fbpx
حوار

هنري العويط: الثقافة سلاح لمواجهة الإرهاب

هنري العويط مدير مؤسسة الفكر العربي قال إن الفكر لابد له من مال يسنده

حل الدكتور هنري العويط، أخيرا، ضيفا على المغرب. وخص “الصباح” بهذا الحوار الذي تحدث فيه عن مجالات اشتغال مؤسسة “الفكر العربي”، من خلال البرهنة على قدرة التزاوج بين الفكر والمال في تجاوز الأوضاع السلبية التي يعيشها العالم العربي. كما تحدث عن أشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي

أجرى الحوار: عزيز المجدوب ـ تصوير: (أحمد جرفي )

< ما هو سياق زيارتكم الأخيرة للمغرب؟
< الزيارة الحالية تلبية لدعوة خاصة من وزارة الثقافة والاتصال بالمغرب، والمنظمة العربية للتربية والعلوم (الأليسكو)، وذلك للمشاركة في ملتقى عربي لتهييء رؤى للعمل الثقافي العربي المشترك، والإعداد لقمة عربية تم الإعلان عنها سابقا منذ ما يقرب ثماني سنوات، بمدينة سرت الليبية جمعت قادة وملوك الدول العربية، وصدرت عنها مجموعة من القرارات من بينها الدعوة إلى عقد قمة للمرة الأولى للارتقاء بالعمل الثقافي بالعالم العربي.
وفي الاجتماع الذي عقده وزارء الثقافة العرب في تونس، السنة الماضية، اتخذوا قرارا بالدعوة إلى هذا الملتقى وتقرر بمبادرة كريمة من المغرب أن تكون المملكة هي من تستضيف الملتقى.

< أنتم على رأس مؤسسة تهتم بالشأن الثقافي، هل تعتقدون أن الرهان على الثقافة لتحقيق التنمية في الأقطار العربية ذو جدوى؟
< الأهداف والنتائج التي يمكن أن نتوقعها ونرجوها من عقد قمة ثقافية مرتبطة حكما بقضايا التنمية، ولكنها مرتبطة بقضية لا تنفصل عن التنمية، وهي الاستقرار، إذ نحن اليوم في المجتمعات العربية نشهد كثيرا من الأزمات والنزاعات والحروب الداخلية، مما يعرض هذه المجتمعات لمخاطر جمة، إما للتفكك أو الانحلال أو عمليات التقسيم.
وظيفة الثقافة هنا هي أن تكوّن ما يجمع، لأن العناصر الثقافية العربية هي المشترك بين مختلف الإثنيات والطوائف والمذاهب في ماضيها وحاضرها ورهانها على المستقبل.
للثقافة دور أساسي في لم الشمل وجمع الكلمة وتوحيد الرؤى. قد تكون هناك خلافات سياسية وتباين في وجهات النظر، لكن الثقافة يمكن أن تكون الأرضية التي تبني لإعادة لم الشمل.

< كيف تساهم الثقافة في محاربة التطرف؟
< نشهد في العالم العربي وعلى صعيد العالم، موجات من التطرف والعصبية التكفيرية والأصولية، وتنامي وتفاقم العنف والإرهاب، غالبا باسم الدين. وظيفة الثقافة هي أن تتصدى لهذه النزعات والموجات والتيارات المدمرة، التي لا تعطي صورة صحيحة عن العالم العربي ولا عن الدين الإسلامي.
من مهام الثقافة الدعوة إلى الحوار والتسامح والاعتدال والإعلاء من قيم الفكر، كما أن المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكل ما له علاقة بقضايا الأمن والإرهاب هي في الأصل مظاهر لا بد من التصدي لها بتدابير إجرائية واجتماعية وأمنية، لكن المقاومة الحقيقية تكون بواسطة الثقافة.

لسنا أصحاب قرار لكننا مسؤولون

< تحضر المؤسسة أيضا لمؤتمر “فكر 16” ما هي ملامح هذه الدورة؟
< فعلا تعقد المؤسسة مؤتمرا سنويا، سبق أن حط الرحال هنا بالمغرب، قبل ثلاث سنوات، بمدينة الصخيرات، وكان منطلقا لإطلاق مبادرة شعارها “التكامل العربي” في ضوء ما يشهده العالم العربي، ثم تلا ذلك مؤتمر عقدته المؤسسة بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة لمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الجامعة، أما محطة العام الماضي فكانت بأبو ظبي وفيها تم استحضار تجربة الإمارات العربية المتحدة والاحتفاء بالذكرى الأربعين لقيام هذا الاتحاد.
أما بالنسبة إلى دورة هذه السنة وهي “مؤتمر 16” ستنعقد في دبي شهر أبريل 2018 وسيكون موضوعها الأساسي الانطلاق من تشخيص الواقع في كثير من الدول العربية، فهناك الكثير من مظاهر الاضطراب التي تتخذ صورا مختلفة سياسية وأمنية واقتصادية. سيكون منطلق المؤتمر توصيف هذا المشاهد والبحث عن سبل صناعة الاستقرار وتجاوز مظاهر الفوضى، على مختلف المستويات، تفعيل التعاون مع بعضنا لنخرج من واقع الأزمات التي تعصف بمجتمعاتنا والعالم ككل. ما هي الأدوار المنتظرة من كل الأطراف وما يجب أن يقوم به الشباب والنخب الثقافية والمسؤوليات المترتبة إزاء هذا الواقع لكي نخرج من النفق.
ليست مؤسسة “الفكر العربي” في النهاية صاحبة قرار، لكن تشعر أن لها مسؤولية ثقافية لتوحيد الرؤى والبحث عن سبل تجاوز الأوضاع السلبية عن طريق الحوار وتوفير مقترحات الحلول.

التقرير العاشر مخصص للابتكار

< تستعد مؤسسة “الفكر العربي” لإصدار تقريرها السنوي للتنمية الثقافية ما هي الخطوط العريضة لهذا التقرير؟
< أصدرت المؤسسة لحد الآن تسعة تقارير، تناولت مختلف الشؤون والجوانب والقضايا الثقافية، التي تهم الشأن العربي بشكل عام. في السنة الماضية كان التقرير مخصصا للمشهد الثقافي بالتزامن مع الذكرى 35 لتأسيس مجلس تعاون الدول الخليجية حول السياسات الثقافية المعتمدة في كل من الدول التي تؤلف مجلس التعاون، والمؤسسات الثقافية في كل دولة من هذه الدول ونتاجها الثقافي والإبداعي، مع استحضار النظرة المستقبلية لكيفية تنمية وتطوير وتعزيز كل هذا.

< وبماذا اهتم التقرير العاشر؟
< التقرير العاشر لهذه السنة مخصص لأنشطة البحث العلمي والابتكار على صعيد كافة الدول العربية، ومساهمة هذه الأنشطة في التنمية الشاملة والمستدامة. هذا التقرير يندرج في إطار اهتمامات مؤسسة “الفكر العربي” بقضايا الفكر من جهة وقضايا التنمية من جهة أخرى.
التقرير يساهم فيه باحثون ومفكرون من مختلف المناطق والدول العربية، سيغطي أوضاع البحث العلمي، ودائما هناك انطلاق من التشخيص بناء على المؤشرات المعتمدة دوليا. لا نكتفي بالتشخيص فقط فهناك الكثير من التقارير التي تقوم أيضا بهذه المهمة، بل ننطلق من توصيف الواقع ونتطلع ونطلب من المشاركين في كتابة التقرير، وضع الرؤى المستقبلية واقتراحات لتحسين الوضع، وتسليط الضوء على قصص النجاح في هذا المجال، وبالتالي البحث عن السبل التي بمقدور أنشطة البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا، أن تسهم بصورة حقيقة في تحقيق أهداف التنمية الشاملة.

< تخصص المؤسسة، ضمن اهتماماتها، جائزة للإبداع العربي، ما هي الأشياء المضافة إلى هذه الجائزة خلال هذه السنة؟
< احتفلنا العام الماضي بالذكرى العاشرة لإطلاق جائزة الإبداع وكان مناسبة للاحتفال والتفكير، بمستقبل هذه الجائزة، والجوانب التي يمكن تفعليها والغاية منها، فنحن نؤمن ونعرف أن في العالم العربي الكثير من الطاقات، التي نبدع في مجالات مختلفة، وأحيانا لا تتوفر لها الفرصة لكي تكون معروفة على الصعيد العربي.
نحاول أن نوصل أن هناك مؤسسة تهتم بالإبداع وتشجعه وتحضنه وتدعو إلى المزيد منه، فهناك جانب الاعتراف بالمنجزات التي حققها المبدعون ومجالات الجائزة، ودعوة إلى تحفيز مئات الشباب لينخرطوا في مسار الابتكار والإبداع.
تُمنح الجائزة في عدة مجالات فيها الأدبي والإعلامي والمجتمعي، والمبادرات التي تقوم بها جامعات أهلية تطوعية للتنمية وخدمة المجتمع، وهناك جائزة أهم كتاب عربي يعنى بطرح قضايا تهم المجتمعات العربية وتساهم في التنوير وعملية التنمية والتطوير، وما زال باب الترشيحات لهذه السنة مفتوحا إلى غاية نهاية دجنبر الجاري.
ومن بين الأفكار المطروحة لتطوير الجائزة السير في اتجاه بذل مجهود أكثر لرصد الأعمال الإبداعية والبحث عن المواهب غير المعروفة ورفع الحرج والتردد عليها.

أدب الطفل طريق إصلاح اللغة

< ما الدافع وراء إحداث جائزة “كتابي” لأدب الطفل العربي؟
< للمؤسسة اهتمام خاص بكل ما له صلة بتعزيز حضور اللغة العربية، وتطوير أساليب تعلمها وتعليمها، لكن من الجوانب الرئيسية التي تعانيها اللغة العربية، هي قضية الكتب والمؤلفات المخصصة والموجهة إلى الطفل العربي، فهناك نقص وقصور في هذا الجانب وجب تداركه سيما في ما يخص تطوير هذه الكتب وجعلها مشوقة وجذابة على صعيد المحتوى والمضمون والشكل، فإذا استطعت أن تحبب للطفل لغته العربية فقد وضعته على السكة الصحيحة.
لدينا مشروع لتصنيف الكتب الموجهة إلى الأطفال والناشئة، بما يربو عن 5 آلاف كتاب وصدر الدليل الخاص بهذا المشروع ورقيا وإلكترونيا، وهو في متناول الأسر ومدرسي اللغة العربية، والمسؤولين على المكتبات الصفية. لهذا نهدف من وراء هذه الجائزة تشجيع دور النشر والمؤلفين والرسامين على إصدار كتب للأطفال.

تعددت اللغات والحضارة واحدة
< وماذا عن مشروع الترجمة وإيمانكم بجدوى هذا النشاط وتكامله مع أهداف المؤسسة؟
< يندرج هذا المشروع ضمن أهدافنا لتطوير ولتحديث اللغة العربية والفكر العربي، إذ أن عملية التعريب والترجمة تسير في هذا الاتجاه. كان بودنا أن نضاعف عدد الكتب المترجمة، خاصة أن الغاية مزدوجة من وراء هذا الاهتمام، فالمشروع له شعار هو “مشروع حضارة واحدة”،وانطلاقا من رؤية المؤسسة، ومؤسسها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، فإن تعدد لغات العالم واختلافها يجعل الناس في النهاية ينتمون إلى حضارة واحدة هي حضارة الإنسانية، إذ من شأن الترجمة أن تساعد على الانفتاح وتعزيز التواصل والتفاعل الفكري بين الأمم، بل إن الترجمة كانت إحدى وسائل النهضة العربية الكلاسيكية خاصة في العصر العباسي، وهو ما سمح للفكر أن يتطور ويزدهر، كما أن الترجمة المعاكسة للأوروبيين للفكر العربي إلى لغاتهم خاصة اللاتينية ساهم في استثمارهم لمنجزات الفكر العربي وتطوره في تلك الفترة.
لم يكن ممكنا في المؤسسة أن نترجم جميع اللغات، لذا ركزنا هذه المرة على أربع لغات هي الصينية والهندية والإسبانية والفرنسية، والاختيار لم يكن اعتباطيا فلكل اختيار أسبابه التاريخية والإستراتيجية.

< أنتم على رأس مؤسسة “الفكر العربي” منذ بضع سنوات وقبل ذلك واكبتم مسيرتها من موقعكم في هيأتها الاستشارية. كيف تقيمون وضعها الحالي وتستشرفون مستقبلها؟
< ولو أنه من الصعب على من يتولى المسؤولية في مؤسسة أن يقيم عملها، إلا أنه يمكن القول إن المبادرة التي أطلقها رئيس المؤسسة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل منذ 2000، من خلال خلق التضامن بين الفكر والمال هي رؤية صائبة. فالفكر دائما بحاجة إلى رعاية ودعم، وهذا ما يمكن تبينه على امتداد التاريخ العربي، فلابد من إطار للفكر وظروف مواتية وعوامل تساعد على وضع الدعم المالي. أظن أنه أمر ضروري وبالغ الأهمية ولا تخص هذه التجربة العالم العربي فقط، فأيضا أوربا بكاملها عاشت وتعيش هذا الوضع، فالفنون الكبرى وكذلك الابتكارات في مجال العلوم كانت بحاجة إلى رجال يملكون المال، ولديهم وعي وشغف وإدراك لأهمية الفكر والثقافة والعلم في تنمية المجتمعات، وهي أيضا عملية استثمار إذ لا يمكن الفصل بين الجانبين.
عندما نسترجع ما قامت به المؤسسة نجد أنها أثبتت حضورها من خلال استقلاليتها فهي ليست تابعة لدولة أو نظام وليس لديها انتماء سياسي أو طائفي أو مذهبي، وهو ما منحها مشروعية وقبولا، ومصداقية ورصانة فكرية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والبحث عن كل ما يجمع ويلم الشمل.
كل هذا يترتب عنه المزيد من المسؤوليات لإعطاء صورة صحيحة عن العالم العربي والثقافة العربية.

في سطور

– المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربيّ
– من مواليد بزيزا شمال لبنان في 1947.
– حصل في عام 1969 على الإجازة التعليميّة في الفلسفة، ثمّ نال تباعاً الإجازة التعليميّة والماجستير والدكتوراه (عام 1986، بدرجة الامتياز) في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة القدّيس يوسف في بيروت.
– الأمين العامّ لجامعة القدّيس يوسف منذ عام 1982، ومدير دوائرها الأكاديميّة منذ عام 1990، إلى عام 2008.
المؤسّس والمدير للمعهد الجامعيّ لإعداد المعلّمين والمديرين منذ عام 1997 إلى عام 2005.
– مؤسّس كليّة العلوم التربويّة وعميدها منذ عام 2001 إلى عام 2004.
– رئيس التجمّع الدوليّ للأمناء العامّين في الجامعات الفرنكوفونيّة منذ عام 1997 إلى عام 2001.
– عضو لجنة المعادلات في وزارة التربية الوطنيّة منذ عام 1980 ومقرّرها منذ عام 1993.
– عضو لجنة المعادلات في وزارة التربية والتعليم العالي ومقرّرها منذ إنشائها عام 1996.
– عضو في اللجنة الاستشاريّة العليا في المركز التربوي للبحوث والإنماء. مستشار لدى منظّمة اليونسكو حول قضايا التربية والتعليم العالي في لبنان والعالم العربيّ.
– المقرّر العامّ لمجلس اتّحاد الجامعات العربيّة منذ عام 2002.
– انتُخِبَ في مارس 2008 رئيساً للّجنة الوطنيّة اللبنانيّة لليونسكو، ثم أعيد انتخابه لولاية ثانية في العام 2012، ولولاية ثالثة في العام 2015.
– شارك في عددٍ كبير من الندوات والمؤتمرات الوطنيّة والعربيّة والدوليّة، وله فيها مجموعةٌ من المداخلات والمحاضرات.
– له مجموعة من المقالات والدراسات باللغتَين العربيّة والفرنسيّة في النقد الأدبي، والترجمة، والعلوم التربويّة، فضلاً عن مجموعةٍ من الترجمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى