حوار

عاجل: الدعم فيروس ينخر المسرح

عبد الإله عاجل قال إن المجانية تضر بالقطاع وتحط من شأنه

قال الفنان عبد الإله عاجل إن أعطاب الممارسة المسرحية تتلخص في تراجع بنيات الاستقبال وسيادة قيم الأنانية وكره الآخر من قبل ممارسي المسرح، وأضاف الممثل والمخرج أن الإعلام كان يمنح هيبة خاصة للمسرح لم تعد موجودة، وأن الدعم الذي تعتمده وزارة الثقافة أضر بالقطاع، كما تحدث عن تجربتي “مسرح الحي” و”مسرح الكاف”، وإشرافه على المهرجان الجهوي الثاني للمسرح الاحترافي. وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

> ما هي أسباب انتقالك من ممارسة المسرح تشخيصا وإخراجا وكتابة إلى الإشراف على مهرجان؟
> لعل هذا الانتقال راجع إلى رغبة دفينة في رؤية حال الممارسة المسرحية أحسن. أكيد أن مهرجانا كيفما كان حجمه لن يكون بمثابة عصا سحرية ستغير كل شي في رمشة عين، لكن نسعى من خلاله إلى خلخلة الوضع الراكد، وإتاحة لحظات مصالحة بين ممارسي هذا الفن، وهو الشعار الذي حملته أول دورة في السنة الماضية “لنتصالح مع المسرح”، جاءت ترجمة لطموح في أن تتصالح البيضاء مع كيانها المسرحي، ويتصالح أيضا الفاعلون في هذا القطاع في ما بينهم، وهو الأمر الذي لاقى تجاوبا من قبل مسؤولي الجهة ليرى هذا المشروع النور ويكون مكتسبا للبيضاويين وسكان المدن المجاورة، بينما حملت الدورة الثانية شعار “لنتواصل” لإعادة بث الحياة في معظم قاعات البيضاء، بما لا يقل عن 18 عرضا مسرحيا في ثلاثة أيام.

> تيمتا “التصالح” و”التواصل” اللتان ركزتم عليهما في دورتي المهرجان توحيان بأن نقيضهما هو السائد في الواقع، ويشكل جزءا من أعطاب الممارسة المسرحية في المغرب؟
> فعلا هناك عطب وخلل يبدأ أولا من الممارسين، الذين يسود بينهم نوع من العداوة غير المبررة، والتجاهل للآخر. لا تشاهد مسرحية لي ولا أشاهد مسرحية لك، لا أقرأ لك ولا تقرأ لي، ليس بالضرورة أن أعتبر أن ما أقدمه هو الأفضل والقدوة، كفانا من الأنانية السخيفة التي جنت على الممارسة المسرحية وأوصلتها إلى الحضيض، بسبب الغرور والتكبر.

> لكن هذه الأنانية التي تتحدث عنها كانت سائدة حتى في فترات ازدهار المسرح المغربي؟
> نعم ولكنها أورثت نوعا من العداوة والحقد بين الممارسين، وصارت واحدا من العوامل التي تحول دون تكاثف الجهود بين الممارسين والتنسيق في ما بينهم من أجل تجاوز الركود الذي تعانيه الممارسة، فليس بالضرورة أن تنشأ عن “الخاوة ف الحرفة” عداوة.

> عاشت البيضاء فورة مسرحية خاصة خلال العقود الأولى التي تلت الاستقلال إلى حدود نهاية التسعينات، لتغرق في مسلسل تراجع مهول… ماذا حدث بالضبط؟
> الفورة والازدهار اللذان كانت تعيشهما الحركة المسرحية راجعان بالأساس إلى اشتغال الفرق المحترفة، آنذاك، على طول السنة، دون أن يكون هناك دعم، لكن في المقابل كانت هناك القاعات السينمائية التي كانت تكترى من قبل الممارسين وتقدم فيها العروض بالتذاكر، الآن أغلقت هاته القاعات بنسبة جاوزت التسعين في المائة، وفقدنا جمهورها الذي كان يرتادها لمشاهدة الأفلام وأيضا العروض المسرحية، حتى إنه تكرست طقوس وتقاليد خاصة للمشاهدة والإقبال على الأعمال الفنية لم تعد موجودة الآن بسبب انقراض القاعات السينمائية.

> لكن هل هذا هو السبب الوحيد؟
> هناك أيضا الإعلام خاصة التلفزيون الذي كان يمنح هيبة خاصة للعروض المسرحية، من خلال الوصلات الإشهارية، لدرجة أنه كان هناك جناح خاص بالوصلات الإشهارية المسرحية بمقر التلفزيون بزنقة البريهي بالرباط، حتى إن أشهر الجمل واللازمات التي تتخلل العروض تصير محفوظة لدى الجمهور قبل مشاهدته العرض، فتجده مهيأ ومتحمسا لمشاهدة العروض، حتى إن الفرق المسرحية خلال تنقلها في المدن المغربية تجد استقبالا وترحابا خاصا، بل إن هذه العروض كانت تساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية للمدن، لأن هناك أشياء عديدة تتحرك بالموازاة مع النشاط المسرحي. بمعنى أننا افتقدنا القاعات السينمائية والترويج الإعلامي، دون أن نغفل أن هدم معلمة من قبيل المسرح البلدي بالبيضاء خلف فراغا مهولا في مدينة كانت مرجعا للحركة المسرحية، ولم تتمكن البدائل من تعويض الفراغ، فضلا عن افتقاد سبل التواصل والترويج، كما أن النقاد الذين كانوا يرفعون العمل المسرحي أو “يخبطونه أرضا” تراجع دورهم بتراجع الملاحق الثقافية بالجرائد، ففي الوقت الذي تخصص قنوات خاصة بالرياضة وكرة القدم لا نجد هناك قناة واحدة خاصة بالفن والمسرح. أين نحن من الثقافة بشكل عام؟ لم يعد هناك تراكم وخلق الفرص لاستهلاك المنتوج الفني، وتوفير أجواء لالتقاء الفنانين ولم شملهم، فلم نملك إلا أن نتجه نحو تقديم مهرجان سنوي على شكل موسم الفروسية أو الحصاد.

تقزيم العمل الفني
> وماذا عن الدعم المسرحي الذي تقدمه وزارة الثقافة، هل ساهم في إنقاذ القطاع؟
> أبدا بل كان له أثر سلبي بكل المقاييس، لأن الاهتمام صار منصبا حول تهييء الملف الإداري والقانوني أكثر من الاهتمام بمحتوى ومضمون العمل الفني نفسه، حتى إننا نجد العديد من مسؤولي الفرق المسرحية لا يفكرون سوى في مبلغ الدعم، وكيفية صرفه وماذا يمكن أن يربحوا، حتى إن اختيار النصوص المسرحية صار يخضع لهذه الاعتبارات، حسب حجم الميزانية، لدرجة أنه لم نعد نرى المسرحيات التي يشارك فيها ممثلون بعدد وافر، إذ تم تقزيم العمل الفني بوجود هذا الفيروس المسمى “دعم مسرحي”، الذي ضرب العملية الإبداعية في الصميم، وجعلها أسيرة حسابات تدفع في بعض الأحيان بعض الفرق إلى تقديم عروضها أمام قاعات فارغة من الجمهور، فأهم شيء هو تهييء فضاءات العرض والمواكبة بالترويج الإعلامي، وإعادة النظر في مسألة المجانية، لأنها أضرت بالمسرح وبخست من شأنه، لأنه لا يعقل أنه عندما تقتني كيلوغراما من اللحم تؤدي ثمنه، وعندما يتعلق الأمر بالثقافة أو الفن نتهرب من الدفع ونبحث عن “الفابور”. يجب أن نؤمن بأن هذا القطاع أيضا حرفة وصناعة ومجهود.

الدعاية سر نجاح مسرح الحي
> على ذكر بنيات الاستقبال.. البيضاء على أهبة افتتاح مشروع مسرحها الكبير، هل تعتقد أن الوضع الفني بالمدينة مؤهل لاستقبال معلمة فنية من هذا القبيل؟
> شيء جميل أن تتعزز البنيات الفنية بمسرح من هذا القبيل، لكن التخوف القائم هو أن يتواصل مسلسل الإقصاء الممنهج للأعمال الفنية الوطنية الذي بدأ في وسائل الإعلام، إلى فضاءات العرض المسرحي، فالأمر يرتبط بمن ستوكل إليه مهمة إدارة هذه المعلمة، ما إذا كان متشبعا ب”تامغرابيت” وتشجيع الأعمال التي تعكسها، أو سيخضع للتوجه الفرنكفوني على حساب الأعمال المغربية، فلا شيء يمنع من الانفتاح على الأعمال الأجنبية لكن يجب أن نتذكر أن هناك فنانين “ولاد البلاد” الذين من حقهم أن تكون لهم فرص للاشتغال وتقديم إنتاجاتهم الفنية للجمهور عبر فضاءات مثل هاته.

> من خلال تتبع مسارك الفني تبدو فنانا حالما، كما حلم رواد آخرون قبلك بعضهم حقق ما تمناه وآخرون رحلوا وفي أنفسهم أشياء من حتى؟
> بطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون هناك فن دون حلم، لكن حلمي دائما مشبع بالأمل والطموح، وفعلا أشعر بالأسى لفنانين رواد رحلوا في جعبتهم أحلام وطموحات كانوا يريدون تحقيقها، منهم الراحل الطيب الصديقي الذي عانى كثيرا في سبيل إخراج مشروع الفضاء الذي يحمل اسمه والذي كان يريد أن يوثق فيه لمساره ومسار المسرح المغربي، بالنظر إلى رصيد الوثائق الهائل الذي يتوفر عليه، لكن المشروع ما زال معلقا حتى بعد الرحيل صاحبه. وأذكر أنني عندما حضرت جنازته وكنت رفقة مجموعة من الأصدقاء، أن الصديق عبد الحميد جماهري فاجأني بعبارة “مات الصديقي وعاش عاجل” التي أبكتني حينها، لأنني شعرت بثقل مسؤولية مواصلة طريق بدأه رجل أسدى الكثير للمسرح المغربي، وسبق له أن لمح لي أكثر من مرة بشكل ضمني أو صريح، أنه يقلدني جزءا من مسؤولية الحفاظ على الوجه المشرق للمسرح، وهو ما سعيت إلى تحقيقه من خلال خطوة تأسيس مهرجان خاص بأبي الفنون، كجزء من حلم مؤجل أعلنت عنه قبل سنوات.

> الملاحظ أن اسمك رسخ مسرحيا في بداياته بتجربة مسرح الحي، الذي قدم نوعا من المسرح الذي يعتمد الاستهداف المباشر لشباك التذاكر.. كيف كانت إرهاصات ميلاد هذه التجربة؟
> أود أن أشير إلى مسألة جانبية، وهو أن اسم الفرقة الأصلي كما كنت أتصوره هو “المسرح الحي” بالتعريف، لكن زميلي الفنان حسن فلان كان يحبذ استعماله بدون تعريف، وهناك فرق بين المعنيين، المهم أن فلان باعتباره مسؤولا إداريا داخل الفرقة قادما إليها من تجارب احترافية مع الصديقي وغيره، هو الذي سطر الرؤية الخاصة بالماركوتينغ، من منطلق أن العمل الفني يجب أن يصل إلى المتلقي و”يسيق ليه لخبار”، لذا كان التركيز على الدعاية المسرحية التي أخذت اهتماما متزايدا في التجربة، بالموازاة مع الاختيارات الفنية التي كنت مكلفا بها حتى لا تكون هناك دعاية للفراغ والرداءة، بل وصلنا في إحدى المرات إلى توزيع مناشير مسرحية “حسي مسي” عبر الطائرة في أحد عروض مراكش.

> هذا في ما يتعلق بالشكل .. ماذا عن المضمون؟
> كما قلت لك كنت مكلفا بهذا الشق، إذ سبق أن بحثت في هذا الموضوع باستلهام نوع مسرحي كان سائدا في الولايات المتحدة الأمريكية خلال نهاية القرن التاسع عشر، وهو نوع من المسرح يعنى بقضايا الساعة والقضايا الآنية، وهو ما حاولناه في الأعمال المؤسسة للتجربة مثل “العقل والسبورة” التي عالجت أعطاب التعليم، وهي من تأليف الراحل العربي باطما، و”حسي مسي” التي تطرقت إلى الهجرة السرية وقوارب الموت، و”شرح ملح” التي عالجت مستشفيات المجانين، ثم “حب وتبن”، هذه الرباعية شكلت عناوين تجربة مسرح الحي التي تخرجت منها أسماء كثير منها من حافظ على تألقه ونجاحه حتى بعد توقف التجربة، التي اعتمدت الإضحاك باستعمال الهموم والمشاكل اليومية، وكسر قاعدة النجم الواحد إذ كان توزيع الأدوار يتم بشكل متوازن لدرجة أنه “واحد ينسّيك فلاخر”.

التجريب متعتي
> لماذا ظللت مصرا على المحافظة على شعرة معاوية مع المسرح التجريبي رغم نجاحك في المسرح “التجاري”؟
> دائما كنت أعتبر هذا النوع من المسرح هو الذي أجد فيه متعتي الخاصة، رغم تكويني العصامي، إذ أنه بالموازاة مع تجربة مسرح الحي، وقبلها تجربة الثنائي “عاجل وفلان” التي لم تكن ترضي طموحي لأنها كانت ظرفية وآنية، كنت حريصا على تقديم أعمال مسرحية أخرى مع تجربة “مسرح الكاف” التي كانت تحقق لي “الجذبة” المسرحية التي أنشدها، من خلال أعمال من قبيل “بوتليس” و”تيسليت” و”سيدنا قدر” و”الديماغودي” و”صرخة شامة” ثم “هي هكا” وتعاملت فيها مع كتاب مختلفين منهم سعد الله عبد المجيد ومحمد قاوتي وحسن نرايس وغيرهم.
في سطور
– من مواليد 1957 بالدار البيضاء
– أحد مؤسسي فرقتي مسرح الحي ومسرح الكاف. ـ
– أسّس مع رفيق دربه حسن فلان تجربة الثنائي، ومسرح الحي منذ العام 1986، ثم مسرح الكاف، ومن أبرز أعماله مسرحية “حب وتبن”، و”شرح ملح”، و”حسي مسي”، و”العقل والسبورة” وشارب عقلو” و”غيرها.
– شارك في العديد من الأعمال التلفزيونية منها مداولة والسلسلة التربوية “ألف-لام” و”السراب” و”دار سيد العربي” و”موعد مع المجهول” و”المستضعفون” و”سير حتى تجي” و”حال وأحوال” و”مومو عينيا” و”قلوب تائهة” و”الوجه الآخر” وغيرها.
– من الأفلام التي شارك فيها “حمرا و خضرا” و”شفاه الصمت” و”رحلة إلى طنجة” و”خفة الرجل” و”مسافة ميل بحذائي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق