fbpx
ربورتاج

دار الخير تيط مليل … الجحيم

الداخل إليها مفقود والخارج منها مفقود أيضا

“مأساة” حقيقية يعيشها نزلاء دار الخير بتيط مليل، في غياب أبسط شروط العيش الكريم، وتردي الخدمات الاجتماعية، ما أدى إلى ارتفاع معدل الوفيات، وتأزم الأوضاع بشكل جعلهم يدقون ناقوس الخطر مرارا وتكرارا، دون سامع أو مجيب. في الوقت الذي يتسابق فيه القائمون على شؤون أكبر مركب اجتماعي في المغرب، والمتنافسون على تدبير اختلالاته،  للحصول على أكبر حصة من الكعكة، ضاربين عرض الحائط كل القيم الإنسانية النبيلة، وواضعين حياة النزلاء على حافة الهلاك. بالمقابل، نهج مسؤولو “دار الخير” سياسة انغلاق صارمة لاحتواء ما يجري داخل أسوارها، في ظل توالي الفضائح والأزمات، التي ما فتئ المركب يتخبط فيها، وجعلت من الصعب اختراقه من قبل المنابر الإعلامية،
لولا إصرار “الصباح” على نقل معاناة المتشردين والمختلين عقليا الذين يقبعون داخل مأوى أشبه ما يكون بـ”سجن قسري مع وقف التنفيذ”.

إعداد: يسرى عويفي

داخل أسوار مركب “دار الخير” بتيط مليل، يعيش مئات المتشردين والمختلين عقليا، رجالا ونساء، بعد أن تلقفتهم دوريات المساعدة الاجتماعية زاعمة تحصينهم من براثن العاصمة الاقتصادية، ليجدوا أنفسهم حبيسي مركز يفتقد أدنى مقومات الرعاية الاجتماعية، وقد هوى سقف توقعاتهم فوق رؤوسهم. ولعل “قدماء المجاهدين” بهذا المركب مازالوا يذكرون فضله عليهم، قبل أن تطوله أيدي “المتربصين” ويدخل مرحلة السنوات العجاف. أما اليوم، بعد أن يئسوا من “محاولات الإصلاح الفاشلة”، وأضحوا يتهاوون جثثا هامدة، واحدا تلو الآخر، فقد أصبحوا ينشدون العودة إلى الشارع، ويبحثون عن أول فرصة للهروب من  “معتقل تيط مليل”، حيث “الداخل مفقود والخارج مولود”.

زنازين منسية

الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال، وزيارتنا المفاجئة لـ”دار الخير تيط مليل”، بنواحي البيضاء، لم تلق ترحيبا كما المتوقع من قبل العاملين بالمركب، الذين يحرصون على عدم تسلل الدخلاء، في غياب إذن من المسؤولين أو موعد للزيارة.
ورغم ادعائنا البحث عن أحد المتغيبين المختلين عقليا، للتمكن من الولوج إلى أجنحة المركز، والاطلاع على حالة النزلاء، تعامل معنا أحد القائمين على شؤونه بحرص وحذر شديدين، قبل أن يأمر أحد النزلاء بمرافقتنا في جولة بالأجنحة للبحث عن “متغيبنا المزعوم”.
ما إن تدخل أحد الأجنحة حتى تستقبلك الروائح الكريهة، أبرزها رائحة البول والعرق وبقايا الطعام المتعفنة، وترى أجساد النزلاء مترامية هنا وهناك، ينخرها الجوع والعفن، حتى أن بعضهم تحولوا إلى جثث متحركة في غرف أشبه ما تكون بزنزانات منسية. يكفي أن تلمح أعينهم غريبا حتى يقفزوا من أسرتهم البالية، متطلعين إليه بنظرات متوسلة للنجدة، فيما اختار الأكبر سنا فيهم التمدد على الأرض في أروقة مظلمة غزاها الذباب، هربا من الغبار وأشعة الشمس اللافحة. أما المختلون عقليا فتجدهم يتجولون في الخارج، في «شبه فضاءات خضراء»، يرمقون الزائرين بأعين متوجسة، ويتتبعون خطواتهم بلامبالاة وهدوء غريب.

أمراض معدية

يحكي نزيل فضل التحفظ على ذكر اسمه وعدم الكشف عن هويته، عن معاناته في هذا المركب، قائلا” لقد تحولنا إلى جمرة تغلي فوق رؤوس المسؤولين عن هذه المؤسسة، منذ تسريبنا مقاطع فيديو ترصد حقيقة ما يحدث هنا، أملا في إنصافنا، بعد أن فشل كل من يدعون الدفاع عن مصالحنا، في اقتلاع “الشوشة” والورم الخبيث الذي يقض مضجعنا داخل هذا المأوى المشؤوم (في إشارة لأحد المسؤولين)، مضيفا “إنهم يجمعون المتشردين والمختلين عقليا في الغرف والأجنحة ذاتها، يقدمون لهم وجبات لا تسمن ولا تغني من جوع، ويتركونهم دون تطبيب أو علاج، علما أن هناك ثلاثة أمراض معدية تنتقل بين النزلاء في صمت وغفلة، أخطرها السل، ناهيك عن التعفنات والالتهابات الفيروسية الناتجة عن غياب الرعاية الطبية والنظافة”، ثم أشار إلينا بالدخول إلى إحدى الغرف، حيث وجدنا رجلا مسنا في حالة يرثى لها، ملابسه مبللة باللعاب، وبرأسه جرح متعفن، أصابه عند سقوطه من على كرسيه المتحرك الصدئ، ليترك دون رعاية طبية، في منظر يدمي القلب.
ويتابع محدثنا «إنهم يأتون بنا من الشارع، دون أن يجروا لنا أي فحوصات طبية لتشخيص الأمراض التي التقطناها من الخارج، أو تلك التي نلتقطها داخل أسوار المأوى، فتنتهي فترة إقامة المرء بدار الخير، ويخرج منها كما جاء في اليوم الأول، بل أحيانا في حالة أسوأ»، مشيرا إلى مجموعة من النزلاء المتجمعين بجانب المدخل، يحمل كل واحد منهم كيسا بلاستيكيا به بضعة ملابس، وورقة تصريح بتركهم للمركب، رغم أن منظرهم لا يوحي البتة بقضائهم فترة داخل أكبر مركب اجتماعي بالمغرب.

أجنحة “في أي بي”

انتقلنا إلى “جناح المتقاعدين” أو الجناح الـ”في أي بي”، كما يسميه النزلاء،  لنكتشف أن سبب التسمية يعود بالأساس للامتيازات التي يحظى بها المسنون المقيمون به، أهمها النظافة وغياب الروائح الكريهة بالغرف، والوجبات المتكاملة، والتطبيب، والملابس اللائقة، وغيرها من  المقومات المعيشية التي تضمن للمرء الإقامة في ظروف إنسانية.
وأوضح لنا مرافقنا أن الجناح الـ»في أي بي» مخصص للمتقاعدين الذين يحصلون على معاشات تقاعدية، تودع لدى المسؤولين مقابل منحهم مكانا داخل المركب، وأغلبهم أشخاص عاديون قدموا إلى «دار الخير» بوساطة، أو هروبا من المشاكل العائلية، مضيفا «إن الطاقة الاستيعابية للمركب لا تكفينا نحن المتشردين، فما بالك باستقدام أشخاص لهم مدخول قار، أو إيواء المسنين الذين يأتي بهم أبناؤهم، بغية التخلص منهم، مع دفع مقابل مالي في الخفاء، لضمان إقامتهم بشكل مريح، كما لو أن المركب «دار عجزة» .. وعوض أن يخصصوا الأمكنة الشاغرة للفئات المهمشة والمقصية، الأولى بها، يجرون لاهثين وراء الربح ويستغلون نفوذهم لفعل ما يشاؤون في غياب الرقابة».
أما عن المختلين عقليا، وحالة الهدوء الغريبة التي تسيطر عليهم، فيقول «إنهم يعطونهم أدوية لتخديرهم فقط، وليس علاجهم، فيدخلون في حالة من السبات والخمول، تقي النزلاء شرهم .. وشحال من واحد جا هنا بعقلو وسطاوه».

الميت وغساله

كشفت مصادر حقوقية أن حصيلة الوفيات بالمركب الاجتماعي “دار الخير تيط مليل”، بلغت خلال السنة الجارية، 14 حالة وفاة في حدود أبريل الماضي، آخرها كان نزيلا مسنا تعرض لوعكة صحية، ولم يكن يتوفر على ملف طبي يسمح بتشخيص علته وإنقاذه في وقت مبكر، إذ تم نقله إلى المستشفى في وقت متأخر، ثم إعادته للمركب في حالة حرجة، ما أدى إلى وفاته بعد مدة وجيزة بسبب غياب الرعاية الطبية.
وأكدت المصادر ذاتها أن عدد الوفيات التي شهدها المركب منذ 2018 بلغ أزيد من 90 حالة، مستنكرة الأوضاع المزرية التي يعانيها النزلاء، والظروف «اللاإنسانية» التي يعيشون فيها، بحكم  افتقارهم للتغذية السليمة والرعاية الطبية، ناهيك عن الخصاص في الأدوية، وأساسا الخاصة بالاضطرابات النفسية.
ومن جهته، أعرب محدثنا، البالغ من العمر 32 سنة، عن أسفه لفقدان هذا العدد الكبير من النزلاء، قائلا “لقد تحولت دار الخير، ولا خير باق فيها، إلى مقبرة جماعية حيث يدفنوننا ونحن مازلنا على قيد الحياة. يدعون إنقاذنا من قسوة الشارع، والشارع أحن علينا من قسوة قلوبهم الجشعة. لكن، ماذا عسانا فاعلون ونحن أضعف حلقة في المجتمع، أو على حد قولهم : آش عند الميت مايدير قدام غسالو…”.

بيوض: ميزانية هزيلة

< في أي ظروف تم تفويض مهمة تسيير المركب الخيري "تيط مليل" لكم؟
<  ينص القانون على أن المؤسسات الخيرية يجب أن تسير من قبل جمعيات تعهد لها مأمورية التسيير الإداري والمالي، والاجتماعي، شريطة عدم تحصيلها لأي ربح. لكن الجمعية التي تم تأسيسها، أخيرا، لهذا الغرض، كانت تخضع لحالة تناف، بسبب البرلماني الذي كان يرأسها، والذي كان يشغل منصب مسؤول إداري في الجماعة الحضرية البيضاء، التي تصرف منحة للمركب، بالتالي لم يكن بإمكانه تأمين صرف المنحة وتسلمها في الوقت ذاته، فطلب منه أن يقدم استقالته من أحد المنصبين، وفضل أن يحافظ على منصبه عضوا منتخبا في الجماعة الحضرية. وأمام هذه الوضعية تم انتدابي من قبل محمد أوجار، وزير العدل، قصد التدخل عاجلا لتأمين تسيير المركب، مع تخويلي جميع الصلاحيات الكفيلة بأداء مهمتي، بما فيها الحسابات البنكية، في حدود ما يسمح به القانون.
 
< ما هي الطاقة الاستيعابية للمركب وكم تؤوون من نزيل حاليا ؟
 < لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمركب 750 شخصا. أما حاليا، فلدينا ما بين 800 و850 نزيلا، تأتي بهم الدوريات، نأويهم ونؤمن لهم الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية. 

 < ما هي الميزانية التي يسير بها المركب ؟ وكم يكلفكم كل نزيل ؟
 < يسير المركب حاليا بـ 10 ملايين درهم، وهو مبلغ هزيل مقارنة بحاجيات 800 نزيل، إذ يكلفنا كل واحد منهم ما بين 30 و50 درهما، أي حوالي 40 ألف درهم يوميا، و14 مليون درهم و400 سنويا، بيد أننا لا نتوصل إلا بمنح تصل إلى 9 ملايين درهم سنويا (5 ملايين و500 درهم من قبل مجلس المدينة، و 3 ملايين درهم من قبل مجلس الجهة)، إلى جانب تبرعات المحسنين، التي تصل إلى مليون درهم في الحد الأقصى. كما تلقينا، أخيرا، منحة جديدة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، قيمتها 5 ملايين و300 درهم، تتم تأديتها عبر أشطر وفق مسطرة خاصة، لكنني أودعتها في حساب خاص، ولن أصرفها إلا بعد إنجاز دراسة للأولويات والحاجيات، على رأسها تأمين الأقراص المهدئة، التي تكلفني الكثير، باعتبار العدد الكبير من المختلين عقليا الذين نؤويهم بالمركز (350 مختلا عقليا)، والذين يشكلون تهديدا للنزلاء في حال عدم توفيرها لهم.
* المفوض القضائي المسؤول عن المركب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى