل على العكس من ذلك عمت العشوائية واستمر النزيف بالامتناع عن تأدية واجب الرسم المفروض عن الذبيحة لفائدة مجموعة من الجزارين.

ورغم عقد اجتماعات لتصحيح الوضع إلا أن لاشيء تحقق على أرض الواقع، لدرجة أن المتتبعين يتساءلون عن جدوى إنهاك ميزانية الدولة في المراقبة وعن جدوى تقارير المجلس الأعلى للحسابات. ووصف مصدر من المعارضة الوضع بـ”التسيب” مفيدا أنها تسير بمنطق الزبونية وأنها مرتع لمافيا تستفيد من هذا الوضع وتعمل جاهدة على بقائه واستمراره، وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا يهدد السلامة الصحية بالنسبة إلى اللحوم الحمراء التي تذبح في ظروف غير صحية، ويتم نقلها على متن دراجات نارية وناقلات لا تتوفر فيها شروط نقل اللحوم.

التعمير…هندسة الربح

يعيب المتتبعون للشأن المحلي ببني ملال، العشوائية التي يدار بها قطاع التعمير، والتشوهات العمرانية التي أفرزها، فتجزئة من 50 بقعة تتحول إلى 70 بقعة على حساب الطرق، وإغلاق المنافذ، ورغم أن قضاة جطو نبهوا إلى الأمر، إلا أن القطاع مازال يعاني الأمرين، ومازالت الطرق تقلص من 12 مترا إلى 8 أمتار وغيرها من حيل المجزئين للربح أكثر.

هدر المال العام

تمتد العشوائية إلى المال العام، سيما الضريبة على الأراضي غير المبنية، فقبل سنتين بلغت المستحقات الناجمة عن هذا المدخول القار، ثلاثة ملايير لم تستخلصها الجماعة، لتنضاف إليها السنوات الموالية، بما يعادل مبالغ تتراوح بين 300 إلى 600 مليون للسنة. علامات استفهام عريضة تحوم حول عدم القيام بالواجب إزاء المتملصين، فهناك عشرات الهكتارات يملكها أشخاص معروفون لا تمر عبر هذه المساطر.

شركة بدل جماعة

ملف آخر يطرح أكثر من علامة استفهام ويخص شركة عقارية كبرى، تحولت من مؤسسة لإنتاج السكن إلى بديل للجماعة، إذ نابت عنها في أداء مجموعة من الديون وإنقاصها من مديونيتها، ويتحدث الملاليون عن عقار السوق ذي مساحة 8 هكتارات بوسط المدينة، الذي فوت للشركة العقارية، من أجل بناء شقق السكن الاجتماعي، وكان بطريقة انفرادية بعيدا عن المجلس كما أسر بذلك عضو من العدالة والتنمية، إذ لم تكن هناك سمسرة ليزداد الثمن وتربح الجماعة، كما أن اللجنة ترأسها الصنهاجي الوالي الأسبق، على أساس تفويت العقار بطريقة المزاد العلني، لكن المساطر سارت عكس ذلك، وتحولت إلى تفويت مباشر في 2010، وتداعياتها مازالت تؤرق المدينة إلى اليوم.

الأدهى من ذلك أن الشركة شيدت جزءا من العقار في إطار السكن الاجتماعي المعروف بالإعفاءات والتنازلات، لكنها حصلت بعد ذلك على رخصة استثناءات سمحت لها ببيع جزء كبير من العقار بقعا أرضية.
وتضيف مصادر “الصباح” أن الغرابة لم تتوقف عند هذا الحد بل تم إنجاز عقدة بين الجماعة والشركة، وصفت بـ”الكارثية وغير القانوينة”، وتنص على أن الشركة العقارية ستنجز بعض المرافق والأشغال، منها تزيين شارع محمد الخامس بالأشجار والنخيل، وتكلفت بذلك لتنفق مبلغا خياليا تم إنقاص تكلفته من مديونيتها للجماعة، وكان الأجدر أن تمر الديون إلى الميزانية وبعد ذلك تنفق الجماعة وفق المساطر المعمول بها بعد إجراء مناقصة للتشجير. اليوم شارع محمد الخامس يشهد على ما تم إنجازه واقعيا، والأشجار تعرضت للإتلاف أو الموت أما النخيل فلا مكان له.

المديونية أو حلول الغير محل الجماعة، نجمت أساسا عن أحكام قضائية صدرت ضد الجماعة، وأظهرت التهاون الكبير في الدفاع عن المال العام، إذ أن حكما صدر لفائدة مالك عقار كان مشمولا بنزع الملكية، وهو ملف قديم، وبعد الحكم قام المالك بالحجز على عقار الشركة، وتكلفت الشركة العقارية بدفع الثمن لرفع الحجز، سيما أن العقار انطلقت فيه الأشغال من قبلها، رغم عدم تحفيظه باسمها، وهي الخروقات التي سجلها تقرير المجلس الأعلى لـ 2011. فالجماعة أبرمت اتفاقية مع الشركة على أساس أنها هي التي ستتكلف بأداء المبالغ المتطلبة لرفع الحجز.

هذا الواقع المبني على أساس الأحكام القضائية، أصبح حديث السكان، فمجموعة من الأحكام صدرت ضد البلدية، أهدر فيها المال العام، وهو ما وقع لأحياء رفع ورثة عقارها قضايا المطالبة بحقوقهم وقبضوا مبالغ عن الطرق والحدائق وغيرهما، من قبيل حي يعود تشييده إلى سبيعنات القرن الماضي. ومن الصور الواضحة الحجز على المسبح البلدي، ومنع المواطنين من الاستجمام به في الصيف، فالحجز أقيم رغم أن المالك قبض الثمن، والعقار بيع قبل ذلك، ولولا التدخلات لقضى الملاليون صيفهم دون مسبح.

الأسواق… ضعف واستهتار

مدينة بدون سوق للخضر ولا سوق للجملة، السوق الوحيد هو سوق السمك ويعرف بدوره فوضى، فرغم أنه مشيد وفق أحدث المواصفات، فإن لوبي مدعوما من سياسيين يحكم السيطرة عليه، فقد ولد ميتا يقول أحد السماكين، إذ الجمالة يبيعون سلعهم في الأزقة حتى لا يؤدوا واجبات ورسوم الجماعة، فرغم أن السوق جهوي إلا أن ضعف المراقبة والزجر جعلاه دون الأهداف التي أنشئ من أجلها.

أما السوق الأسبوعي الجديد فإنه لم يرق إلى السوق الذي كان قبله، فالجماعات تلجأ إلى تنقيل السوق من أجل الرقي بالمداخيل والخدمات، إلا أنه في بني ملال حدث العكس، فالسوق القديم كان يدر مدخولا سنويا بحوالي 560 مليونا، أما السوق الجديد فلا يتعدى مدخوله 70 مليونا سنويا، “فلو أصلح السوق القديم لوصل اليوم إلى مليار في المداخيل” حسب موظف تابع للبلدية.

أما سوق الجملة فقد شيد مكانه سوق ممتاز كبير، وتم الاتفاق على تخصيص بقعة أرضية أخرى له، إلا أنه منذ حفر الأساسات قبل سنوات توقف كل شيء.

مشاكل أخرى بأحياء جغو والحاج مبارك وولاد عياد تعاني انعدام الطرق والتبليط، أما الإنارة فمنذ إناطتها بالتدبير المفوض، وهي تعاني وتضطر مصالح البلدية إلى إصلاح الأعطاب، ما يطرح علامات استفهام حول الجدوى من التدبير المفوض، وآليات الردع المذكورة في دفاتر التحملات عاجزة عن التقويم. أما النظافة فهناك تراجع كبير، وهو ما كان موضوع اجتماعات للجان، طولب في إحداها بتقرير الذعائر، دون جدوى، إذ لم تتوصل اللجنة بعدد الذعائر التي سجلت بسبب تردي أحوال النظافة. أما مواقف السيارات فيميزها الفوضى والاستيلاء، وهناك أماكن لا تدخل ضمن دفتر التحملات تم السطو عليها من قبل محسوبين على سياسيين.

إنجاز: المصطفى صفر (موفد الصباح إلى بني ملال)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق