تحقيق

تحرير المحروقات … الورطة

القرار أنجبته الحكومة وأنكره الحزب الذي يقودها وتضرر منه المواطن

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

حطمت أسعار المحروقات أرقاما قياسية، إذ تجاوزت سقف 10 دراهم للتر بالنسبة إلى الغازوال وقاربت 12 درهما في ما يتعلق بالبنزين. وارتفعت أصوات منددة بالزيادات المتتالية في أثمنة المحروقات. ودفعت حملة الاحتجاجات المؤسسة التشريعية إلى تشكيل لجنة بطلب من فريق العدالة والتنمية، الذي ترأسها وشاركت فيها أحزاب من الأغلبية والمعارضة. وأنهت اللجنة عملها في فبراير الماضي، لكن تقرير مهمتها أثار جدالا، بعد الكشف عن مضامينه واستنتاجاته وتوصياته، إذ اعتبر البعض أن هناك خلفيات سياسية وراء طلب العدالة والتنمية تشكيل لجنة استطلاع، وذلك لتصفية حسابات مع عزيز أخنوش، صاحب محطة أفريقيا، والذي يعتبره صقور “بي جي دي” المسؤول عن “بلوكاج” تشكيل الحكومة من قبل بنكيران. بالمقابل اعتبر البعض الآخر أن التقرير مهادن وتقرير توافقات لم يجرؤ على وضع اليد على الأسباب الحقيقية للارتفاع الملحوظ للأسعار ولم يقدم الإجابات الشافية على التساؤلات التي شكلت منطلقات عمل اللجنة. وعوض أن تقدم اللجنة التوضيحات الكافية وترفع اللبس زادت الأمور غموضا، وظلت العديد من الأسئلة مطروحة دون إجابة. فهل كان ضروريا تحرير القطاع ؟ وهل كانت شروط المنافسة متوفرة؟ وهل توجد لدى الحكومة إستراتيجية دقيقة لمواكبة العملية؟

اختلط الحابل بالنابل في قضية المحروقات وتشابه الأمر بشأن أسباب ارتفاع أسعار المحروقات والجهات المسؤولة عن ذلك، إذ تنصلت الحكومة من مسؤولياتها ورمت الكرة في ملعب شركات المحروقات، التي أصبحت في مواجهة مباشرة مع أصحاب السيارات ومستهلكي المحروقات. وبادر حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة وكان من المؤيدين لرفع الدعم وتحرير القطاع، إلى تقديم طلب بتشكيل لجنة للقيام بمهمة استطلاعية حول المحروقات. وأعدت تقريرا سيناقش اليوم (الثلاثاء) في جلسة عامة بمجلس النواب، بعدما أثار خلافات كبيرة بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، واتهم حزب “المصباح” باستغلال تقرير اللجنة لتصفية خلافاته السياسية مع عزيز أخنوش، غريمه السياسي ، رئيس التجمع الوطني للأحرار.

الإصلاح المتبرأ منه

تبرأ حزب العدالة والتنمية من تداعيات تحرير قطاع المحروقات ورفع الدعم عنه، وحمل المسؤولية في الزيادات المسجلة في الأسعار لشركات التوزيع، رغم أنه كان من المدافعين عن قرارات الحكومة السابقة التي كان يرأسها عبد الإله بنكيران. وكان الهاجس من إلغاء الدعم هو التخلص من أعباء دعم المحروقات الذي كان يلتهم أزيد من 35 مليار درهم سنويا. واختارت الحكومة فترة تدني أسعار المحروقات في الأسواق العالمية للشروع في رفع الدعم.

واعتمدت الحكومة مقاربة الإصلاح التدريجي، من خلال مراجعة أولية لأسعار الوقود عند محطات التوزيع، خلال 2012، ليتقرر بعد ذلك تطبيق نظام المقايسة، خلال الفترة الممتدة بين شتنبر 2013 و نونبر 2015، واعتمد، ابتداء من 16 شتنبر 2013، نظام المقايسة الجزئية لتقليص آثار تقلبات الأسعار النفطية على نفقات المقاصة، وذلك من خلال تحديد أسعار البنزين والغازوال والفيول رقم 2.
ويتلخص هذا النظام في حصر الدعم الموجه للمحروقات المعنية في حدود الغلاف المالي المحدد برسم قانون المالية، على أن يعكس الفارق بين السعر المحدد وسعر السوق الناتج عن تقلبات الأسعار العالمية على الأثمان الداخلية سواء بالارتفاع أو الانخفاض، وتتم المراجعة في بداية ومنتصف كل شهر.

وتم الانتقال، بعد هذه التجربة، إلى تعميم نظام المقايسة، خلال 2014، لكن مع اختلافات حسب نوع المادة. فبالنسبة إلى مادتي البنزين والفيول رقم 2 تمت مقايستهما بشكل كلي، إذ لم يعد أي دعم موجه لهاتين المادتين منذ فاتح فبراير 2014، وتمت مراجعة أسعار البنزين والفيول رقم 2 كل 15 يوما على أساس أسعارهما الدولية، إذ أصبحت جميع التغيرات على أسعار هاتين المادتين تنعكس على الأسعار الداخلية. أما الغازوال فقد استمر في الاستفادة من الدعم على أن يتم سحبه تدريجيا، إذ تقلص الدعم من درهمين و 15 سنتيما للتر في شهر يناير 2014، إلى 1.70 درهم خلال أبريل من السنة ذاتها، ليتقلص إلى 1.25 درهم في يوليوز، ثم إلى 80 سنتيما في أكتوبر. أما الفيول رقم 2 والفيول الخاص الموجهين لإنتاج الكهرباء فقد تم إدراجهما في نظام المقايسة منذ يونيو 2014، إذ أصبحت المادتين خاضعتين للأحكام نفسها المطبقة على البنزين والفيول رقم 2 الصناعي، أي بارتباط تام بأسعارهما العالمية، وتم استبدال الدعم الممنوح لهذا النوع من الفيول بمنحة مباشرة لفائدة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

ومكنت هذه المقاربة من مواصلة الإصلاح التدريجي عبر حذف الدعم الموجه للوقود تدريجيا، إلى غاية الإلغاء التام للدعم في فاتح يناير 2015، إذ على غرار باقي المواد النفطية تقرر رفع الدعم عن الغازوال بصفة نهائية منذ فاتح يناير 2015، وهكذا تمت مراجعة أسعار كل المواد النفطية السائلة في الأول والسادس عشر من كل شهر، وفق أسعارها في السوق الدولية.
لكن بالموازاة مع ذلك تم عقد اتفاق للمصادقة على أسعار المواد النفطية في 26 دجنبر 2014 بين الحكومة وقطاع المواد النفطية يهم الفترة الممتدة ما بين فاتح يناير و 30 نونبر 2015.

وكان الغرض وراء عقد هذا الاتفاق مواكبة مهنيي قطاع المواد النفطية خلال فترة انتقالية في تحديد أسعار بيع المواد النفطية السائلة، إذ تحدد السلطة الحكومية المعنية الأسعار القصوى التي تباع بها المحروقات على أساس معطيات السوق الدولية وبنية أسعار المواد النفطية، وتترك للمهنيين حرية تحديد الأسعار المناسبة لها على ألا تتجاوز السقف الأعلى المحدد من قبل السلطة الحكومية. كما حدد الاتفاق، أيضا، عددا من الأهداف من أبرزها توفير الظروف الملائمة للمنافسة في القطاع النفطي وضمان تموين السوق بالمواد النفطية في أحسن الظروف ودعم برامج الاستثمار في القطاع النفطي. وتقرر، أيضا، حذف إيرادات المعادلة، وهي عبارة عن اقتطاعات كانت تستخلصها الدولة من أسعار البنزين بقيمة 88 سنتيما عن كل لتر، و 11 سنتيما في ما يتعلق بالغازوال، وذلك لتمويل جزء من دعم غاز البوتان. ومكن حذف هذه الاقتطاعات التي كان يتحملها المستهلك، من تخفيض أسعار المحروقات، خلال 2015، لفائدة المستهلكين، في حين أضاع على خزينة الدولة، خلال السنة ذاتها مبالغ بقيمة مليار و 200 مليون درهم. وتم التحرير النهائي لقطاع المحروقات السائلة نهائيا، بمقتضى قرار لوزير الشؤون العامة والحكامة في يونيو 2015، إذ لم تعد أسعار الوقود ضمن لائحة المنتوجات والخدمات المقننة أسعارها، وأصبحت خاضعة لقانون المنافسة وحرية الأسعار.

الإصلاح والأسعار والمنافسة

سجلت أسعار البنزين ارتفاعا بعد تحريرها وقفزت إلى مستوى قياسي، خلال يوليوز من 2014، لتصل، في المتوسط، إلى 13.68 درهما، وذلك بسبب الزيادة الملحوظة في سعر النفط الخام الذي ارتفع حينها إلى 114 دولارا للبرميل. لكن ابتداء من غشت من السنة ذاتها عرف سعر البنزين انخفاضات متتالية، إذ أصبح منذ نونبر 2014 أقل من المستوى الذي كان عليه قبل المقايسة، أي دون 12.18 درهما، التي كانت مسجلة آنذاك، وواصلت الأسعار منحاها التنازلي لتصل في فبراير 2015 إلى أدنى مستوياتها، بعدما أصبحت في حدود 8.91 دراهم للتر.

تطـور أسعــار الغــازوال

وصلت أسعار مادة الغازوال، على عكس مادة البنزين، إلى مستويات أعلى عموما مما كانت عليه قبل المقايسة، وذلك في مرحلة أولى بالنظر إلى أن سعر هذه المادة كان منخفضا، لأنها كانت تستفيد من دعم أكثر من مادة البنزين، إذ كانت تستفيد من دعم بقيمة 4 دراهم للتر، خلال 2012، مقابل درهمين و 30 سنتيما للبنزين.

يلاحظ، من خلال معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، أن سعر الغازوال ارتفع نسبيا، مباشرة بعد تطبيق المقايسة، إذ ارتفع تدريجيا ليصل إلى 9.69 دراهم، مقابل 8.15 دراهم قبل المقايسة، علما أن سعر برميل النفط، بعد إقرار المقايسة سجل ارتفاعا طفيفا، حسب معطيات صندوق المقاصة (التقرير السنوي حول نشاط الصندوق دورة يونيو 2016)، إذ انتقل مابين يناير 2015 وماي من السنة ذاتها من 57.33 دولارا للبرميل إلى 66.78 دولارا (انظر الجدول أسفله).

لكن ابتداء من يونيو 2015 عرفت أسعار برميل النفط تراجعا في الأسواق الدولية، إذ انخفضت ما بين يونيو 2015 ودجنبر من السنة ذاتها من 63.59 دولارا للبرميل إلى أقل من 49 دولارا. بالموازاة مع ذلك عرفت أسعار البنزين والغازوال في السوق الداخلي المنحى ذاته، إذ تقلصت من 11.24 درهما للتر إلى 9.49 بالنسبة إلى البنزين ومن 8.84 دراهم للتر إلى 7.96 دراهم للتر بالنسبة إلى أسعار الغازوال بعد ذلك، بفعل انخفاض أسعار النفط في الأسواق الدولية، لتنزل دون المستوى الذي كانت عليه قبل تطبيق المقايسة الجزئية.

ويتضح من خلال ما سبق أن هناك تجاوبا بين السوق الداخلي والأسواق العالمية، إذ تنخفض الأسعار في محطات الوقود عندما تسجل أسعار النفط في الأسواق الدولية تراجعا، وترتفع عندما تسجل زيادات في أسواق النفط الدولية، وذلك حسب ما يوضحه تطور الأسعار بعد تحرير سوق المحروقات. لكن السؤال المطروح هو النسبة التي تتغير بها الأسعار مقارنة بالتغيرات المسجلة في الأسواق الدولية، فهل تعكس شركات التوزيع بالمستوى ذاته تغيرات الأسواق الدولية في السوق الداخلي؟

أكد تقرير المهمة الاستطلاعية للجنة البرلمانية حول أسعار المحروقات أن الشركات تعكس انخفاضات وارتفاعات أسعار المحروقات في السوق الداخلي، لكن بتأخر يتراوح بين أسبوع وأسبوعين، وبررت اللجنة ذلك بالمدة التي يتطلبها نقل هذه المواد وتخزينها.

وأوضحت اللجنة أن أسعار المحروقات تتشكل من جزء قار عبارة عن واجبات ضريبية، فإذا أخذنا على سبيل المثال سعر الغازوال، سنجد أن أزيد من 34 % من السعر عبارة عن واجبات جبائية ممثلة في الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة التي يتم استخلاصها مباشرة عند وصول الشحنة إلى الميناء، وتظل شبه قارة، وهكذا، فإنه عندما ينخفض السعر فإنه يهم المكونات المتغيرة، أي 66 %، فقط من بنية السعر، في حين أن الواجبات الضريبية تظل دون تغيير ملحوظ، لذا فإنه لا يمكن أن تنخفض الأسعار بالمستوى ذاته، الذي انخفضت به في الأسواق الدولية، بالنظر إلى أن هناك واجبات وحقوقا تظل شبه قارة، بغض النظر عن تطورات سعر المحروقات، وعليه فإن التطور يهم المكونات المتغيرة المتمثلة في سعر المادة وكلفة النقل وتغيرات سعر صرف الدولار. كما أن المقارنة يجب أن تتم بين أسعار المحروقات المكررة ببورصة روتردام والأسعار الداخلية، مع الأخذ بعين الاعتبار سعر الصرف بين الدولار والدرهم، إذ يمكن أن ترتفع الأسعار حتى وإن ظلت مستقرة في الأسواق الدولية، إذا ارتفعت قيمة الدولار مقارنة بالدرهم، كما يمكنها أن تنخفض إذ ارتفعت قيمة الدرهم مقارنة بالدولار. وهكذا فإن تحديد السعر الداخلي يتوقف على أمرين اثنين، تطور أسعار المواد المصفاة وتغيرات سعر صرف الدولار.

سـوء تقديـر

هل كانت الحكومة واعية بطبيعة السوق والمتدخلين فيه، عندما قررت تحريره؟ أبان تقرير اللجنة البرلمانية أن الحكومة تعاملت مع الملف من وجهة نظر مالية صرف، إذ كان الهدف الأساسي من الإصلاح هو توفير الاعتمادات المالية التي كانت تحول لدعم هذه المنتوجات، وراهنت الحكومة على الظرفية الدولية التي كانت مواتية آنذاك. لكنها لم توفر الضمانات الكافية لتفادي تغول الشركات المسيطرة على السوق. وقد أكد التقرير أن هامش ربحها عرف زيادة بقيمة 96 سنتيما في اللتر بالنسبة إلى الغازوال و76 سنتيما في ما يتعلق بالبنزين، وذلك مقارنة بمستواه قبل التحرير، ما يعني أن الشركات ضاعفت أرباحها بعد التحرير. وهذا أمر طبيعي، إذ أن أي شركة خاصة يمثل الربح بالنسبة إليها، المحرك الأساسي لاستمرار نشاطها، وإذا كانت هوامش ربحها ارتفعت فالمسؤولية تقع على الحكومة، التي لم تكن تتوفر على رؤية واضحة، وراهنت في قراراتها على عوامل ظرفية كان الكل يجمع أنها مرحلية وأن تحرير القطاع سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لكن الهاجس المالي للحكومة جعلها تصم أذنيها ولم تعر الانتقادات الموجهة إليها أي اعتبار، ولم تهيئ الظروف المواتية والمطلوبة لضمان المنافسة داخل السوق.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق