تحقيق

بزنيس التعمير… الموقعون على الموت

الصباح ترصد شبكات فساد تتاجر في التوقيعات على التصاميم والرخص

فجرت انهيارات عدد من المباني تساؤلات حول أسباب وقوع مثل هذه الحوادث التي ذهب ضحيتها عشرات من الضحايا. كان آخرها ما أصبح يعرف بفاجعة اسباتة، التي تسبب فيها انهيار عمارة بشارع إدريس الحارثي بالبيضاء، وأودى بحياة أربعة أشخاص وتسبب في أضرار متفاوتة الخطورة لأربعة وعشرين آخرين، وقبلها كانت حادثة انهيار ثلاث عمارات ببوركون، الذي أزهق أرواحا بريئة، وكان الرابط بين هاتين الفاجعتين إدخال تغييرات على البناء الأصلي، فكانت الكارثة.  فكيف سمح بإنجاز هذه الأشغال؟ وما هي الجهات المسؤولة عن ذلك؟ وما هي الضوابط القانونية التي تنظم المجال؟ فكان من الضروري، من أجل البحث عن أجوبة مقنعة، تسليط الضوء على هذا المجال وتقفي الحلقات المتدخلة في تتبع أوراش البناء ومراقبتها والقوانين المعمول بها، علما أن وزير السكنى وسياسة المدينة أكد في تصريح عقب فاجعة بوركون أن هناك حوالي 43 ألف بناية مهددة بالانهيار، مع ما يعني ذلك من مخاطر على حياة آلاف المواطنين.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

يتوفر المغرب على ترسانة من القوانين تنظم مجال التعمير والبناء وتحدد ضوابط لضمان تفادي وقوع حوادث ومنع أي إخلال أو خطر يمكن أن يهدد سلامة المباني وحياة المواطنين.

لكن رغم وجود هذه القوانين، فإن ذلك لم يمنع من حوادث مميتة، كان سببها الرئيس عدم احترام القوانين وغياب المراقبة. لذا ألزم القانون رقم 12-90، المتعلق بالتعمير، الراغب في مباشرة البناء بضرورة التوفر على رخصة، إذ نصت المادة 40 أنه “يمنع القيام بالبناء دون التوفر على رخصة” كما يلزم، أيضا، الحصول على الرخصة، أيضا، بالنسبة إلى إدخال تغييرات على المباني القائمة إذا كانت التغييرات تتعلق بالعناصر المنصوص عليها في الضوابط القانونية المعمول بها، أي إدخال تغييرات تتعلق بهيكل البناء الأصلي، كما حدث بالنسبة إلى عمارة سباتة، التي أعاد مالكها بناء ثلاثة طوابق إضافية على المبنى الأصلي. وحدد القانون الجهة التي تسلم هذه الرخصة في رئيس مجلس الجماعة. وتشير المادة 43 إلى أن الرخصة “تسلم بعد التحقق من توفر المتطلبات الأمنية اللازمة”.

ويشير القانون ذاته إلى أنه تتعين الاستعانة بالمهندس المعماري ومهندسين مختصين، بالنسبة إلى كل بناء جديد أو إدخال تغيير على بناء قائم يستوجب الحصول على رخصة بناء. ويشترط القانون، في المادة 50 اللجوء إلى مهندس معماري من القطاع الحر مقيد في جدول هيأة المهندسين المعماريين من أجل الحصول على رخصة البناء.

رخصة البناء… الشيطان يكمن في التفاصيل

يفصل القانون بدقة المساطر التي يتعين سلكها من أجل الحصول على رخصة البناء والشروع في الأشغال، إذ يتعين، بداية، اللجوء إلى مكتب دراسات مختص في الهندسة المدنية للحصول على شهادة، التي تسلم مرفوقة بطلب رخصة البناء، يضاف إلى ذلك تصميم المهندس المعماري، الذي يحدد الجوانب المعمارية للبناء. وبعد الحصول على الرخصة من قبل رئيس المقاطعة التي يوجد الورش بدائرتها الترابية، يتعين على المهندس المعماري تسلم التصاميم التقنية من مكتب الدراسات، التي يتعين أن تتضمن المعطيات المتعلقة بهيكل البناية والمواصفات التي يجب التقيد بها، وتعرض هذه الوثائق على مكتب مراقبة. ويلجأ المهندس المعماري إلى الهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين من أجل تمكينه من دفتر الورش، الذي يدون فيه جميع المعطيات والمعلومات المتعلقة بالبناية موضوع طلب الرخصة. ولا يمكن الشروع في البناء، رغم الحصول على الرخصة، إلا بعد أن يسلم المهندس المعماري بلاغ افتتاح الورش موقع من قبله وتسلم نسخة منه إلى السلطات المحلية والوكالة الحضرية.

فأين يكمن الخلل؟ سؤال لا يمكن الجواب عنه إلا بعد الولوج إلى دهاليز الإدارات التي تتكلف بمنح رخص البناء والمراقبة والإشراف. تتدخل في عملية منح الرخص ومراقبة الاستجابة للضوابط القانونية ثلاث إدارات أساسية تتمثل في الجماعات أو المقاطعات ودار الخدمات والوكالة الحضرية. تعالج طلبات رخص البناء على مستوى المقاطعات عندما لا يتجاوز البناء طابقا أرضيا وطابقين علويين (R+2)، أي عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الصغرى، مثل اقتناء بقعة وبناء منزل شخصي عليها أو إدخال تعديلات على منزل قائم، ففي هذه الحالات تتدخل المصالح التقنية للمقاطعات، في حين يرجع الاختصاص في ما يتعلق بالبنايات من طابق أرضي وثلاثة طوابق عليا فما فوق والمشاريع الكبرى إلى دار الخدمات. وتظل الوكالة الحضرية حاضرة في كل المشاريع، إذ تتدخل في إطار مسطرة منح شهادة المطابقة.

يعتبر المهندس المعماري ، حسب القانون، المسؤول الأول عن تتبع ورش البناء بعدما يوقع على بلاغ افتتاح الورش. لكن تبين من خلال حوادث الانهيارات التي حصلت إثر إدخال تعديلات عليها أن المهندس المعماري لا يتابع الأشغال. ويلاحظ أيضا أن أغلب الاختلالات تحدث في المشاريع الصغرى، أي تلك التي تعالج على مستوى المقاطعات، فكان من الضروري التركيز على هذه الحلقة وتسليط الضوء على الشبكات التي تنشط داخلها. كان من الضروري الاستعانة برأي الخبراء المطلعين عن قرب على هذا الميدان، يتعلق الأمر بمحمد توفيق دادي، رئيس جمعية التنسيق للخبراء القضائيين والكاتب العام للاتحاد الوطني للخبراء المهندسين المعماريين المغاربة، الذي يعاني الكثير مع شبكة المتاجرة في التصاميم ورخص البناء والمطابقة.

توقيع بـ 3000 درهم

أكد المهندس المعماري والخبير المحلف لدى المحاكم في تصريح لـ “الصباح” وجود لوبي ينشط في التلاعب بالوثائق وتسهيل المأموريات أمام الراغبين في الحصول على رخص البناء، وينتحل أعضاؤه مهنا ينظمها القانون للسماح للراغبين في الحصول على رخص التعمير بمباشرة أشغالهم حتى وإن لم يستجيبوا للضوابط القانونية، ما ينتهي في حالات عديدة بحوادث مميتة.

وأوضح أن أزيد من 60 % التصاميم المعمارية ينجزها مهندسون تقنيون بدار الخدمات أو الجماعات المحلية أو الوكالات الحضرية، ويلجؤون إلى مهندسين معماريين من أجل التوقيع عليها مقابل عمولات يمكن أن تصل إلى 3 آلاف درهم عن كل توقيع، ما جعل عددا من المهندسين المعماريين يتحولون إلى مهندسين موقعين، أي أن مهمتهم تنحصر في التوقيع على التصاميم، وذلك لأن التقنيين لا يتوفرون على الصفة للتوقيع على التصاميم، فيلجؤون لما أصبح يعرف بـ “المهندسين الموقعين”. الأخطر من هذا، يقول مصدر «الصباح” أن التصاميم التي ينجزها مهندسون معماريون من القطاع الخاص، الذين يشتغلون وفق ما تمليه القوانين، تتعرض في بعض الأحيان إلى العرقلة في المصالح المكلفة بمنح تراخيص البناء، وذلك لدفع أصحاب المشاريع إلى اللجوء إليهم. ويوظفون لهذا الغرض سماسرة، غالبا ما يكونون أمام أبواب هذه الإدارات، يتصيدون الأشخاص الذين تعترضهم مشاكل في الحصول على الوثائق، فيقترحون عليهم إيجاد حل لمشاكلهم ويوصونهم بالتوجه إلى بعض التقنيين داخل الإدارات المسؤولة عن مجال البناء والتعمير. وسرعان ما يتم الاتصال بين الطرفين، عن طريق الوسطاء، فيتكلف أولئك التقنيون بإعداد كل الخطوات، ابتداء من إعداد التصاميم إلى حين تسلم شهادة المطابقة.

وأكدت القضية المعروضة أمام المحكمة الزجرية بعين السبع المتعلقة بحادثة انهيار عمارة اسباتة هذا الأمر، من خلال تصريحات واتهامات بين الأطراف المتابعة في القضية، إذ صرح صاحب العمارة لقاضي التحقيق أنه قدم رشاوي لتقني المقاطعة بمبلغ 16 ألف درهم على دفعتين، وذلك لتسهيل مأمورية الحصول على الوثائق المطلوبة لمباشرة عملية البناء.

لكن إتمام الإجراءات لا يمكن أن يتم بواسطة التقنيين إن لم يكن هناك تواطؤ الجهات الأخرى التي تتدخل في العملية، وعلى رأسها المهندسون المعماريون، إذ لا يمكن قبول التصميم المعماري دون توقيع من قبل مهندس معماري مسجل في الهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين، وانطلاقا من هنا تشكلت شبكة المهندسين المعماريين الموقعين.

 توقيعات للبيع

يعتبر المهندسون المعماريون حلقة ضرورية في سلسلة مساطر البناء، إذ لا يمكن أن تتم عمليات البناء في غيابهم. لذا فإن الاختلالات التي يعرفها قطاع التعمير، والتي تؤدي في عدد من الحالات إلى إزهاق أرواح أبرياء، لا يمكن أن تحدث دون مشاركتهم. وأكد مهندسون ومعماريون أن لوبي التوقيعات ينشط بقوة داخل هذه الإدارات، إذ يضع كل العراقيل أمام الطلبات التي تتقدم بها مكاتب الهندسة المعمارية التي تشتغل وفق القانون وغير منخرطة في شبكة هذا اللوبي.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن عددا من المواطنين يفضلون اللجوء إلى شبكة التلاعب بالوثائق المعمارية من أجل الحصول على الرخص في ظرف وجيز مع ضمان غياب المراقبة والسماح لهم بإتمام أشغالهم دون أي إزعاج. وأضافت مصادر “الصباح” أن بعض المهندسين العاملين في هذه الإدارات يتكفلون بإعداد التصاميم، لكنهم يلجؤون إلى المهندسين الخواص من أجل التوقيع، لأن وظيفتهم لا تسمح لهم بتوقيع التصميم، إذ تشير المادة 18 من الظهير المتعلق بمزاولة مهنة الهندسة المدنية، إلى أن مزاولة مهنة الهندسة المعمارية في القطاع الخاص تتنافى مع جميع الوظائف العامة غير الانتخابية في مصالح الدولة أو الجماعات المحلية أوالمؤسسات العامة. لذا، فإنهم يلجؤون إلى المهندسين في القطاع الخاص من أجل إضفاء طابع الشرعية على التصميم المعماري الذي ينجزونه.

وأكدت المصادر ذاتها أن هؤلاء المهندسين الموظفين الذين ينشطون داخل شبكة المتاجرة في وثائق التعمير راكموا ثروات كبيرة، ما يفرض تفعيل مسطرة من أين لك هذا؟ لأن الأجرة التي يتقاضونها من الإدارة لا يمكن أن تسمح لهم بمراكمة الثروات.

إحالة 10 مهندسين موقعين على اللجنة التأديبية

لكن أين هي الهيأة المكلفة بمراقبة المهنة وما رأيها في هذه الممارسات؟ للإجابة عن هذا السؤال كان الاتصال بكريم السباعي، رئيس المجلس الجهوي للجهة الوسطى للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين، الذي لم ينف الأمر، وأكد أنه بالفعل يوجد مهندسون معماريون موقعون وأن الهيأة تتخذ الإجراءات اللازمة في حق المتورطين. وأشار، في هذا الصدد، إلى أنه تمت إحالة 10 مهندسين معماريين على اللجنة التأديبية، بعدما تبين أنهم من ضمن المهندسين الموقعين. وأضاف أن اللجنة المختصة ستدرس ملفاتهم وستتخذ الإجراءات الزجرية المناسبة، مضيفا أن العقوبات تتدرج بين الإنذار والتوقيف لمدة معينة، بالنسبة إلى حالات العود.

لكن مهندسين معماريين أكدوا لـ”الصباح” أن عدد المهندسين الموقعين أكثر بكثير من المهندسين المحالين على اللجنة التأديبية، وأوضح أنه يكفي مراقبة عدد دفاتر الأوراش التي يسحبها المهندس المعماري للتأكد من تصنيفه، إذ هناك البعض الذين يسحبون أزيد من 15 دفتر أوراش، الأمر الذي لا يمكن تقبله، إذ من الصعب على المهندس تتبع كل هذه المشاريع في آن واحد، ما يفرض تحريك مسطرة المراقبة والتتبع للتأكد من أن المهندس يتابع هذه الأوراش.

لكن الهيأة تعتبر أن سحب المهندس لعدد مهم من دفاتر الأوراش لا يعني بالضرورة أنه من المهندسين الموقعين. وأكد السباعي، في هذا الصدد، أن الهيأة على علم بالمهندسين الموقعين وأنها تتخذ الإجراءات اللازمة في حقهم.

ويعتبر بعض المهندسين المتضررين من هذه الممارسات أن الهيأة لا تتعامل بالحزم المطلوب مع هذا الملف. ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل راسلوا الأمانة العامة للحكومة ووزارتي الداخلية والسكنى بشأن المتاجرة في التوقيعات على التصاميم، وطالبوا السلطات المعنية بالانتقال إلى مقر الهيأة لمراقبة سجلات سحب دفاتر الأوراش والتأكد من مدى مطابقة ذلك للمساطر المعمول بها، إذ يتهمون مهندسين بالاستئثار بحصة الأسد من عدد دفاتر الأوراش المسحوبة، لكن مراسلاتهم ظلت دون رد. ويعتزم المتضررون اللجوء إلى القضاء من أجل فتح تحقيق في الموضوع، إذ يؤكدون أن هناك تساهلا من قبل الهيأة في التعامل مع المهندسين الذين يتاجرون في توقيعاتهم، ويتعين أن يتدخل القضاء لزجر المتلاعبين بالتوقيعات، خاصة أن ممارساتهم تنتهي بإزهاق أرواح أناس أبرياء، كما حدث في عمارات بوركون واسباتة.

وأبان تتبع “الصباح” للمسارات التي يسلكها ملف التعمير العديد من الاختلالات التي يتداخل فيها العام بالخاص، إذ تنسج شبكات بين القطاعين، تجمع بين مسؤولين إداريين فاسدين في الإدارات المسؤولة عن منح الرخص البناء والمطابقة والمراقبة من جهة، ومهندسين معماريين من القطاع الخاص، إضافة إلى سماسرة يقومون بالوساطة بين المواطنين وشبكة المتاجرة بالتوقيعات من جهة ثانية. وأصبحت هذه الشبكة تتحكم في المجال، خاصة بالنسبة إلى المشاريع الصغرى، وتعمل كل ما في وسعها للحفاظ على مصالحها، حتى وإن كانت على حساب حياة المواطنين، وتحول أعضاؤها إلى موقعين على الموت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق