حوار

البرنوصي: 200 عائلة تحتكر الثروة

الكاتب العام لـ “ترانسبرانسي” المغرب قال إن “مليارديرات” لا يؤدون الضرائب وتقاعد الوزراء والبرلمانيين شراء لـ “الولاءات”

أكد أحمد البرنوصي، الكاتب العام لـ”ترانسبرانسي” المغرب، أن الجواب عن سؤال “أين الثروة؟”، موجود لدى المؤسسات المالية وهيآت الرقابة المغربية، وأن ما بين 200 و 300 عائلة تحتكر النسبة الكبرى من الثروة بالمغرب.
وأضاف البرنوصي، أن فئة كبيرة من أصحاب رؤوس الأموال، الذين تتجاوز أرقام معاملاتهم مئات الملايين لا يساهمون بأي درهم في الضرائب، مبرزا أن اقتصاد الريع غير دستوري، ويؤسس للتمييز بين المواطنين، معتبرا كذلك، أن تقاعد وتعويضات الوزراء والبرلمانيين شراء لـ “الولاءات”، وأنه حان الوقت للتراجع عنها. وفي ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار : عصام الناصيري – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

< يبدو أن محاربة الرشوة والفساد غائبة في النقاش الدائر حول النموذج التنموي الجديد، كيف تنظرون إلى هذا المؤشر داخل "ترانسبرا
نسي" المغرب؟
< نعتقد في "ترانسبرانسي" المغرب، أنه قبل الحديث عن النموذج التنموي، وجب الحديث عن النظام السياسي، لأنه هو الذي يوجه ويعكس النظام الاقتصادي. ومن أجل نجاح أي نموذج تنموي، يجب أن يخضع لمجموعة من المعايير، أبرزها توفر شروط دولة الحق والقانون، يكون فيها المواطنون سواسية أمام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإذا تقلد مسؤول أو منتخب مسؤولية ما، يجب بعد مرور فترة زمنية تقييم عمله ومحاسبته. وتحيلني هذه المسألة على التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات، والذي رصد العديد من الاختلالات في مجموعة من القطاعات والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلا أنه مع الأسف، لاحظنا أن هذه التقارير لا تحدد المسؤوليات، ليكون هناك زجر وردع المسؤولين عن تلك الاختلالات. وعلى سبيل المثال أشار التقرير إلى مجموعة من الاختلالات داخل صندوق الإيداع والتدبير، وهو أكبر مؤسسة تمويل عمومية، وكان من الضروري تحديد من المسؤول، لترتيب الجزاءات، وإلا فإن هذه التقارير ستساهم في زعزعة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

< أكد الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير، أن المغرب على أبواب مرحلة جديدة، هل تعتقدون أن هناك رغبة سياسية لمحاربة الفساد، أم أننا سنحمل معنا إرثا من الرشوة والفساد إلى هذه المرحلة؟
< في هذا الباب، نتمنى أن تدشن مرحلة جديدة، إلا أننا ننطلق من تجربة عشرين سنة من تتبع مؤشر إدراك الرشوة، ومنذ 2012 لم يتعد هذا المؤشر معدل 38,4، أي أنه دون المعدل على المستوى العالمي، ومعناه أن المغرب من الدول التي تحارب الرشوة بشكل ضئيل، وبالتالي فنحن ما زلنا تحت المعدل، والمراقبون الدوليون يصنفون المغرب في خانة الأنظمة الهجينة، على اعتبار أن الديمقراطية تدرك بمجموعة من المعايير والمؤشرات. وتحيلنا هذه المسألة إلى الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الرشوة، والتي كانت مطلبا أساسيا للمواطنين الذين خرجوا إلى الشارع في 2011، وهو ما تبنته بعض الأحزاب في شعاراتها في الانتخابات، على رأسها الحزب الذي قاد الحكومة السابقة والحالية. وبالفعل أخرجت الحكومة السابقة هذه الإستراتيجية، التي كانت مطلبا للمجتمع المدني وبعض الفاعلين السياسيين والنقابيين، وكانت المصادقة عليها في دجنبر 2015، ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، ظل التفعيل ضعيفا جدا، لدرجة أننا نتساءل، باعتبار أن الجمعية عضو في لجنة تتبع الإستراتيجية، هل ما زالت هناك بالنسبة إلى جمعيتنا مردودية من تتبعها؟ وربما أنها أقبرت ووضعت تحت الرفوف، خاصة بعد مرور أربع سنوات، ما يوضح أن الإرادة السياسية غير كافية لمحاربة الرشوة بالمغرب، إذ تنقصها نقلة نوعية مقرونة بالعمل.

الفساد يكلف 50 مليار درهم
< هل يمكن أن ترسم لنا خريطة الفساد بالمغرب، وتحديد أبرز وجوهه، هل يتعلق الأمر بأشخاص أم بمؤسسات أو غيرها؟
< الفساد له أوجه كثيرة، يتجلى أولا، في المجال السياسي، عبر انتخابات مزورة وهيآت صورية، وهناك فساد تبادل المصالح (عطيني نعطيك)، على مستوى المناصب، وتوظيف أشخاص محددين على رأس مؤسسات وهيآت، وتفويت صفقات عمومية لأقارب وغيرها. ما يهمنا أن الفساد المالي يستنزف حوالي 5 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يقدر بـ 50 مليار درهم، وهو ليس رقما سهلا، لأنه يؤثر بوضوح على ضعف الخدمات الاجتماعية. وليس الأخطر فقط تلك الأموال التي ينهبها الفاسدون، لكن الكوارث التي تترتب عنها، فمثلا إذا سجل فساد في صفقة لبناء سد، وأدى ذالك إلى تدفق الحقينة، ستكون له آثار مدمرة على السكان ومحاصيلهم ومواشيهم، وميزانية الدولة. كما أن الرشوة تؤثر على جلب الاستثمار، وتطرد المستثمرين، وبذلك تساهم في البطالة.

يجب محاكمة مبددي الأموال العامة
< عن أي نوع من الجزاءات تتحدثون، هل تقصد عقوبات سجنية؟
< نعتقد أن الاختلالات مختلفة ومتنوعة، منها ما يتعلق بأمور تدبيرية بسيطة، وأخرى مرتبطة بتهريب الأموال أو رشوة، وكل حالة تقابلها عقوبة معينة، فتلك البسيطة يكفي فيها مجلس تأديبي، لكن كل ما له علاقة بتبديد الأموال العمومية أو الرشوة، لابد أن يقدم المسؤول عنه أمام النيابة العامة، وأن ترسل نتائج البحث مباشرة إلى المحكمة دون تأخر أو تماطل.

أين مشروع قانون الاغتناء غير المشروع؟
< يعبر السياسيون عن رغبتهم في مكافحة الفساد غير أنهم عاجزون أمامه، ما المانع من محاربته؟
< الموانع ملموسة، ونعرف أن دستور 2011، جاء بمجموعة من هيآت الرقابة، من ضمنها هيأة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومع الأسف القانون المؤسس لها لم تمنحه صلاحيات كافية، وهو مؤشر على غياب الإرادة. وتقدم رئيس الهيأة بإعادة النظر في اختصاصات تشكيل المؤسسة، عبر مقترح قانون جديد، غير أننا علمنا أن مشروع القانون جمد في الكتابة العامة للحكومة.
وتحدث الدستور أيضا عن الاغتناء غير المشروع، وما تزال تفاصيل المشروع تناقش في البرلمان إلى حدود اليوم. وفي الوقت الذي كانت فيه الاقتراحات الأولى في القانون تنص على العقوبات السجنية والغرامات المالية للمغتنين بطريقة غير مشروعة، يناقش البرلمانيون اليوم إمكانية حذف العقوبات السجنية، ما يدل على غياب الإرادة مرة أخرى لمحاربة الفساد.
ونتساءل أيضا في الجمعية عن دور العدالة في محاربة الفساد، وننطلق هنا من مثال تفويت أرض "كازينو السعدي بمراكش" الذي تتبعناه باعتبارنا طرفا مدنيا، وقد حكم ابتدائيا على المتهم الرئيسي في القضية بخمس سنوات سجنا في 2015، واستؤنفت القضية وإلى اليوم فكل شهرين أو ثلاثة تؤجل المحاكمة، وأجلت آخر جلسة كانت مقررة في أكتوبر الجاري، بسبب تعيين القاضي المكلف بالملف في محكمة أخرى، والقاضي الثاني حصل على منصب آخر. بمعنى أن الملف سيعاد إلى الصفر من جديد. وهذا ما يحيلنا على مجموعة من الملفات التي اقترب المغاربة من نسيانها، من قبيل ملف "القرض العقاري والسياحي"، وشركة "السي جي اي"، و"صندوق الضمان الاجتماعي"، الذي ابتلع مجموعة من الملايير، إذن العدالة مدعوة إلى التحلي بالسرعة لتعطي مؤشرا إيجابيا لمحاربة الرشوة.

اقتصاد الريع غير دستوري
< رفع الإسلاميون في المغرب شعار محاربة الفساد وتمكنوا من اكتساح الانتخابات، هل تؤكد الوضعية الحالية فشلهم على هذا المستوى؟
< أعتقد أن السؤال يجب أن يطرح عليهم، لأننا لا نحكم على النوايا، بل على الواقع. بالنسبة إلينا لاحظنا أن أول خطوة قامت بها حكومة بنكيران، أنها أفرجت عن لائحة المستفيدين من اقتصاد الريع، خاصة ما يتعلق بمأذونيات النقل، ولو أنها كانت جزئية، وتم السكوت عنها بعد أسابيع، ولم تذهب نحو تقنين الاستفادة من هذه المأذونيات، أو بعبارة أخرى القطع مع اقتصاد الريع، لأنه غير دستوري، وفقا للوثيقة الدستورية التي تقول بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما تنص على ذلك الفقرة الأولى من تصدير دستور 2011. وحينما نمنح مأذونية نقل أو استغلال المقالع أو الصيد في أعالي البحار أو تفويت ملك عمومي بثمن رمزي، فإننا نخالف الدستور، ونخلق تمييزا بين المواطنين، إذ تمنح الملايين لشخص ما بجرة قلم بينما المواطن البسيط يتقاضى أجرا هزيلا. وكذلك بالنسبة إلى الضرائب، هناك فئة كبيرة معفاة من الأداء، أبرز المنتمين إليها كبار الفلاحين، الذين أعفوا من الضرائب منذ الثمانينات، إذ هناك أشخاص يتجاوز رقم معاملتهم مئات ملايين الدراهم ولا يؤدون الضرائب، بينما الأجير الذي يتقاضى 3 آلاف درهم شهريا مجبر على الأداء، وهذا تمييز غير دستوري.

< تحدثت عن ضرورة القطع مع الريع، هل تشمل هذه الدعوة تقاعد الوزراء والبرلمانيين وتعويضاتهم؟
< هذا مشكل متعلق بالنظام السياسي في المغرب، الذي يعتمد على شراء الولاءات، فمن أجل إسكات المعارضة في زمن ما، اضطر النظام السياسي لمنح بعض الامتيازات، وأصبح من الملح التراجع عنها، على الأقل لأن المغرب دخل إلى عهد آخر منذ مدة. ويقودنا هذا النقاش إلى مسألة العدالة المجالية، وفي إطار اقتصاد الإقصاء والتوزيع غير العادل للثروة، يضطر المواطنون إلى الاحتجاج، وبينت السنوات الأخيرة أن هذا الوضع غير صحي، وأبرز نتائجه، هو عشرات الشباب المعتقلين على خلفية حراك الريف، وبينهم من حكم بعقوبات ثقيلة، ونعتبرهم في الجمعية سجناء سياسيين ومعتقلي رأي، كما نعتبرهم فاضحي فساد، لأنهم بينوا للحكومة والرأي العام أن هناك فسادا، والشاهد على ذلك أن الملك أقال مجموعة من المسؤولين والوزراء، وكان من المفروض على القضاء مراعاة هذه الشهادة المتمثلة في الإعفاء الملكي. وليس هناك فقط حراك الريف، بل هناك حراك جرادة وزاكورة وغيرهما، وإذا لم تكن هناك محاربة للفساد وعدالة في التوزيع الثروة جهويا وبين الأشخاص، فإن المغرب سيشهد احتجاجات جديدة، إذ أظهر تقرير الأمم المتحدة الأخير، أن هناك توسعا للهوة بين الدخل الأعلى وأجور معظم المواطنين، سواء في الفئات المتوسطة أو الفقيرة.

مؤسسات الدولة تعرف أين توجد الثروة
< الكل يتساءل عن الثروة، من يحتكرها في نظركم؟
< المغرب لديه مؤسسات، بعضها ماليةوالبعض الآخر يؤدي دور الرقابة، ولديه حدود ترابية وجمارك، وأجزم أن هذه المؤسسات تعرف أين توجد "الفلوس"، سواء تعلق الأمر بثروة العقار أو ثروة مالية في البنوك أوالعائلات الكبرى. ومن المعلوم حسب دراسات كثيرة، أنه ما بين 200 إلى 300 عائلة مغربية تحتكر النسبة الكبيرة من الثروة، والأغلبية الساحقة من الأسر المغربية عرفت تضررا في ما يتعلق بقدرتها الشرائية، فيما ثروة الفئات الغنية في تصاعد، وهذا الأمر ليس حكرا فقط على المغرب، ولذلك وجبت العودة إلى المحاسبة، وأن تشتغل هيآت الرقابة بشكل جيد.

< كشفت حصيلة الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة، أن أعوان السلطة وموظفي العدالة والقضاء والإدارات العمومية والمؤسسات الصحية يقعون على قائمة المرتشين، إلى أي حد تتفقون مع هذه المعطيات؟
< نتوفر على مركز يدعى مركز المساعدة القضائية ضد الرشوة، ودأب منذ 2009، على إصدار تقارير، ويبين أين توجد نسب الارتشاء حسب القطاعات والجهات، وأؤكد أن تقارير المركز تقاطعت مع نتائج حصيلة النيابة العامة، حول الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة. لكن ما نتمناه أن يتعاطى الخط مع الرشاوي الكبيرة، من قبيل الإطاحة بمدير الوكالة الحضرية بمراكش، لأن أغلب الجرائم المبلغ عنها تتعلق برشاو صغيرة، والرشاوي الكبيرة هي الطامة الكبرى في المغرب، ويمكن أن نصفق للنيابة العامة على هذه الخطوة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق