تحقيق

قنينات الغاز… قنابل موقوتة في كل البيوت

20 مليون قنينة غاز صغيرة تستعمل بالبوادي والأحياء الشعبية بالمدن

تتسبب قنينات الغاز، التي يتوفر منها المغرب على 30 مليونا، وتوجد بجل البيوت المغربية، في مئات الوفيات سنويا بسبب أخطاء صغيرة في عمليات التركيب أو الصيانة تنتج عنها حرائق مهولة، وتعد قنينات الغاز الصغيرة من حجم 3 كيلوغرامات بمثابة

قنابل موقوتة داخل كثير من المنازل المغربية، إذا لم يتم تركيبها بالطريقة الصحيحة، ولم يتم التأكد من صلاحية الحلقة المطاطية التي تحيط الرأس المشتعل.

رغم المآسي الإنسانية التي تتسبب فيها قنينات الغاز، فإن المسؤولين لم يتخذوا أي تدابير لوقف هذا النزيف، كما فعلت عدد من دول الخليج التي تحولت إلى نوع جديد من قنينات الغاز تتميز بالأمان، مقارنة بقنينات الغاز المعدنية التي ما زالت تنفجر بالمنازل المغربية مخلفة وراءها مئات الضحايا، الذين يجدون أنفسهم مشوهين بسبب الحروق التي يصابون بها والتي تؤدي بهم إلى الركون إلى زوايا معتمة على هامش المجتمع الذي ينظر إليهم بكثير من التخوف والريبة.

20 مليون قنبلة موقوتة
يقدر مهنيو قطاع تعبئة قنينات الغاز عدد القنينات الصغيرة من فئة 3 كيلوغرامات المتداولة بالسوق المغربي بحوالي 20 مليون قنينة، تستعمل غالبا داخل البوادي والأحياء الشعبية بالمدن المغربية من طرف الشريحة ذات الدخل المحدود التي لا تقوى على اقتناء المطابخ العصرية التي تستعمل قنينات الغاز الكبيرة من فئة 13 كيلوغراما.
وتختلف أساليب استعمال قنينة الغاز من فئة 3 كيلوغرامات، إذ تستعمل إلى جانب الطبخ في عمليات الإنارة بالنسبة إلى المنازل التي لا تتوفر على كهرباء خاصة داخل البوادي. ويوجد داخل السوق المغربي عدد كبير من قنينات الغاز منتهية الصلاحية، ومع ذلك، تستمر في العمل رغم الخطورة التي تشكلها على سلامة المستهلكين.
ويؤكد الخبراء أن تاريخ انتهاء صلاحية أي قنينة من قنينات الغاز مهما كان حجمها يكون مكتوبا عليها، وتنتهي صلاحية قنينات الغاز غالبا بعد 20 سنة من دخولها الخدمة على أبعد تقدير، رغم أن القانون يمنحها 40 سنة، وهو ما يعتبر غير منسجم مع طبيعة ظروف التوزيع التي تساهم في سرعة تلف القنينات.  
ويمكن للمستهلك التأكد من صلاحية قنينة الغاز التي يقتنيها عبر ملاحظة
تاريخ انتهاء الصلاحية المكتوب بطريقة ترميز خاصة تتوزع بين حروف A و B و C و D التي ترمز إلى الأجزاء الأربع من السنة، إلى جانب رقمين يحددان سنة نهاية الصلاحية، إذ تدل مثلا A 10 على أن قنينة الغاز ستنتهي صلاحيتها في ثلاثة أشهر الأولى من سنة 2010.
وعاينت «الصباح» خلال هذا التحقيق أن عددا من القنينات من صنف 13 كيلوغراما يعود تاريخ نهاية صلاحيتها إلى سنة 2008، ورغم ذلك، لا تزال متداولة داخل السوق ويستعملها المغاربة دون الوعي بخطورتها، كما أن عددا مهما من قنينات الغاز الصغيرة من فئة 3 كيلوغرامات لا يحمل أي معطيات بفعل ظروف النقل والتخزين غير السليمة التي أدت إلى محوها.

مستودعات الموت
على الطريق الرابط بين الدار البيضاء والبير الجديد تتناثر قطع أرضية مُسيَجة يستعملها أصحابها مستودعات ضخمة لتخزين قنينات الغاز الفارغة قبل نقلها إلى معامل التعبئة، وأخرى معبأة تنتظر توزيعها على أصحاب المحلات التجارية بمختلف أحياء مدينة الدار البيضاء.
داخل تلك المستودعات تناثرت قنينات الغاز من مختلف الأحجام تحت الشمس والمطر ومختلف عوامل التعرية التي تؤثر على جودتها، وتجعل بعضها غير قابلة للاستعمال ويمكن أن تتسبب في كارثة إنسانية في حال استعمالها. ورغم أن القانون المنظم لاستيراد الهيدروكاربور وتصديرها وتكريرها وتعبئتها وادخارها وتوزيعها يلزم أصحاب المستودعات باحترام معايير السلامة، التي تتمثل أولا في أن تخزين القنينات الفارغة لا يمكن أن يتم إلا بمراكز التعبئة والمستودعات ومعامل الصنع، غير أن هذه المقتضيات القانونية لا تلتزم بها المستودعات التي أقيمت بطريقة عشوائية لتخزين قنينات الغاز التي تعتبر من المواد المشتعلة وتشكل خطورة بالغة على العاملين بتلك المستودعات وعلى السكان المجاورين لها في حالة حدوث أي حريق.
هذه المستودعات العشوائية تنتشر أيضا بالطريق المؤدي إلى مدينة المحمدية التي تعرف وجود أحد أكبر معامل تعبئة قنينات الغاز بالمغرب، ويتكرر مشاهد القنينات المتناثرة على الأرض منذرة بحدوث الكارثة في أي لحظة.
هذا الوضع الاستثنائي جعل المديريات الجهوية لقطاع الطاقة والمعادن، تتدخل لتحسيس مالكي هذه المستودعات بخطورة الوضع المهني الذي يعملون فيه وكان آخر لقاء عقد بمدينة القنيطرة مع أصحاب المستودعات المنتمين إلى جهة الغرب-الشراردة- بني احسن التي يوجد بها، حسب مصدر من المديرية الجهوية لقطاع الطاقة والمعادن، 27 مستودعا لتخزين قنينات الغاز غير مرخص لها ومقامة بطريقة عشوائية لا تحترم بمعايير السلامة.
وأكد المصدر ذاته أن المديريات لا تعمد إلى تطبيق القانون بشكل صارم على المخالفين من أصحاب المستودعات العشوائية، والاكتفاء بحملات تحسيسية لحثهم على احترام القانون والعمل على التقيد بشروط السلامة لتجنب حوادث الانفجارات الخطيرة التي عرفها عدد من المستودعات بمدن وارززات وقلعة السراغنة، والتي كادت أن تنتهي بكارثة، لولا تدخل مصالح الوقاية المدنية بعد انفجار مئات قنينات الغاز الصغيرة التي كانت مخزنة بطريقة لا تحترم معايير السلامة.   

قنينات منتهية الصلاحية
تروج داخل المغرب قنينات غاز من مختلف الأحجام منتهية الصلاحية، ما يضر بسلامة المستهلكين ويتسبب، بفعل اتخاذ المعايير الضرورية للسلامة في حدوث وفيات، هذا ما أكده النائب البرلماني الصديق كاسم، خلال مداولات مجلس النواب برسم دورة أبريل 2009، إذ أوضح كاسم في سؤال موجه إلى وزيرة الطاقة والمعادن أمينة بنخضرا أن هناك قنينات غاز تتداول داخل السوق المغربي يعود تاريخ تسويقها إلى سنتي 1994 و 1995، وأن هناك عددا من القنينات التي أصبحت غير صالحة للاستعمال من حيث الشكل ورغم هيأتها المهترئة لا تزال توزع داخل السوق المغربي، ما يشكل خطرا على سلامة مستخدمي هذه القنينات.
وفي السياق ذاته، يؤكد النائب عبد الحميد المرنيسي أن العديد من الأسواق والمحلات التجارية بالمغرب تعرف انتشار نوع من قنينات الغاز التي انتهى عمرها الافتراضي، إذ تم استيرادها من الخارج بعد استغناء بعض الدول عنها خاصة بعد أن أصبح من المستحيل استمرار العمل بها بتلك الدول.

شاحنات ملغومة
في شوارع مدينة مليونية كالدار البيضاء تنتشر شاحنات تتنقل بين أحياء المدينة المختلفة من أجل إيصال قنينات الغاز إلى المحلات التجارية الصغيرة المنتشرة بالأحياء الشعبية. في كثير من الأحيان، لا تحترم تلك الشاحنات معايير السلامة المتعلقة بنقل المواد الخطيرة وشديدة الاشتعال كقنينات الغاز، إذا لا يتوفر بعضها كما عاينت «الصباح» على أي قنينة لإخماد الحريق في حال اندلاعه، كما أن السائقين ومساعديهم يكونون غالبا من الشباب الذين لم يتلقوا أي تكوين أو تدريب للتعامل مع هذه المواد الخطرة وكيفيات التصرف في حالة وقوع أي حادث اشتعال، لكن المفاجأة الصادمة التي يمكن ملاحظتها خلال عملية توزيع قنينات الغاز تتمثل في حرص بعض الموزعين على التدخين أثناء عملية التوزيع، وهو الأمر الذي يتنافى مع شروط السلامة ويمكن أن يعرض حياة العاملين بهذه الشاحنات وحياة السكان المحيطين للخطر، كما حصل مع الانفجار الذي حدث بإحدى الشاحنات التي كانت تنقل قنينات الغاز على الطريق الرابط بين مكناس والخميسات والحادثة الثانية المسجلة بمدينة آيت ورير التي أودت بحياة عدد من المواطنين الأبرياء الذين كان كل ذنبهم أنهم كانوا حاضرين بالمكان الخطأ لحظة وقوع الحادث فأدوا ضريبة غالية لتهور سائق لم يحترم شروط السلامة المحددة قانونا في نقل هذا النوع من المواد القابلة للاشتعال.

وفيات وتشوهات
قدر مصدر مسؤول بمصلحة الحروق التابعة للمركز الاستشفائي ابن رشد عدد الحالات التي تتعرض إلى حروق من الدرجة الثانية والثالثة التي تتوافد يوميا على المصلحة في خمس حالات بسبب قنينات الغاز، وأضاف المصدر ذاته أن قنينات الغاز الصغيرة تأتي في مقدمة أسباب الوفيات التي تسجلها المصلحة التي تتلقى الحالات الحرجة من مختلف المدن المغربية.
واعتبر المصدر ذاته أن قنينات الغاز الصغيرة تعتبر السبب الأول في حالات الحروق بالمغرب، بسبب سوء استخدامها من طرف المواطنين وهو ما يؤدي إلى تشوهات كبيرة يصعب التغلب عليها ويتطلب علاجها مدة زمنية طويلة ومصاريف كبيرة وأدوية مكلفة ترهق كاهل الأسر الفقيرة التي تتوارد على المصلحة.
ويعتبر عدد حالات الوفيات المصابين بحروق ناتجة عن انفجارات وحرائق تسببت فيها قنينات الغاز كبيرا إذا ما قورن مع باقي أنواع الحروق التي ترد على المصلحة. إلى جانب الحروق والتشوهات، فإن الغاز يعتبر من فئة القاتل الصامت الذي لا يمكن أن يشعر به المرء ويتحول إلى جثة هامدة.
وتمثل تسربات الغاز أحد أسباب الوفيات التي عرفت ارتفاعا خلال السنوات الأخيرة، إذ أن عدم احترام شروط السلامة في التعامل مع هذه القنينات، يؤدي إلى نتائج وخيمة، خاصة أن الغاز عنصر صامت لا يشعر به الانسان خلال فترة النوم ويؤدي إلى الاختناق في حالة استنشاقه بكميات كبيرة خلال النوم، ولذلك يجب التأكد من الإغلاق الجيد للقنينات المستعملة داخل البيت قبل النوم.

إسماعيل روحي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق