تحقيق

״الصباح״ فـي قلـب شبكـات الكوكاييـن

تفاصيل مثيرة عن نشاط ثلاث عصابات في الناظور وجميلات مسؤولات عن تهريبه من مليلية

بينما كان الناظوريون يستمتعون بمشاهدة أفلام المهرجان الدولي للسينما, كانت أحداث رعب وإثارة تجري في منطقة بني أنصار يعجز أمهر المخرجين السينمائيين عن تصوير مشاهدها… مطاردات بالسيارات، ودراجات “مجهولة” يبسط سائقوها نفوذهم على المنطقة، وتوجس وخوف من انتقام بارونات الكوكايين.

بينما كان الناظوريون يستمتعون بمشاهدة أفلام المهرجان الدولي للسينما, كانت أحداث رعب وإثارة تجري في منطقة بني أنصار يعجز أمهر المخرجين السينمائيين عن تصوير مشاهدها… مطاردات بالسيارات، ودراجات “مجهولة” يبسط سائقوها نفوذهم على المنطقة، وتوجس وخوف من انتقام بارونات الكوكايين.

“ليس من سمع كمن رأى”، جملة تلخص ما عاشته “الصباح” حين قررت اقتحام شبكات الكوكايين في منطقة بني أنصار، إذ عاينت طريقة اشتغالها وتوزيع المهام بين أفرادها وجبروتهم، في أحيان كثيرة، فأعضاء الشبكات عبارة عن مليشيات مسلحة تشرف على تهريب كميات من المخدرات الصلبة، قبل إعادة توزيعه على تجار التقسيط.

الميناء… الكوكايين مباح

دقت عقارب الساعة السابعة مساء، فتسلل الهدوء إلى مدينة بني أنصار، فالجو الماطر والرياح القوية دفعت أغلب سكانها إلى الاحتماء بجدران المنازل، وقلة من الشباب قصدوا المقاهي لتتبع مباريات كرة القدم أو الانتشاء بتدخين الحشيش أو لعب “الرامي”.
لم تحترم بعض السيارات هدوء المدينة، فسرعتها المفرطة تثير فضول الزائرين، رغم أنها بالنسبة إلى السكان حركات عادية لأسطول سيارات ودراجات النارية في ملكية شبكات الكوكايين، بعضها مهمته المراقبة، وأخرى للتوزيع أو التدخل في حال الشك في هوية شخص ما.
تسلل الخوف إلى بعض مرافقي “الصباح”، بعد التوصل إلى المعلومات الأولية بخصوص شبكة للكوكايين يتزعمها “م.ي”، وتتخذ من منطقة الميناء مكانا لها، وتتوفر على ثلاث سيارات، بعضها مكلف بالمراقبة، فالليلة طويلة، وكل المؤشرات تشير إلى خطورة الشبكة وسوابقها في الاعتداء على المتلصصين على أنشطتها.
اتخذت “الصباح” قرار قضاء ساعات وسط شبكات الكوكايين بالمنطقة، بعد تلقي تطمينات من “مرشد” قدم من السعيدية خصيصا للمساعدة في كشف أسرار وعلاقات هذه الشبكات.
رفع “المرشد” الهاتف المحمول، ثم اتصل بأحد مروجي الكوكايين، طالبا مده بكمية منه، فرد الآخر بأن “السلعة” متوفرة، وعليه التوجه إلى منطقة خالية أمام ميناء المدينة، يحدها مسجد كبير ومصنع للخردة في ملكية مغربي اعتقل، أخيرا، في إسبانيا ويطلق عليه لقب “خياط داعش”.
بدأ التوتر يتسرب المرشد، فلغة التواصل تقتصر على الريفية فقط، وهي “كلمة السر” بين تجار المخدرات بالمنطقة، وإذا حدث أن تكلم أحدهم ب”الدارجة”، فذاك يعني تزايد شكوك المروج، ما يستوجب الاستعانة ب”خبراء” الشبكة لكشف هويته، تحسبا لإمكانية أن يكون كمينا للشرطة.
كانت التعليمات واضحة: لا تتحدث إطلاقا، ولا تنظر في عيون مزودي الكوكايين، وتفادى حمل الهاتف المحمول، حتى لا يعتقد المروج أنك تلتقط صورة فوتوغرافية له، وفي حال الإخلال بهذه الشروط تنتقل الشبكة إلى خطتها الثانية باستعمال السيوف وأشياء أخرى، وربما تلجأ إلى القتل، فهي غير مستعدة للتضحية بأفرادها.
تحركت السيارة إلى ساحة الميناء، المكان المتفق عليه بين الطرفين، ثم أوقف السائق محركها وأضواءها، في انتظار مروج الكوكايين، لكن مرت دقائق، دون جدوى.
زاد صفير الرياح والظلام الدامس الساحة تشويقا وخوفا، إذ لا ترى إلا سيارات تقف دقائق قليلة، ثم تغيب في الظلام. وما زاد من الارتياب، مرور سيارات صنفها “المرشد” ضمن أسطول الشبكة المكلف بالمراقبة في الساحة، إذ يتعمد الجالسون داخلها تفحص الوجوه، وهي احتياطات أساسية، قبل حضور “زعيم” الشبكة أو مساعديه الأقربين، خصوصا إذا كانت الكمية كبيرة، ويستعين المروجون بفرق الاستطلاع لضمان سلامتهم من ضربات غادرة من الخصوم أو الاعتقال من الأمن.
ظلت سيارات المراقبة، التابعة للشبكة، تجوب الساحة، وطال غياب زعيمها عن المكان المتفق عليه، ومرت دقائق قليلة، لكنها طويلة، فالرياح زادت من سرعتها، والمكان موحش مظلم يشعر بالوحدة، فبالكاد تمتد الرؤية إلى أمتار قليلة، والسيارات تمر بسرعة، ثم تختفي، ما دفع المرشد إلى إعادة الاتصال هاتفيا، فرد “الزعيم” أن هناك طارئا يستدعي تغيير نقطة اللقاء.
تصنف الوجهة الجديدة المتفق عليها ضمن المناطق المحظورة على الغرباء، وتقع في أقصى ساحة الميناء، ولا يلجها إلا عتاة المجرمين، وهو مكان شبه محمي من تجار الكوكايين.
تقدم “المرشد” إلى وجهته الجديدة متوجسا، فكل تراجع منه عن الموعد يعني مزيدا من شكوك العصابة.
فجأة، اعترضت سيارة دفع الرباعي سيارة الزبون، في حركة تشبه الأفلام، ووقفت سيارة أخرى أمام السائق، وأشعلت أضواءها الداخلية، فظهر أربعة شباب لا تتجاوز أعمارهم ثلاثين سنة، فبدوا مثل أسود جائعة على أهبة الانقضاض على فريستهم.
مد أحدهم يده من نافذة السيارة بكمية من الكوكايين لُفت في قطعة بلاستيكية بيضاء اللون، بالمقابل تسلم مبلغا ماليا، ثم ابتلعت الأرض السيارة، في ثوان قليلة، وعادت الساحة إلى سكونها الليلي.

سيارة أجرة لنقل الكوكايين

تتحصن الشبكة الثانية لتهريب الكوكايين بعدة أحياء، أهمها “إعسان” و”أولاد سالم”، وتمتلك سيارة رباعية الدفع وأخريات من نوع “مرسيديس”، إضافة إلى دراجات نارية عديدة مهمتها توزيع المخدرات.
قادت هذه المعلومات “الصباح” إلى الانتقال إلى أحد الأحياء لاقتحام عالم الشبكة الثانية، ففي هضبة صغيرة وقفت سيارة رباعية الدفع يحيط بها أشخاص مفتولو العضلات، منهم زعيم الشبكة، الذي لا يغادرها، إلا لماما، في حين كانت دراجات نارية تطوف الحي بأكمله لمراقبة المنطقة، ثم تعود بالأخبار إلى الزعيم.
يتفادى زعماء هذه الشبكات الاتصالات الهاتفية، فربما كانت تخضع للمراقبة، لذلك استعانوا بالدراجات النارية التي ترابط في مفترقات الطرق والأزقة، ويستغلون بعض بائعي السجائر بالتقسيط أو محلات البقالة من أجل رصد كل الحركات المشبوهة.
“إنها شبكة خطيرة”، يقول المرشد، ففي سيارة رباعية الدفع السوداء اللون توجد أسلحة بيضاء تستعمل وقت الحاجة، أما السيارات الأخرى، فلم تتوقف عن التجول لتزويد زبنائها، ثم تعود إلى نقطة انطلاقها من أجل التزود بكميات جديدة.
توزع هذه الشبكة، في اليوم الواحد، كما عاينت “الصباح”، أزيد من كيلوغرام من الكوكايين، علما أنه عبارة عن مزيج من مواد كيميائية ظهرت حديثا في الأسواق، وتكلف أفراد الشبكة 10 دراهم للغرام، الذي يتم بيعه ب 600 درهم، ويصل نفوذها إلى المدن المجاورة، وأغلب أعضائها مبحوث عنهم بموجب مذكرات بحث وطنية أو وردت أسماؤهم في مساطر مرجعية.
لا يقتصر عمل الشبكة الثانية على الكوكايين، ففي الأحياء نفسها تنشط تجارة النبيذ المهرب من مليلية المحتلة، ما يضاعف مداخيلها بشكل كبير.
في حدود منتصف الليل، ظهرت سيارة أجرة بيضاء اللون، ثم حولت الاتجاه إلى الوراء بطريقة تكشف عن احترافية سائقها، ثم سرعان ما لحقت بها سيارات الشبكة، ثم اختفت سيارة الأجرة.
يقول “المرشد” إن سيارة الأجرة تحل بالمكان في هذه الفترة، إذ يساعد بعض سائقيها المهربين في ترويج الكوكايين في مناطق عديدة، خاصة في بعض الفنادق الفخمة بالمنطقة أو الملاهي التي تمتد من الناظور إلى السعيدية، وربما إلى وجدة.
لا تتوقف شبكة ترويج الكوكايين عن نشاطها، طيلة اليوم، إذ تتحدث بعض المصادر أن ذروة بيعه تبدأ من الساعة الرابعة عصرا، حيث يتوافد على المنطقة المدمنون وتجار التقسيط من المدن المجاورة.
ولا تسمح الشبكة لأحد بالاقتراب من مركز نفوذها، فالكل على أهبة للانقضاض على “الأعداء”، وإن حدث أن تجرأ أحدهم على الاقتراب، فمصيره مجهول، يلخص المرشد.

شبكة الحدود

تصنف الشبكة الثالثة في تهريب الكوكايين، ضمن أخطر الشبكات بالمنطقة، وتنشط قرب المستوصف الجديد والحدود مع مليلية المحتلة، ولها أسطول من السيارات والدراجات النارية.
وتتراوح أعمار أعضائها بين 19 و 26 سنة، بعضهم من ذوي السوابق القضائية، ويتقاضون مبالغ مالية مهمة، وأغلبهم يملك سيارات فارهة أو دراجات نارية من الحجم الكبير لا تتوفر على وثائق الملكية.
اختارت هذه الشبكة التهريب في منطقة نفوذ الدرك الملكي، إذ يستعين زعيمها بمعاونين أغلبهم يملكون سيارات بوثائق وصفائح مزورة، وتوزع حوالي 900 كيلوغرام من المخدر نفسه، بل اشتهر بأنه الموزع الأول للكوكايين على باقي الجماعات القريبة من المنطقة.
استمدت الشبكة خطورتها من لجوئها إلى الأسلحة البيضاء وأحيانا البنادق، إضافة إلى أن أعضاءها موضوع مذكرات بحث وطنيا، ووردت أسماء بعضهم في المساطر المرجعية لأكبر البارونات الذين اعتقلوا، خاصة “ع.ع” الملقب ب”حمى طونيوا” و”ج.ز”، الملقب ب”بوتقنينت”.
الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، هدوء بالناظور، غير بعيد عن بني أنصار، ثم بدأ سباق للسيارات يشبه، كثيرا، أفلام “الأكشن”، وأغلب السائقين، كما علمت”الصباح” من بعد، أبناء أثرياء من متعاطي الكوكايين وحركاتهم في الطرقات دليل على إدمانهم للمخدر نفسه، وغالبا ما تؤدي حركاتهم إلى حوادث سير قاتلة.

“المنشـار”

يعتبر “المنشار”، لقب مغربي يستقر بمليلية المحتلة، المزود الرئيسي لشبكات الكوكايين في بني أنصار والمدن المجاورة، إذ اختار إغراقها بنوع مغشوش منه، وتخفيض ثمنه للإيقاع بأكبر عدد من الشباب، ومنهم المنتمون إلى الفئات الفقيرة، علما أن أحياء بعينها فاق فيها ترويج الكوكايين باقي أنواع المخدرات، ومنها مناطق ببني أنصار وفرخانة ووسط الناظور والملاهي وضواحي المدينة، إضافة إلى سلوان والعروي…
وتتم طريقة تهريب “المنشار” للكوكايين من مليلية إلى المغرب عن طريق وسيلتين، الأولى انطلاقا من المعبر الحدودي باب فرخانة باستغلال بعض ممتهني التهريب المعيشي، لكن بكميات محدودة، أما أغلب الكميات الكبيرة، فتُهرب من باب مليلية باستغلال فتيات يدن بالولاء لزعماء الشبكات ويتوفرن على مواصفات محددة، ويقدن سيارات فارهة، إضافة إلى التهريب بطرق أخرى، رفض المصدر نفسه كشفها، حماية لنفسه.
وترتبط هذه المافيا، غالبا، بعلاقات معقدة مع شبكات مماثلة في إسبانيا، إذ قدرت بعض التقارير عدد العمليات المالية المشتركة بالعشرات، في ظرف قياسي، أغلبها يتزعمها مغاربة في سبتة ومليلية المحتلتين، ولهم سوابق في تبييض أموال المخدرات، ناهيك عن عائدات الهجرة السرية ورغبة “زعمائها” في التواري عن الأنظار، ريثما “تهدأ العاصفة”.

كوكايين مغشوش

دقت جمعية حقوقية ناقوس الخطر من انتشار الكوكايين بالمنطقة، خاصة أن شركة إسبانية تخصصت في إنتاج مواد كيميائية يتم مزجها بكميات قليلة من المخدرات القوية، ما ينتج عنه مزيج يتميز بتأثيره على المدمنين، وسرعة انتشاره بين فئات عديدة.
وأوضح المصدر نفسه أن المصالح الأمنية في جل الأقاليم المحاذية لمليلية وسبتة المحتلتين أعلنت حالة تأهب لإيقاف مروجي الكوكايين، لكن السوق أصبح يغري هذه الشبكات باستقطاب مروجين غير مشتبه فيهم، كما أن تحريات كشفت وجود علاقات متشعبة لأعضاء الشبكات.

إنجـاز: خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض