fbpx
حوار

السعيدي: قيادات النقابات شاخت

السعيدي القيادي بالاتحاد وبالفدرالية الديمقراطية للشغل قال إنه لا معنى لنموذج تنموي دون ديمقراطية

أجرى الحوار: يوسف الساكت

أكد عبد الصادق السعيدي، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي ونائب الكاتب العام للفدرالية الديمقراطية للشغل أن واحدا من الأعطاب الكبرى للنموذج التنموي أن الدولة تعتقد أننا قد خطونا خطوات مهمة في اتجاه الديمقراطية السياسية، مدافعا في حوار مع “الصباح” على تفاوض اجتماعي مسنود بإرادة سياسية.

من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الاتحاد الاشتراكي. هل ما زلت ترى أن قرار الوحدة الاندماجية كان قرار صائبا؟
بالطبع، لو أعاد التاريخ نفسه لمارسنا الاختيار نفسه. أكثر من ذلك، إن تجنب ذلك الاختيار عندما تكون ظروفه وإمكانياته قريبة التحقق ليس خطأ سياسيا جسيما فحسب، بل سيعود على الجميع بتكاليف باهظة لم يتوقعوها إن لم يأخذهم الخطأ إلى الموت البطيء.
لقد كنت من بين المناضلين الأشد حماسا لإنجاز هذه الوحدة وقبلها خيار الوحدة مع التقدم والاشتراكية كمرحلة من تطور وحدوي، لو حصل وبتشكيلته المتنوعة الجذور التاريخية كان سيعطي إمكانيات أفضل لوحدة اندماجية مع الاتحاد الاشتراكي.

لكن الكثير من التقييمات ذهبت في اتجاه فشل هذا المشروع؟
عندما عقد الحزب الاشتراكي الديمقراطي مؤتمره الأول كان على وعي بأن مرحلة من تجربته قد أوشكت على الانتهــاء، وهــي المرحلة المتعلقة بتوضيح الاختيارات والإقناع بها التي أكدت مجريات الأحداث صحتها من جهة، كما أضحت جزءا من صيرورة التاريخ السياسي الملموس لبلدنا من جهة ثانية. وكذلك كان لا بد بعدها من طرح السؤال إذا كان المغرب قــد دخل بفضل تلك الانعطافـة السياسية التي ساهمنا في صنعها في دينامية جديـدة وبمتطلبات جديــدة، ألا ينبغــي أخــذ اصطفافاتها الحزبية بعين الاعتبار، خاصــة وأن التجربــة السياسيــة للحــزب لم تكف عــن طرح قضيــة وحــدة القــوى الاشتراكية.
إن إقرار الأفضلية الحاسمة لاختيار الوحدة الاندماجية من أجل إعطاء أكبر الإمكانيات لممارسة اختياراتنا السياسية والتنظيمية والايديولوجية بكل ما يمكن من الفاعلية والجماهيرية كان ضروريا، ما دامت خياراتنا مطابقة لخيارات الاتحاد الاشتراكي. إذن، شكلت الوحدة الاندماجية قرارا تاريخيا غير مسبوق في المشهد السياسي المغربي رغم مآلاته التنظيمية المرتبطة أساسا بضمور ثقافة الوعي الجماعي الوحدوي، وهو موضوع يتطلب في تقديري تسليط الضوء عليه وقراءته قراءة جديدة، وبشكل جماعي، كإنجاز تاريخي وحدوي، سيظل حافزا لنا جميعا على صنع هدف وحدوي أوسع وأشمل وفاء له.

لماذا في نظركم فشلت الأحزاب والنقابات في ردم الهوة بين المواطن والسياسة؟
تكشف معطيات الواقع اليومي عن تقلص مذهل في المشاركة السياسية تجلي في جانب من جوانبه لانعدام الثقة في مؤسسات الدولة) البرلمان-الحكومة)، ومؤسسات المجتمع (أحزاب-نقابات-جمعيات) وترجمة في الوقت نفسه للمستوى المتدني للوعي السياسي نتيجة حتمية للأوضاع السياسية التي عاشها المغرب عقودا من الزمن، التي أدى فيها اللاتسييس إلى الهروب من السياسة وتحول فيها معنى السياسة إلى مرادف للقمع والاعتقال والترهيب في لحظة من تاريخنا، وليصبح السياسي في لحظة أخرى من هذا التاريخ رمزا من رموز الفساد والغش والانتهازية. وما بين اللحظة والأخرى تظل المصالحة مع السياسة ومع المواطنة إما مؤجلة، أو غير مكتملة.

هل يمكن أن نفهم أن المغاربة مثلا أضاعوا لحظة 20 فبراير، لحظة للمصالحة وبناء الأحلام؟
لحظة 2011 أنجزت دستورا شكل تعبيرا عن موازين قوى حقيقية وفاعلين يملكون كل وسائل الضغط ليصبح السؤال بعد هذه اللحظة، هل نتوفر على مجتمع سياسي وأحزاب ونقابات قوية ومستقلة تمتلك مشاريع سياسية واجتماعية كبرى وقوى مدنية قادرة على تعديل ميزان القوى، ولها أوراق ضغط تجعل من مقتضيات الدستور تعاقدات حقيقية على مشروع حداثي ديمقراطي يلزم الجميع بالانضباط لمنهجيته والعمل على تفعيله وتأويله بما يتماشى وروح وفلسفة ذلك المشروع المجتمعي؟ إننا نعيش اليوم حالة انحباس سياسي (أحزاب، نقابات، جمعيات مدنية).. بشكل يقلص الأدوار في الوساطة وتدبير الأزمات. إن مواصلة الاحتقان الاجتماعي وعجز الفاعل الحكومي على تدبير مطالب الحركات الاجتماعية وتنامي النضالات المرتبطة بالفئات والمجال تؤكد بالملموس فشل الدولة في نموذجها التنموي.

لكن، من الضروري أن يكون لنا نموذج موحد وواحد مركزيا للتنمية؟
إن الظاهرة التنموية معقدة يستحيل معها فصل السياسي عن الاقتصادي والاجتماعي، فبناء دولة القانون يفرض وجود حدود دنيا من النماء والتنمية المستدامة، لا يمكن تحقيقها دون حد أدنى من الديمقراطية.
فالتركيز على التنمية الاقتصادية يصبح أكثر أهمية ويجد له صدى في المجتمع الشمولي. فتحقيق التنمية بالمعنى الشمولي لا يستقيم دون التحديث السياسي وما يستلزمه من احترام الحقوق والحريات والدفع في اتجاه التحول الديمقراطي. ومن الأعطاب الكبرى لنموذجنا التنموي أن الدولة تعتقد أننا قد خطونا خطوات مهمة في اتجاه الديمقراطية السياسية، كما أنها تركز في قراءتها للوثيقة الدستورية على القراءة الاقتصادية والاجتماعية، مع تطليق مفاهيم فصل السلط والتمثيل السياسي ودولة المؤسسات.
لقد وجب بتعبير المفكر السياسي المغربي المرحوم عابد الجابري الاهتمام بالجانب السياسي لمفهوم التنمية، لضمان مستوى عال من المشاركة السياسية التي قد تساعد على تحقيق التنمية بمفهومها الشامل، وهو المفهوم ذاته الذي أعطى استثناء للتنمية في 2011 (….).
تنظيف البيوت الحزبية

أين المشكل إذن بالنسبة إليكم، مادامت الدولة عبرت في أكثر من مناسبة عن توجهها الديمقراطي الحداثي؟
في المجتمع تتعايش وتتنازع ثقافتان، ثقافة الديمقراطية وثقافة تقليدانية مغرقة في الطاعة والولاء. ومن مكر التاريخ وضرائره أن تحمل لحظة 2011 قوى ما زالت ثقافتها منبثقة من ثنائية البيعة والطاعة، والحال أن الديمقراطية تحتاج دوما للسلطة المضادة، وأن تتحمل حكومات عاجزة عن استثمار المقومات الدستورية والسياسية التي لم تتوفر للحكومات السابقة، ما جعلها تفتقد لأبسط شروط التدبير العمومي وسهل عودة الملكية التنفيذية التي تكاد تستحوذ اليوم، بل وتلغي أي هوامش لباقي الفاعلين السياسيين وتعيد السؤال التقليدي إلى الواجهة إلى من تعود الرئاسة الفعلية للسلطة التنفيذية ببلدنا هل لرئيس الدولة أم لرئيس الحكومة؟

هذه القناعات تجاه الدولة ربما تتطلب تنظيفا يوميا للبيوت الداخلية للأحزاب؟
طبعا، ولا ننكر أن تحولات كبيرة وقعت في المجتمع وحدث تغيير جذري في بنية التفكير لدى الفئات الشابة بالخصوص التي أوجدت تعبيرات جديدة لها منفصلة عن التعبيرات الكلاسيكية أمام إصرار النخب التقليدية على القبض على المواقع التنظيمية والسياسية في الحقل السياسي والنقابي وتحول التنظيمات إلى مجتمعات مغلقة لها قواعدها وطقوسها وأساليبها وخطابها، وإذا لم تتقو جبهة التغيير من داخلها سوف تتلاشى بالموت الطبيعي.

لا معنى للسياسة دون رفاه اجتماعي

هل أنتم راضون عن الحصيلة المسجلة إلى حد الآن؟
إن أي محاولة للقيام بحفر أركيولوجي في تفاصيل الحياة الاجتماعية ستضعنا وجها لوجه أمام معضلات اجتماعية كبرى سمتها الأساسية إعادة إنتاج الأعطاب نفسها والإعاقات المؤدية إلى تكريس التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتوسيع الفوارق الطبقية.
فالزيادات في الأسعار طالت مختلف المجالات وعلى رأسها المحروقات في زمن قياسي وقوانين المالية دوما تأتي برفع الضرائب في العديد من المواد ذات الاستهلاك الواسع ومنها ما لا تستهلكه إلا الفئات ذات الدخل المحدود، على أن الملاحظة بالعين للعديد من مناطق المغرب من شأنها أن تبرز بأن هناك نخبة تعيش في الرفاهية وأغلبية إما تعيش بموارد متواضعة وغير مضمونة وإما في تهميش يكاد يكون تاما، كما أن غياب الإرادة الفعلية لطرح الحلول الحقيقية للأزمات المتعددة لمرافق التربية والتكوين والصحة والتشغيل وعدد من الخدمات الاجتماعية يطرح أكثر من علامة استفهام.
إن ما يحدث هنا وهناك من توترات تنبهنا دولة ومجتمعا لضرورة التعاطي الإيجابي مع المسألة الاجتماعية في إطار مقاربة شمولية شجاعة تمكننا من توفير شروط استقرار بلدنا، وذلك أن الأمن الاجتماعي هو العنصر القادر على ضمان الاستقرار، مما يتطلب إعادة النظر في السياسات العمومية عبر إعطاء الأولوية للمسألة الاجتماعية لتشكل أساس وعمق هذه السياسات.

تدافعون عما يسمى “تفاوضا اجتماعيا”. ما هي مداخله؟
إن إعادة توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل وتقليص الفوارق المجالية والتفاوتات الاجتماعية ومراجعة أنظمة الأجور والضرائب لتحقيق العدالة الأجرية والجبائية وإصلاح القطاعات الإستراتيجية ومحاربة الفساد والريع بكل أشكالهما، تفرض اعتماد تفاوض اجتماعي مسنود بإرادة سياسية فعلية لتوفير شرط التعبئة الوطنية للنهوض بالمسألة الاجتماعية وتأمين التنمية الشاملة، وهو وضع لا يمكن أن تحققه دون أن تتحمل الطبقة السياسية مسؤوليتها التاريخية وضمنها الفاعل الحزبي والنقابي لإيجاد صيغ بديلة لمشاريعها النضالية وإيجاد آليات جديدة لصناعة نخبها ويضعها أمام سؤال أعمق، هل ما تزال هناك إمكانية قائمة للحديث عن حزب سياسي أو مركزية نقابية برافعة نضالية أم أننا أمام أحزاب ونقابات تتلخص مهامها في الاستحقاقـــات الانتخابية وتتكثف تحدياتها في إيجاد موقع قدم داخل بنية السلطة الحاكمة محليا ومركزيا.

الفدرالية قوية بمناضليها

عرفت الفدرالية الديمقراطية للشغل انشطارات في جسمها التنظيمي جعلتها تكاد تكون على هامش المشهد الاجتماعي؟
لا بد أن نرى في الحراك الداخلي الذي عرفته الفدرالية ليس فقط جانبه الدرامي/ المأساوي، ولكن علينا أن نرى فيه جانب التوتر الذي يعطي التطور والتقدم، لأن البشرية تتقدم بالأزمات الفدرالية الديمقراطية للشغل تكاد تكون المركزية الوحيدة التي عقدت قطاعاتها الوطنية (البريد والاتصالات والصحة والفوسفاط والعدل والتعليم والجماعات المحلية)، مؤتمراتها في الوقت المحدد قانونا وحسمت في ولايتي الكاتب العام وفي وجود المتقاعدين في موقع المسؤولية وحصدت نتائج مهمة على مستوى انتخابات المأجورين، حيث تصدرت النتائج في العديد من القطاعات الوظيفية العمومية والمؤسسات العمومية، في الوقت الذي يظل فيه القطاع الخاص والجماعات المحلية مرتعا للفساد الانتخابي تعجز الدولة حتى أن تعلن نتائجه للملأ لأن النتائج ستشكل فضيحة أخلاقية وسياسية وقانونية، والفدرالية الديمقراطية للشغل مقتنعة بأن الحجية التاريخية لوجود حركة نقابية، مرتبطة أساسا بفلسفتها النضالية وقدرتها على إبداع صيغ تمكنها من الإجابة على متطلبات الظرفيات المختلفة بآليات جديدة وهي الصيغ التي ترجمتها المركزية بأشكال مختلفة منذ مؤتمرها الوطني الرابع.

كيف هي أجواء التحضير للمؤتمر الخامس؟
الوثيقة التحضيرية التي قدمها المكتب المركزي للمجلس الوطني وللجنة التحضيرية تقوم بمراجعة نقدية جريئة لن تكون بالنسبة إلينا مدعاة لليأس وللقول بأن واقع التشرذم هو السائد، بل نعيش انعطافا إيجابيا من شأنه أن يقدم ويعيد لحركتنا حماسها ويحصن ديناميتها ومبادئ ومرتكزات تأسيسها مشروعا حداثيا ديمقراطيا، فالفدرالية تدخل أجواء التحضير وهي تعيش منعطفا تاريخيا في عمرها القصير يحتاج منها قراءة متأنية تستند إلى الموضوعية والقدرة على إنتاج الأفكار مدخلا أساسيا لتقديم الأجوبة على الترهل الذي يشهده الحقل النقابي عبر تصور تنظيمي جديد، لا بد أن ينطلق من ضرورة الحرص على تحصين مبادئ التأسيس وفي مقدمتها سيادية القرارات المتعلقة بالقضايا التنظيمية وجعلها أي المسألة التنظيمية قضية فكرية ثقافية أكثر منها قضية إجراءات وآليات تقنية بحثة؛ عبر فلسفة تنظيمية تنبني على تعميق النقاش والممارسة في عدة جدليات تنظيمية بين استقلالية النقابات القطاعية وانسجامها مع التوجهات الكبرى للمركزية تنظيميا وفكريا وبين ثقافة التوافق وآليات الحسم الديمقراطي، وبين الانفتاح الواسع على كل الفعاليات والحفاظ على الهوية النقابية، وضرورات الإجراءات الانضباطية وتصحيح الاختلالات ثقافيا. وبكلمة واحدة الجمع الجدلي بين الثقافة والانفتاح والديمقراطية والفعالية.

ما هي مسببات هذا الترهل في تقديركم؟
قيادات الحركة النقابية اليوم قيادات شائخة لم تعد تعبر سوسيولوجيا عن الفئات التي تنتمي إليها فضلا عن مراكمتها للأحقاد المرتبطة بالتاريخ نتيجة حتمية لغياب التداول على المسؤولية والبحث عن مواقع داخل بنية السلطة، فضلا عن استفادة العديد من مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي من هذا الوضع، مما يعرقل أية إمكانية لعقلنة المشهد النقابي لمغربي من خلال سن قانون النقابات وإعادة النظر في المنظومة الانتخابية للمأجورين. إن هذا التواطؤ بين القيادات النقابية الشائخة ومراكز النفوذ شكل ضربة قاضية للطبقة العاملة من خلال استبعادها من المساهمة في معركة التنمية والديمقراطية وحصر مهام الحركة النقابية في الدفاع عن منخرطيها في دستور 2011، بعد أن ظلت تساهم إلى جانب الأحزاب في تأطير المواطن والدفاع عنه منذ أول دستور للمملكة.

في سطور:
– من مواليد غشت 1967.
– تابع تعليمه بمدينة أسفي ثم بجامعة محمد الخامس شعبة الفلسفة تخصص علم الاجتماع.
– أحد المساهمين الأساسيين في تأسيـس الفعــل النقــابي بوزارة العدل.
– تحمل مسؤولية الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للعدل منذ 2003 لغاية المؤتمر الرابع 2017 وحقق معها الاعتراف بالعمل النقابي بالقطاع فضلا عن المكتسبات المادية للنظام. الأساسي لهيأة كتابة الضبط.
– عضو المجلس الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل ونائب الكاتب العام للفدرالية الديمقراطية للشغل وعضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي.
– عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق