fbpx
خاص

مـحـنة مصـاب بـكـورونا

وضع مأساوي بمستشفى ابن سليمان دفعني للتفكير في الهروب (2/2)
بقلم : الصحراوي فقيهي*

لما أرخى الليل سدوله، لم أفلح في إغماض الجفنين. هجرني النوم وحل محله الخوف من أن ينقض الوباء الغادر علي رئتي، فيخنقها ويقطع أنفاسي، إن أنا استسلمت للنوم. كما كنت أخاف من أن يحلو لي النعاس، بسبب ما عانيته من تعب خلال النهار، وأسلمه مفاتيح الجسم والعقل، حينها سيفوتني موعد التسجيل.

حلم أم هذيان
لكن قبل طلوع الفجر بقليل، لا أدري كيف سرق النوم مقلتي. وربما كنت في حالة بين السهاد واليقظة، سيما وأن الحمى تمكنت من جسمي ووصلت أوجها من الاشتعال. لا أدري هل كنت في حلم أم في هذيان. على كل، رأيت رجلا طويل القامة، مفتول العضلات، يتكئ على عصا طويلة. رأسه عارية، يغطي الزغب سحنته. رأيته يلج بيتي دون استئذان، وكأن ما يتمتع به من سلطة، يسمح له باقتحام بيوت الناس إن هو شاء ذلك . كان يتصرف كما يتصرف ” “المخزني” الذي يسلم استدعاءات الحضور لأصحابها. قال لي بصوت تطبعه نبرة سلطوية:
«- يالله نوض ، اجمع راسك نمشيو.»
قلت : ” إلى أين سيدي ؟
قال : ” إلى المستشفى ، ومن هناك سنرحل.”
قلت : ” نرحل إلى أين ؟ ”
قال : ” داك الشي ما خاصكش اتعرفو. كيخصني أنا ”
قلت: « هيأتك لا تشي بخير . إذا كنت حقا من أتصور ، دعني أقل لك شيئا . إني لن أغادر بيتي بأي وجه من الوجوه. لأن ورائي أغراض علي قضاؤها قبل مغادرة البيت”
قال : لدي أمر باصطحابك.”
فلت: ” أجله. وامريضنا ما عندو باس”
قال : ” ما هي هذه الأغراض التي تمنعك من الامتثال لأمري ؟”
قلت :» لدي أربعة أحفاد. ولا واحد منهم متزوج. ولا يمكنني أن أتزحزح من بيتي قبل أن أزوج أصغرهم وعمره الآن خمس سنوات.»
فضحك الرجل ضحكة أزعجتني وأخافتني لأنها كانت أشبه بصوت الرعد وقال في نهايتها:
“ما اسمك ؟”
قلت : « أنت آت لاصطحابي للمستشفى وتجهل اسمي ؟
قال : ” احنا ما مزروبينش ، خليك حتى اتسالي» تم اختفى. وهنا شعرت بيد تجذبني بقوة وكأنها تحاول أن تهز رأسي لتوقظني . كانت زوجتي تناديني بكل ما ترك لها المرض من قوة :
“الصحراوي، الصحراوي ، فيق . فيق، انت معامن كنت كتخاصم باسم الله اعليك”.
كانت الساعة الرابعة وأربعين دقيقة. لم يكن يفصلنا على موعد تسجيل أسمائنا إلا عشرون دقيقة. وقبل أن تكتمل، كنا واقفين، زوجتي وأنا، أمام الباب الرسمي للمستشفى. كانت الأزقة فارغة إلا من حراس الليل. لاحظنا، والبواب يسجل أسماءنا على اللائحة، أننا من بين العشرة الأوائل، فارتحنا. إلا أننا سنفاجأ، عند المناداة على أسمائنا، أن مرتبتنا انتقلت إلى الخمس والعشرين . فأخبرني أحد العالمين بخبايا الأمور، أن أشخاصا سجلوا أسماءهم عن طريق الهاتف، وآخرون لم يحضروا إلا في آخر ساعة، ليتبوؤوا رأس اللائحة.

“وحلو الباب احشوما عليكم”
بعد تسجيل أسمائنا، أخبرنا البواب المكلف بنظام التسجيل، أن علينا الحضور أمام الباب الكبير على الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، للمرور أمام الطبيب الذي يقرر مكان علاجنا.
لعلمنا أن الفوضى لا بد أن تعم رغم وجود سجيل وترتيب، لجأنا إلى أقرب مقهى حتى نبقى قريبين من المستشفى. وفي الوقت المحدد، كنا في انتظار السيد الطبيب. تجمهر أمام الباب عدد لا يحصى من المرضى. لا شك أنهم كانوا مثلنا، بالكاد تحملهم سيقانهم. فصار منهم الجالس على الرصيف والمتكئ على الجدار أو على إحدى السيارات، والممدد فوق الأرض أو داخل سيارته. يتعالى بيننا السعال والأنين والأنفاس المخنوقة. الوقت يمر ثقيلا كأيام رمضان. الطبيب لم يحضر في الوقت المشار إليه. ظل الباب مغلقا . ولا مسؤولا واحد للإجابة عن أسئلة المرضى حول وقت حضور الطبيب بالتدقيق، وهل هناك فعلا طبيب و… و…
دقت الساعة التاسعة، ثم التاسعة والنصف، ثم العاشرة. فبدأت تعلو بعض الأصوات منددة بهذا التعامل من قبل الإدارة. ألتقط أحدهم حجرا وصار يخبط به على الباب ويصيح : ” وحلو الباب احشوما اعليكم . واش احنا حيوان ؟»
تصدى آخر لنفس الباب بركلة عنيفة كادت أن تترك به ثقبا. ثم تعالى الصياح، فإذا بالباب يفتح فجأة نحو الساعة الحادية عشرة. أي أننا انتظرنا تحت رحمة البرد، في الصباح الباكر، ما يفوق الساعتين وجميعنا مرضى. ولجنا ساحة فسيحة أقيمت بها خيام عبارة عن مكاتب وقاعات للانتظار. وتناثرت حولها الكراسي في كل مكان، فجثا فوقها الناس وقد أخذ منهم التعب مـأخذه.
لماذا لم تأخذ الإدارة بعين الاعتبار وضعيتنا الصحية وتكلف أحد أعوانها بفتح الباب باكرا ليتسنى للمرضى استعمال تلك الكراسي لتخفف عليهم آلام المرض. إما أن المستشفى خال من مسؤول يدبر به الأمور بطريقة مواطنة ويعطي الأولوية لصحة المواطن وراحته، وإما أن الدولة على العموم لا تحب مواطنيها ولا تبعث بأي توصية لهذه المؤسسات لتذكرهم بواجبهم الرئيس، وهو السهر على استقبال المواطنين في ظروف إنسانية.

الطريق إلى ابن سليمان
لم نمر أمام الطبيب إلا حوالي الساعة الواحدة زوالا. يكتفي بإلقاء بعض الأسئلة ليعرف سنك وما إذا كنت تشكو من مرض مزمن، ليعين لك الطريقة التي ستعالج بها. الحجر بالبيت مع تناول الأقراص بالنسبة إلى الشباب غير المصابين بأمراض مزمنة، والاحتفاظ بالمسنين الذين يعانون السكري أو الضغط الدموي لتوجيههم إلى أحد المراكز المفتوحة بابن سليمان ، برشيد أو بن اكرير.
طلب منا الطبيب أن نعود إلى البيت لإحضار أمتعتنا، أنا وزوجتي، قبل الساعة الثالثة والنصف زوالا، لأن علاجنا يتطلب حضور الطبيب يوميا ولا يمكن لنا، بأي وجه من الوجوه، تناول الأقراص بالبيت. الشيء الذي رضخنا له دون تردد، اطمئنانا منا لحضور طبيب بجانبنا هناك، وللعلاج المكثف الذي سنخضع له، نظرا لحالتنا الصحية التي زادتها الأمراض المزمنة تدهورا.
كالعادة، لا يجب على المرء أن يضع ثقته في أوقات الإدارة. عندما يحدد لك مسؤول وقتا معينا، عليك أن تضبط ساعتك على فرنسا أو على الجمهورية المصرية . وكالعادة ليس هناك شخص لتحمل المسؤولية، وطمأنة المرضى على توقيت انطلاق الحافلة. وكالعادة يظل المريض تائها في انتظار «غودو»Godo الذي لا يأتي. لم تحضر الحافلة المكلفة بنقلنا لابن سليمان إلا حوالي الساعة الخامسة. كانت لجميع المرضى أمتعة ضرورية للعيش بعيدا عن ذويهم ودورهم. بقيت الحافلة داخل المستشفى، بدل أن تركن خارجه، لتسهيل نقل الأمتعة إليها من حقائب ورزم وقنينات الماء على المرضى. عليك أنت المريض أن تتكلف بوضع الأمتعة داخل الحافلة. ولم نتوجه نحو ابن اسليمان إلا حوالي الساعة السادسة. التأكيد على التوقيت هنا أمر ضروري. القارئ لا يعيره ربما أهمية، إلا أن المريض يحسب الدقائق وكأنها ساعات . لا يعيش المريض الوقت مثل ما يعيشه المتعافي، لأنهما في حالتين مختلفتين صحيا ونفسانيا.
ونحن متوجهون نحو ابن سليمان ، كان الركاب – المرضى يتبادلون الأخبار حول العيش داخل المستشفى. فتطرقوا إلى الخدمات الجليلة المقدمة من قبل المسؤولين به، والعناية الفائقة التي يحيطون بها المرضى . فمنهم من ادعى أن الحياة به لا تختلف عن الحياة بالفنادق، ومنهم من سخر قائلا وهو يحمد الله، أنه على الأقل سيقضي عطلة مجانا بعيدا عن صداع الأطفال أو الزوار. وأكد السائق الأخبار قائلا إنه رأى بأم عينيه أحدهم ولج المستشفى مرفوعا على محمل وغادره ينط كالجدي. فارتحنا زوجتي وأنا لهذه الأخبار، رغم أنها لا مرجعية لصحتها.
كانت الشمس تميل إلى الغروب لما توقفت الحافلات داخل مستشفى ابن سليمان . كان على السائق أن يتوقف عند كل حاجز من الحواجز الثلاثة، ليقدم لائحة الركاب إلى المسؤول لإعادة نقلها إلى السجل. تدوم العملية ما يزيد عشر دقائق. تساءل الركاب حينئذ لماذا ضياع كل هذا الوقت في وجود وسائل الاتصال المتعددة، كتصوير اللوائح على “الواتساب» أو بعثها عن طريق «الإيمايل» إلى من يهمه الأمر. وتساءلت بدوري لماذا كل هذه الاختراعات والأبحاث والتجارب والدراسات التي يقوم بها «الكفار» لتسهيل الحياة علينا. ألم يبلغهم أننا لسنا في حاجة إلى كل هذه الوسائل التي يتعبوا أنفسهم في اختراعها لإسعادنا.ألم يعلموا بعد أننا قوم ثقافته ” خليها على الله ” ” ما تمشي غير فين مشاك الله.” اللي ابغا يربح العام اطويل» « كيف اليمن ، كيف اليابان” وهلم تقاعسا. . .؟

خدام الدولة والعامة
عند الوصول ، وجهونا نحو خيمة الطبيب الذي يكتفي بمدنا بعدد الأقراص الواجب تناولها مدة مكوثنا بالمستشفى. لا فحص، ولا مراقبة للحرارة، ولا لضغط الدم ولا هم يحزنون. ثم يعينون لكل واحد منا خيمته، ليجر نحوها، بما تبقى له من قوة، أمتعته .
بعد ولوجنا الباب الكبير للثكنة، كنا كلما توقفت الحافلة عند حاجز، صعد أحد الجنود ليسألنا إن كان بيننا أفراد من القوات العسكرية أو الشرطة. فلم نفهم المغزى من أسئلته، إلا عند وصولنا أمام المستشفى، داخل الثكنة. فهمنا أن الدولة قسمت مرضاها إلى قسمين: أولهما خدام الدولة الحقيقيون المكونون من العساكر والشرطة، وفيما القسم الثاني، يتكون من العبيد أو ما كان يطلق عليه خلال العصور الوسطى ب ” القنينين»، لكن هنا سنسميهم “العامة”، وهو خليط من عمال وموظفين وسكان القرى ومتقاعدين، نساء ورجالا.
خصصت الدولة للفئة الأولى قاعات نوم جماعية مبنية ب «الياجور». تتوفر على المرافق اللازمة من مراحيض ودوشات. تسهر عاملات النظافة على صيانتها مرتين في اليوم. ناهيك عن النوافذ الكبيرة، الواسعة التي تتدفق منها أشعة الشمس إما صباحا أو زوالا، فيما كدس الباقي تحت خيام من البلاستيك. وتغطي هده الخيام جميعها خيمة كبيرة بحجم خيام السيرك. وهي تفتقر إلى أبسط وسائل العيش الإنساني داخلها، من تهوية وأشعة الشمس، سيما إذا تعلق الأمر بمرضى «كوفيد».
أول ما قمت به عندما تم تعيين خيمة لي بين ” العامة”، هو زيارة المراحيض. وقفت مشدوها عند الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة ، ثم الباقي، إلى أن أكملت دورتي التفقدية لها جميعها. يصعب وصف حالتها. سألخص المشهد في جملتين أو ثلاث جمل. قد تفضل أن تقضي حاجتك في العراء من أن تلجأ إليها. أغلبها لا تتوفر على أبواب ولا على آلات لصرف المياه، أو أنها عبارة عن مستنقع لا تجد به موطئ قدم لكثرة المياه الوسخة الممزوجة بالبول التي تغمرها.
جلست القرفصاء في بهو صغير، وشرعت أفكر ورأسي بين يدي: ترى هل سأقضي أسبوعا بكامله بهذا السجن المقنع؟ لدي عدد من الأرقام الهاتفية التي يتمتع أصحابها بوزن في الإدارة العمومية، لكني رفضت الاستغاثة بها، معتبرا نفسي مواطنا عاديا مصابا بالوباء، عليه أن يخضع لجميع الظروف التي يخضع لها كل المواطنين المرضى لعبور هذه الأزمة.. كانت الشمس قد غربت. بدأ الظلام يخيم على المكان، فيما كانت كشافات النور مشغلة داخل الخيمة الكبيرة ليل نهار، لدرجة لا يصبح لديك فرق بين هذا وذاك إن أنت ظللت داخلها. تماما كما هو الشأن داخل السجون .

” الصلاة خير من النوم ”
عدت لفراشي تحت الخيمة. تناولت قرصين من الأقراص الممنوحة لنا. استلقيت على ظهري وحاولت أن أستسلم للنوم، لعل الوقت يمر بسرعة، فيأتي الغد بشيء جديد. قلت في نفسي : قد نكون وصلنا في وقت متأخر، غادر فيه الأطباء مكاتبهم ليعودوا في اليوم الموالي لتفقد أحوال من حل بالمستشفى خلال غيابهم. أغمضت عيني، لكنهما لم تغمضا. إضافة إلى الكشافات الضوئية التي أخبرني الوافدون القدماء أنها لا تتوقف عن الاشتغال، كان اللغط يتصاعد من كل مكان داخل الخيمة خليط من الأصوات بكل الأعمار، بنبرات مختلفة. كل منها تحاول أن تغطي على الباقي لتسمع. منها من يقهقه قهقهات تشبه النهيق، ومنها من يصرخ بعصبية، وكأنه دخل في شجار مع من يخاطبه في الجهة الأخرى من الخط، ومنها من يقيم صلاة المغرب، بصوت جهوري وكأنه يؤم مصلين بأحد المساجد. وآخر يحكي نكتة. وأصوات أخرى تتحدث عن الوباء أو تحتج عن ظروف العيش تحت الخيم. فكان لدي إحساس وكأني أحاول النوم وسط ” رحبة البهائم أو الخضر بإحدى الأسواق الأسبوعية».
تقدم الليل. وتغير الجو داخل الخيمة. فشعرت بالبرد. وتفقدت الأغطية. انتبهت إلى أن الموظف الذي أوصلني لخيمتي، وعدني أنه سيعود ليمدني بالأغطية اللازمة، إلا أنه لم يفعل. احتفظت بملابسي علي، وتدثرت بإزار أحضرته صدفة. رغم ذلك، بقيت أتقلب بالفراش بحثا عن الدفء وعن النوم . لا هذا ولا ذاك استجاب. ظل الضجيج ينقص رويدا رويدا، أو ربما أنا من تناسيته، لأنني انطلقت في مراجعة لمقاطع من حياتي. أسترجع خلالها هفواتي وأخطائي، كما تذكرت، لا أدري لماذا، كل الأصدقاء الذين جمعني بهم قطار الحياة، لكن سبلنا تفرقت. فتابع كل منا مسيرته دون الالتفات للآخر. كنت أحاول أن أجد الأسباب والأعذار للطرفين. بفضل هذا الهروب إلى الوراء، تناسيت المكان والزمان، قبل أن أفاجأ بأحدهم يتنقل بين الخيام للتهليل في البداية، وكأنه مؤذن فوق صومعة أحد المساجد، بأحد الأحياء، ثم ليعلن صلات الفجر صارخا: « الصلاة خير من النوم «، أجبته في نفسي : ” الصلاة خير من النوم بالنسبة لمن نام واستراح، أما بالنسبة لمن لم يغمض الأجفان، فبقاؤك في الفراش خير من الأذان” .
ظلت كاشفات الضوء تسلط علينا أضواء تنفذ إلى داخل الرأس فتسبب الشقيقة ، أكثر مما تفيدنا في أي شيء. الوقت يمر بطيئا وكأن اليوم يوم رمضان. بدأ الجوع يدق أبواب المعدة. الأقراص المتناولة تطلب نصيبها من الطعام. الجميع يتحدث عن مخلفات أدوية الوباء التي لا تقاوم إلا بالأطعمة الجيدة. سألت أحدهم متى يقدمون لنا الفطور، فأجابني متهكما :» لما يكون جاهزا» . قلت: “ومتى يكون جاهزا؟”. قال: ” خلال الصباح”.
الثامنة والنصف وزع الفطور: ما قل ودل. خبز بارد وقطعة جبن ومربى، مع نصف لتر من الحليب. ثم وضعت أباريق القهوة والشاي في الأزقة، بين الخيام، ليتهافت عليها المرضى يملؤون «التيرموصات» بدل الكؤوس. لم أعد أتحمل الوضع. زاد الألم بزيادة العصبية والقلق، رغم تناول الأقراص. أصبحت مقاومتي النفسية هشة، وصرت عدوانيا حتى إزاء المرضى.
لأشم الهواء، غادرت خيمة البلاستيك الكبرى التي تتدفق داخلها أضواء الكاشفات في واضحة النهار. التحرك مسموح للمرضى الذين يعدون بالمئات، داخل ساحة، لا تتعدى مساحتها ألف متر. ذكرني منظرهم بما شاهدته من أفلام حول السجون. كانت المقارنة تفرض نفسها، سيما أن أعدادا من سيارات الدرك الملكي والجيش كانت تحيط بالمكان، فيوحي مشهدها بالتهديد لا بالحراسة. التحقت بي زوجتي بعدما هاتفتها لأطمئن على حالتها. كانت وضعيتها الصحية لا تنبئ بخير، تشكت لي بدورها من ألم الشقيقة بسبب ضوء الكاشفات الذي لم ينطفئ طيلة الليل. حاولنا الجلوس بمكان ما، لكن القليل من الكراسي التي وضعتها الإدارة رهن إشارة المرضى احتكرها بعضهم. عندما يتعبون من الجلوس عليها، يتجولون بها وهي محمولة على الأكتاف أو متأبطة.
التفكير في الهروب
طلبت مني زوجتي أن أتصل بأحد المسؤولين لأحتج عن الوضعية أو أطلب تغييرها، لأننا لم نعد نتحمل ظروفنا. بدأت أبحث عن مسؤول أحاوره. لم أصادف إلا أحد المأمورين الذين يكتفون بتبليغ التعليمات وتطبيق الأوامر. رغم ذلك زودني بمعلومات هامة، مفادها أنه ليس هناك طبيب ولا حتى ممرض يزور المرضى ليطمئنهم على حالاتهم، وأننا هنا لقضاء أسبوع بكامله، نتناول خلاله ما أمدونا به من أقراص، تم يخلى سبيلنا.
أخبرته أني قررت مغادرة المستشفى فضحك وقال : ” هذا مستحيل . لم يحدث أن غادر أحد الثكنة قبل نهاية الأسبوع المحدد له.” قررت الهروب خلال الليل، لأن الحراس يستسلمون للنوم، فتضعف الحراسة المشددة خلال النهار. لكن وجود زوجتي معي كان عائقا لي. قالت لي زوجتي بصوت مرتفع ينم عن عصبية قصوى، مما أثار انتباه المرضى من حولنا :
«تحرك يا أستاذ، يا صاحب الأستاذيتين. أين ثلاثين سنة من إلقائك الدروس بالتعليم وعشرين سنة من الممارسة بوزارة العدل ؟ أين تلامذتك ؟ أين معارفك ؟ أين علاقاتك؟ أين أصحابك ؟ أبعد خمسين سنة من خدمة الدولة تجد نفسك مرميا، وأنا معك، بهذا المعتقل المقنع؟ ”
طأطأت رأسي بعدما جلست القرفصاء. وخلال دقائق معدودات، دارت بمخيلتي سنوات من مساري المهني. فقررت، رغما عني، أن أعود إلى مغربيتي، وأن أتصرف مثل المغاربة، المستعملين لعبارات:” اعرف امعامن كتتكلم» و» اللي ما عندو سيدو ، عندو لالاه» « واجري اطوالك». الخ…تصرفت هكذا، على الأقل لحماية كرامتي أمام زوجتي.
مرت أقل من عشرين دقيقة، بعد المكالمة التي قمت بها ولجوء كل منا، زوجتي وأنا، إلى فراشه لنتمدد، لأن الألم والحمى كانا قد أخذا منا مأخذهما، وإذا بهاتفي يرن، لتخبرني زوجتي أنه تم نقلها بسرعة وعناية فائقتين إلى العمارة المخصصة للشخصيات المهمة. وقبل أن أكمل مكالمتي، كان رجلان واقفين أمام خيمتي، للتكفل بحمل أمتعتي إلى مكان أجود، حسب عبارتهما، معاتبينني على عدم إخبار الإدارة أني من جهة ” فرتلان “. ثم توالت علي المكالمات لتطمئن على حالي وتخبرني أنها رهن إشارتي عند الحاجة، من أناس أجهل أسماءهم وأرقام هواتفهم. لم أكن راضيا عن تصرفي ولا عن تغيير الوضعية في رمشة عين، لكن أخاك كان مرغما وليس بطلا.
*كاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى