تحقيق

“النفاخات” و”الإكستازي” … موضة “الدوخة” بطنجة

علب ليلية تستقبل المدمنين بالأحضان ومحلات تبيعها لمراهقين

ليس مبالغا فيه إذا قلنا أن المخدرات في طنجة متوفرة كما الخبز في الأفران، إذ يكفي أن يتوفر المرء على بضع معارف في صفوف المستهلكين والمروجين، حتى يتسنى له الحصول على أي نوع يطلبه، حسب سعة جيبه وجودة المنتوج الذي يبحث عنه. ولعل هامش حرية التعاطي والاستهلاك، الذي تتيحه الفضاءات الخاصة بالمدينة، سواء تعلق الأمر بالملاهي والعلب الليلية أو مقاهي الشيشة، بل حتى محلات السجائر التي أصبحت تبيعها للمراهقين دون قيود أو حرج، هو ما دفع بالكثير من الشباب إلى تجريب مختلف أشكال المخدرات، بما فيها تلك التي تقدمها هذه الفضاءات لزبنائها، مقابل أثمنة متبابنة. في هذه الورقة، تطلعكم “الصباح” على مستجدات عالم المخدرات الخفي بطنجة، وتقربكم من واقع الإدمان والتعاطي في صفوف شباب وشابات عاصمة البوغاز.
إنجاز: يسرى عويفي (موفدة الصباح إلى طنجة)
لم يكن من السهل موافقة مستهلكي وبعض مروجي أبرز أنواع المخدرات بطنجة، وهما “الإكستازي” و”النفاخات”، على الحديث معنا، إذ كانوا يخشون تعلق الأمر بمؤامرة مع الشرطة أو أحد المخبرين، لكن محاولاتنا انتهت بإقناعهم، شريطة استعمال أسماء مستعارة لإخفاء هوياتهم الحقيقية.

“نفاخات الشانتيلي”
  أضحى مخدر البالون مألوفا لدى شباب المنطقة، نظرا لمفعوله اللحظي وسهولة الحصول عليه، إذ يكفي أن يتوجه المرء إلى أحد محلات بيع السجائر أو منتجات الحلويات لاقتناء علبة خراطيش أو ما يسمى بالـ “قرطاسات”، ليحظى بدقائق من “الدوخة” تنقله إلى عالم آخر، دون أن يبارح مكانه. 
أخبرتنا نسرين (اسم مستعار)، إحدى مدمنات هذا المخدر، الذي يستعمل مكونه الرئيسي (غاز أكسيد النيتروز) في صنع الكريمة المنفوخة أو المخفوقة (الكريم شانتيلي)، أنها جربته لأول مرة في إحدى العلب الليلية، بعد أن أثار انتباهها منظر بعض الزبناء وهم ينفخون في بالونات كالأطفال الصغار، قبل أن تنتابهم موجات من الضحك بفعل الغاز الذي يستنشقونه بداخلها، مؤكدة أن مفعول المخدر يختلف من شخص لآخر ولا يقتصر فقط على حالة الضحك الهستيرية، بل تزداد حدته إلى أن يصل لهلوسة وأحلام يقظة حسب الأجواء التي يستهلكه فيها الفرد، مشيرة إلى أن موضة تعاطيه بطنجة انتشرت بمقاهي الشيشة أكثر منه بالملاهي والعلب الليلية.
واستطردت الشابة البالغة من العمر 22 سنة، قائلة “طلبت من النادل أن يحضر لي علبة خراطيش، تحوي ثلاثين “قرطاسة” من غاز أكسيد النيتروز، مقابل 300 درهم، وهي الخراطيش ذاتها التي تحضر بها الكريمة المنفوخة، عن طريق وضع القشدة بداخل آلة خاصة وتركيب الخرطوشة التي تضخ الغاز كي تكسبها الشكل المنفوخ، بالإضافة إلى “التيرمو” وهو آلة مصغرة لضخ الغاز داخل البالون، ثم بدأت باستنشاقه ونفخه بالبالون مرات عديدة قبل أن أشعر بحالة من الارتياح الشديد ونشوة لا مثيل لها”، مضيفة “خلافا لباقي مستهلكي “النفاخات”، لا يتسبب لي هذا المخدر في موجة من الضحك الهستيري، بل ينقلني إلى عالم آخر…”، وأغمضت عينيها لثوان وكأنها تسترجع ذكريات انتشائها بالمخدر، ثم تابعت بحماس واضح “إنها تشعرني بإحساس مزيون … تجعلك تغيب لدقائق واخا عينيك مفتوحين .. تأخذك إلى دبي أو نيويورك، ثم تعود بك إلى مكانك بعد دقائق، ويختفي مفعولها بسرعة وكأن شيئا لم يكن، ما يدفعك لإفراغ “قرطاسة” جديدة بالبالون من أجل استرجاع تلك اللحظات، وهكذا …”.
  
سعادة مزورة
بعد أن كان الوصول إلى مروجي “الإكستازي” أمرا صعبا، نظرا لقلته وثمنه المرتفع، انتشرت هذه الحبوب المخدرة في صفوف الشباب والمراهقين كالنار في الهشيم، وتحول عدد من مستهلكيها إلى مروجين صغار، يقتنونها بالجملة ويبيعونها لليافعين بثمن بخس، علما أن معظم الحبوب المروجة في الأسواق “مزورة” و”باردة” حسب ما أكد لنا منير (اسم مستعار)، وهو أحد المروجين الذين اكتسبوا خبرة في تجارة هذا النوع من المخدرات.
وأضاف محدثنا “إن ما يروج اليوم في السوق الطنجوي من أشباه إكستازي، ليست سوى حبوب قديمة أضيفت لها قطرات من المحاليل والتقاطير المهلوسة لها كي تسترجع مفعولها المهلوس، أو مصنعة في معامل سرية بهولندا، لا تحترم معايير وجرعات التركيب الكيميائي، ما يحولها إلى سموم ذات تأثير على المدى البعيد، أضحت تشكل خطرا على صحة مستهلكيها النفسية والجسدية، أما الأصلية ذات مفعول السعادة والنشوة فأصبحت نادرة ومرتفعة الثمن، وكما يقول المثل… عند رخصو تخلي نصو”، مشيرا إلى أن ثمن الحبة الأصلية الواحدة يبلغ 60 درهما، فيما يتراوح ثمن “الزبل” ما بين 20 و30 درهما.
ويشير منير إلى أن هذا النوع من المخدرات بات يجلب أكثر فأكثر مدمنين صغار السن، غالبا ما تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة، يستهلكونها بشكل شبه يومي، نظرا لثمنها المنخفض، دون وعي منهم لما قد تحتويه من مركبات خطيرة، أو لانتهاء مدة صلاحيتها، مشيرا إلى أن فقدانها لمفعول “السعادة” وتحولها إلى حبوب “باردة”، يدل على انتهاء صلاحيتها وتأثيرها بشكل سلبي على نفسية وصحة مستهلكيها. واستطرد قائلا “إن جهل المراهقين بأضرار الإكستازي، وصعوبة تمييز الجيدة من المزورة، هو ما ساهم في ظهور المروجين الصغار، وجنيهم أرباحا طائلة على حساب جهل وطيش هذه الفئة الهشة”.
 
تشنجات ووفيات 
 تقول نسرين إنها أصبحت مدمنة مخدر “النفاخات” بعد أن صارت تتعاطاه في غرفتها بمنزل أهلها، خفية عن والديها، وتنفق مصروفها اليومي في شراء خراطيش الغاز التي تقتنيها من محلات بيع السجائر، بعد أن حصلت على آلة ضخها أو ما تسميه بـ “التيرمو” هدية من صديق، مشيرة إلى أن ثمن علبة الخراطيش التي تحوي 12 قرطاسة، يبلغ 100 درهم، فيما يعادل ثمن علبة الثلاثين 160 درهما داخل رفوف هذه المحلات.
وتضيف بحسرة “كنت أستهلكها بشكل يومي، إما لوحدي في البيت أو رفقة أصحابي، لدرجة أننا بلغنا في إحدى المرات حوالي 250 خرطوشة مستهلكة في يوم واحد… لكنني توقفت مؤخرا عن تعاطيها لأنها أضحت تسبب لي الغثيان والتشنجات العضلية، كما تسببت في موت عدة أشخاص، بسبب انتهاء مدة صلاحيتها أو جرعات زائدة، ومن بينهم صديق لي”.
وعن مصدر هذا المخدر، أكدت لنا محدثتنا أنه يستورد من هولندا، حيث يشاع تعاطيه نوعا من المنشطات، ويستهلك بكمية كبيرة تصل إلى 50 خرطوشة يوميا للفرد الواحد، حسب تقرير صادر عن المركز الوطني لمعلومات التسمم في أوتريخت.
وفي السياق ذاته، أشارت نسرين إلى أن ثمن مخدر “النفاخة” كان مرتفعا في بداية رواجه بالمملكة، قبل بضع سنوات، لكن مروجيه ارتأوا تخفيض ثمنه بعاصمة البوغاز، لتوسيع قاعدة مستهلكيه، كما صار الحصول عليه أمرا سهلا بعد أن اتضحت حقيقة الخراطيش التي تستعمل أداة لصنع الكريمة المخفوقة، وتباع لدى محلات بيع أدوات صنع الحلويات، إذ كان المروجون يدعون أنها مخدر نادر ومكلف ويبيعونها بالتقسيط وبأثمنة خيالية قد تصل إلى  100 درهم للخرطوشة الواحدة، على حد قولها. 

هلوسات وشعور بالموت
من جهته، يحكي لنا هشام (اسم مستعار)، مدمن سابق لـ”الإكستازي”، عن معاناته بسبب هذا المخدر، ويقول “بدأت أتعاطى حبوب السعادة قبل ثلاث سنوات، بعد أن عرضها علي أحد المروجين داخل ملهى ليلي، لكنني توقفت عن ذلك بسبب الغش الذي طالها، والحبوب المزورة التي ظهرت مؤخرا بالسوق وكادت تودي بحياتي في أزيد من مرة”، مشيرا إلى أنه مر بوعكة صحية ألزمته الفراش لأيام، بسبب المكونات التي تدخل في تركيب تلك الحبوب، والتي أثرت بشكل كبير على جهازه الهضمي حتى بات يتقيأ دما، وأفقدته شهية الطعام لشهور، كما جعلته يدخل في مرحلة كآبة حادة.
وعن مفعول الحبوب المزورة، أخبرنا هشام أنه مختلف تماما عن مفعول الحبوب الأصلية، ولا علاقة لها بالسعادة أبدا، بل تدخل الفرد في هلوسات غريبة يعجز عن إيقافها، وتشوش أفكاره بشكل مخيف يجعله يشعر وكأنه على شفا الجنون، مضيفا “في البداية كنت أظن أنها باردة وفقدت مفعولها، إذ لم تكن تشعرني بشيء بعد دقائق من تناولها… كاتحس بها بحالا بدات كاطلع، وتبدأ بالتعرق قليلا، ثم سرعان ما يخمد مفعولها وينتابك إحساس رهيب بعدم الارتياح، ثم تشعر بالعياء بعد مدة وترغب في النوم…لكن ما إن تغمض عينيك حتى تبدأ الهلوسات الفظيعة، لدرجة أنني في إحدى المرات أحسست بالموت ونهاية العالم، فبدأت أطرافي تتنمل وشعرت ببرودة غير طبيعية فيها، ففتحت عيني وإذا بي أرى الظلام ولا أبصر شيئا، كما حاولت أن أتحرك من مكاني لكنني أصبت بتشنج عضلي وعجزت عن الحراك… في تلك اللحظة تمنيت لو أنني لم آخذ تلك الحبة المزورة، وأقسمت ألا أعاود الكرة مرة أخرى في حياتي إذا ما نجوت، فبدأت أقرأ القرآن وأطلب الله راجيا أن يخرجني من تلك الحالة العسيرة، ولبثت أصارع الموت لساعات عديدة، قبل أن أسترجع وعيي وأعود لحالتي الطبيعية”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق