ملف عـــــــدالة

قانون المالية 2019: الهيني: انتكاسة للدستور

الهيني قال إن منع الحجز على أموال الدولة يشكل انقلابا على الدستور واجتهادات القضاء الإداري والعادي

أكد محمد الهيني، الحقوقي والمحامي بهيأة تطوان، أن الحماية القضائية لا تكتمل إلا بتمام تنفيذ الأحكام، ولا قيمة لأحكام القضاء إذا لم يتم تنفيذها، واضاف في حوار مع “الصباح” بخصوص المادة 9 من مشروع قانون المالية، أن الإدارة ملزمة قانونا ودستورا بالخضوع إراديا وتلقائيا للقاعدة القانونية بمفهومها الواسع، مادام تفعيل مفهوم العدالة الإدارية يستند إلى إجبارية خضوع الإدارة تلقائيا
وبحسن نية لمبدأ الشرعية الدستورية.

< ما وجه عدم دستورية المادة 9 من مشروع القانون المالية؟
< لا يخفى أن تنفيذ الأحكام القضائية هو الهدف المتوخى من اللجوء إلى القضاء، إذ لا ينفع الحديث عن حق لا نفاذ له، كما أن عدم التنفيذ أو التأخير فيه يلحق ضررا جسيما بالمحكوم له، ويؤثر بالتالي على مصداقية الأحكام وعلى ثقة المواطنين في القضاء.
وتكمن أهمية موضوع تنفيذ الأحكام القضائية في أنه أسمى تعبير من كل الأطراف المعنية عن تمجيد القضاء وتكريم السلطة القضائية، وفي الوقت ذاته اعتراف بحقوق المواطنين واحترام وتكريس لحقوق الإنسان.
و تطور مبدأ تنفيذ الأحكام إلى أن صار مبدأ دستوريا كرسه الفصل 126 من دستور المملكة بتنصيصه على ما مؤداه «يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء». وفي الواقع لا قيمة للحماية القضائية بدون تحقق تنفيذ الأحكام النهائية، خاصة منها الصادرة في مواجهة الدولة. ولاشك أن مرور ثماني سنوات على المصادقة على الدستور الجديد، لم يحل دون رصد واقع لا يرتفع يتجلى في تسجيل مواقف سلبية في حق الإدارة المطلوب ضدها التنفيذ وتفاوتها بين امتناعها الصريح عن التنفيذ، مرورا بتراخيها في التنفيذ، وصولا إلى تنفيذها الناقص لقوة الشيء المقضي به.
وهكذا أصبحت ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام الإدارية تستدعي حلولا ناجعة ومكرسة لمبدأ احترام أحكام القضاء الإداري وضرورة تنفيذها، لأن الحماية القضائية لا تكتمل إلا بتمام تنفيذ الأحكام، ولا قيمة لأحكام القضاء إذا لم يتم تنفيذها، سيما في ظل تطور القيم والمبادئ الديمقراطية في الدولة القانونية، التي تعتبر الإدارة مثلها مثل الأفراد ملتزمة بتنفيذ الأحكام المكتسبة لقوة الشيء المقضي به.
ومن المهم الإشارة أن المادة 9 من مشروع القانون المالي لسنة 2019 بمنعها الحجز على أموال الدولة، تشكل انقلابا على الفصل 126 من الدستور واجتهادات القضاء الإداري والعادي، وتشكل جريمة تحقير للمقررات القضائية.

< كيف تعاملت الاجتهادات القضائية مع الحجز على أموال الدولة بغرض التنفيذ؟
< لقد أفرزت مختلف التطبيقات القضائية سواء العادية منها أو الإدارية على وجه الخصوص، حرص القاضي الإداري على اعتماد وسيلة الحجز وفقا لشروط معينة من أجل إجبار الإدارة التي لا يخشى إعسارها على تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، خلافا لما أقرته المادة 9 من مشروع قانون المالية.
وهكذا اعتبرت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أن «المال المحجوز المرصود أصلا لتسديد التعويضات المحكوم بها …يقبل الحجز … وأن مسطرة الحجز لدى الغير تعد وسيلة من وسائل التنفيذ الجبري التي يمكن لكل دائن يتوفر على دين ثابت أو سند تنفيذي، استعمالها طبقا للشروط والمقتضيات الواردة بالفصل 488 وما يليه من قانون المسطرة المدنية … حتى يمكن المجادلة في حجية الشيء المقضي به".
وتواترت الاجتهادات القضائية الإدارية على هذا المسلك، مؤكدة على: «أنه إذا كان لا يجوز الحجز على الأموال العامة للدولة والأشخاص المعنويين باعتبار أن الحجز والتنفيذ عليهم من شأنه أن يعرقل ويعطل وظيفة النفع العام الملقاة على عاتقهم، فإنه استثناء من ذلك يجوز الحجز على الأموال الخاصة لأشخاص القانون العام، متى كان الحجز بحسب تقدير السلطة القضائية المقررة للحجز ليس من شأنه عرقلة سير المرفق العمومي أو تعطيل خدمات جمهور الناس به، أو متى تم رصد الأموال للتنفيذ ولسداد التعويضات المعنية بالأحكام».
واعتبر الاجتهاد القضائي الإداري أن وجود صعوبة للإدارة في تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها، يشكل ظروفا خاصة بها، ولا علاقة لطالب التنفيذ بها، وبالتالي فإنه من واجب الإدارة سلوك الإجراءات اللازمة من أجل تنفيذ هذا الحكم، لا أن تعمل على اختلاق أعذار ومبررات لتعطل عملية التنفيذ، مادام لا يوجد بالملف ما يفيد قيام الإدارة باتخاذ أي إجراء ايجابي يستشف منه عزمها على القيام بعملية التنفيذ، مما يجعل إثارتها للصعوبة في التنفيذ المبنية على ظروف تتعلق بها غير مبني على أساس، وينم فقط عن وجود تماطل من جانبها لتنفيذ الحكم المستشكل في تنفيذه.

< كيف يمكن إصلاح الجوانب التشريعية في مجال تنفيذ الأحكام؟
< لقد كان من نتائج التكريس الدستوري لمبدأ تنفيذ الأحكام، وإقراره لمسؤولين الدولة في تطبيق القوانين، أن أصبح الوزراء مسؤولون دستوريا عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي (الفصل 93) تحت إشراف رئيس الحكومة باعتباره صاحب السلطة التنظيمية (الفصل 90).
وإذا كان رئيس الحكومة يمثل الدولة أمام القضاء، فإن عدم توفر ميزانيته على اعتمادات مالية من أجل تنفيذ الأحكام، يطرح إشكالا حقيقيا في غاية الأهمية والخطورة في الوقت نفسه بالنسبة إلى الأحكام القاضية على الدولة مباشرة بأداء مبالغ مالية، من جهة تحديد الجهة المخاطبة بالتنفيذ، والحساب المالي المرصود له، سيما أمام تعاظم دور مؤسسة رئاسة الحكومة واستقلالها عن باقي الوزارات ماليا وإداريا، وتمتعها بالشخصية المعنوية.
ومن المهم الإشارة أن عدد ملفات التنفيذ ضد الدولة، التي تتطلب حلا عاجلا لمواجهتها صارت مرتفعة جدا بشكل لا يتصور، سيما وأن المستفيدين من هذه الأحكام ما فتئوا يتقدمون بطلب لتحرير محاضر امتناع في مواجهة الدولة في شخص رئيس الحكومة، لذلك يقترح إيجاد حلول عاجلة للتنفيذ، وتوفير ميزانية بهذا الخصوص، لأنه لا قيمة للأحكام بدون تنفيذ، ولا قيمة لدولة الحق والقانون بدون حماية فعالة لحقوق المواطنين بالوصول إليها وتنفيذها بسرعة ويسر وفي أقرب الآجال.

إصدار قانون خاص بالإجراءات الإدارية
إن محدودية الحلول التي اهتدى إليها القاضي الإداري لإجبار الإدارة على تنفيذ أحكامه والمتميزة هي الأخرى بمرجعية القانون الخاص، وعدم اقترانها بآليات قانونية، كفيلة بإجبار الإدارة على التنفيذ، وتفريعا على ذلك، فإن أي مقاربة قانونية لإشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية والحلول تقتضي، إزالة كل أشكال الشطط والتعسف المنافية للشرعية والقانون، بالتزام الإدارة صحيح القانون في قراراتها وأعمالها الإدارية والمادية، واستحضار المرتكزات الدستورية لإشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية، باعتبارها مدخلا لأي معالجة تشريعية لاحقة، وخضوع الجميع إدارة ومواطنين لقوة الشيء المقضي به طبقا لمبدّأ المساواة أمام القانون والقضاء. مع إصدار قانون خاص بالإجراءات الإدارية مستقلا عن قانون المسطرة المدنية في أفق إحداث المحكمة العليا الإدارية، وتخصيص باب مستقل بتنفيذ الأحكام الإدارية ، وتفعيل دور مؤسسة قاضي التنفيذ في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية مع اضطلاع كل محكمة إدارية بتنفيذ أحكامها، وبواسطة المفوض القضائي المختار في حالة وقوع التنفيذ خارج الدائرة القضائية للمحكمة التي أصدرت الحكم المراد تنفيذه.

صون الأمن القانوني والقضائي
إن الإدارة ملزمة قانونا ودستوريا بالخضوع إراديا وتلقائيا للقاعدة القانونية بمفهومها الواسع مادام تفعيل مفهوم العدالة الإدارية يستند إلى إجبارية خضوع الإدارة تلقائيا وبحسن نية لمبدأ الشرعية الدستورية، ليس فقط سلبا، بالاستنكاف عن مخالفة ما قرره القضاء، بل كذلك إيجابا بالعمل على اتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتنفيذ قوة الشيء المقضي به .
وتجدر الإشارة في الأخير أن المادة 9من مشروع القانون المالي الحالي كما المشاريع السابقة التي وقع إسقاطها منه تشكل انتكاسة للدستور ولدولة الحق والقانون، وتهديدا حقيقيا وجديا لحصانة الأحكام القضائية ووجوب تنفيذها، طبقا للفصل 126 من الدستور، وتشكل بحق التفافا على المشروعية وسيادة حكم القانون من خلال الانتقاص من أحكام المحاكم وجعلها هي والعدم سواء، وخرق مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء، لأنه لا يعقل أن تحصل الإدارة ديونها في مواجهة الأفراد بالسرعة والإجبار والإكراه والحجز المباشر على الأرصدة المالية من خلال تقنية الإشعار للغير الحائز، فيما تبقى الإجراءات المتخذة بحقها بطلب من المحكوم لهم حبرا على ورق، فضلا عن أن مشروع قانون المالية غير مختص بتنظيم قواعد التنفيذ الجبري للأحكام، باعتباره قانونا ذا طبيعة مالية، الشيء الذي يستدعي موقفا واضحا وحازما من جميع المختصين وهيآت المجتمع المدني لرد أي انتهاك يمس بمصداقية القضاء وأحكامه ومبدأ صون الأمن القانوني والقضائي.
أجرت الحوار: كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق