خاص

الجديدة … حقل الألغام

متابعات قضائية تلاحق رئيسين وأعضاء ومشاريع تحت المجهر

تأبى الجديدة، حاضرة دكالة، إلا أن تكون نموذجا لجماعات محلية، أرقتها المتابعات القضائية، ويزداد بها الاحتقان بعد كل موسم انتخابي، مباشرة بعد اختيار الرئيس. هدوء مدخل المدينة المطل على الشاطئ والأشجار الباسقة التي ترسل أوراقها لتصل إلى قارعة الطريق، يكاد يختفي كلما اخترقت الأحياء الشعبية. الأشغال مازالت مستمرة في بعض الشوارع، وعلامات التشوير تنبه إلى خروج ودخول الآليات، تماما كما بلاغات الجمعيات والمعارضة، فالكل ينبه إلى خطر ما، ولو من باب الاحتياط، فما الذي جعل عاصمة دكالة ذات مقومات تنموية لإقلاع اقتصادي حقيقي مسيجة بهذه المخاوف؟

إنجاز: المصطفى صفر – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

كواليس الشكاية الجديدة، التي تلاحق الرئيس السابق وبعض معاونيه، مازالت تروج في المقاهي وفي الصالونات المغلقة، وتقارن بين التهم الجديدة، وتلك التي شهدتها المدينة في السابق وطالت أعضاء آخرين ضمنهم الرئيس الأسبق وأعضاء آخرون، في ما يشبه اعتيادا على مطاردة كل من ساس المدينة وسير شؤونها، حتى الرئيس الحالي لم يسلم من الشكايات، وبمجرد أن جلس على كرسي الرئاسة، بدأت المعاول تحاول لفت الانتباه وشل المبادرات، فالتشكي أصبح ملازما سواء تعلق الأمر فعلا بخروقات أم لا، ما جعل الاحتقان بين المعارضة التي ترى أنها ضيعت اللبن في الصيف، والأغلبية التي تعتقد أنها تسير وسط ألغام ينبغي لها أن تحتاط كثيرا، فتسيير شؤون بلدية الجديدة أصبح شبحا يهدد بالمتابعة القضائية، والتدقيق ينبغي أن يكون قبليا وذاتيا عوض أن تتحول المنزلقات إلى المحاكم وصفحات الجرائد ومواقع الأنترنيت وحديث المقاهي.

إكراهات البداية

مرت أكثر من ثلاث سنوات على انتخاب المجلس الجماعي للجديدة الذي يترأسه الاستقلالي جمال بن ربيعة بعد تحالفه مع حزبي العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، ودخل المجلس الجماعي الجديد على إيقاع مشاريع فتحت في عهد المجلس السابق، ما لبثت أن توقفت وبدأ حديث عن تفتيش وتدقيق واختلالات.
عندما تحمل التحالف المكون من أحزاب الاستقلال، العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية مسؤولية تدبير الشأن المحلي، اعترضته عدة إكراهات أهمها الوضع المالي المتأزم، ومن تجلياته الاعتماد المفرط على القروض لتمويل المشاريع الخاصة بالتهيئة الحضرية، واستنزاف حصة الجماعة من الضريبة على القيمة المضافة التي تمنحها وزارة الداخلية، ثم مشكل تصفية وإغلاق الحسابات الخصوصية إضافة الى ضعف الفائض الحقيقي.
ورغم كل هذه الإكراهات تشير مصادر “الصباح” إلى أن الجماعة الحضرية تمكنت من أداء النفقات الإجبارية، سيما منها الخاصة بأجور الموظفين وتدبير قطاع النظافة وأقساط القروض ومستحقات الاتفاقيات والعقود، وأخيرا الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به والتي دخلت مرحلة التنفيذ.

ملفات شائكة

ليست الإكراهات المالية، المشكل الوحيد الذي واجه التسيير ببلدية الجديدة، بل طفت أيضا ملفات شائكة، كان المسيرون مجبرين على مواجهتها وتسويتها، إذ من بين هذه الملفات، حسب ما أوضحت مصادر “الصباح” وضعية المجمعات السكنية الملحقة بالمدار الحضري، التي عانت لسنوات بسبب كل أشكال الإقصاء، من قبيل عدم صلاحية بعض المرافق أو وجود اختلالات بها، مثل المحطة الطرقية وسوق الجملة المجاور للمستشفى الإقليمي وضعف شبكة الإنارة العمومية بتراب الجماعة، والوضعية المزرية للحدائق العمومية، إضافة إلى كثرة الأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعة والتي أنهكت ميزانيتها….

برامج الإنقاذ

لمواجهة التراكمات وحل المشاكل، لم يجد المجلس الجماعي من حل أمامه إلا وضع برنامج استعجالي، يسهر عليه الرئيس ومعاونوه، لتحقيق الانتظارات وإنقاذ المدينة من السكتة القلبية، على الأقل لتسوية مشاكل القطاعات الأكثر حيوية، وضمنها تجديد عقد التدبير المفوض لقطاع النظافة، واستكمال المساطر المتعلقة بعقدة صيانة الإنارة العمومية وتسوية الديون المتراكمة، وتنفيذ التزامات الجماعة المترتبة عن الشراكات والاتفاقيات.

ولتجسيد هذا المخطط على أرض الواقع، يوضح عضو من الأغلبية، أعلنت الجماعة عن صفقة خاصة بالتدبير المفوض لقطاع النظافة والتي نالتها شركة جديدة رست عليها الصفقة، ووازى ذلك أداء متأخرات شركتي سيطا البيضاء وسجديما، كما قامت الجماعة بتهيئة وتقوية عدة طرقات، واستصلاح وتهيئة رصيف مداخل المدينة، وتهيئة المساحات الخضراء، وإنجاز الكهربة العمومية بدواري الشهب والغنادرة، وإنجاز أشغال التطهير السائل والماء الصالح للشرب بدواري الضحاك والبحارة، وفي إطار تشاركي شرعت الجماعة بتعاون مع الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بإقليم الجديدة ومؤسسة العمران في تهيئة المجمعات السكنية ناقصة التجهيز التي ظلت لسنوات سجينة الوعود الانتخابية، وكانت هذه المجمعات موضوع اتفاقيات شراكة أبرمتها الجماعة مع باقي المتدخلين، الذين شكلوا شريكا أساسيا لإنجاز مشاريعها، وبالتالي التغلب على الإكراه المالي الذي تحاول الجماعة تجاوزه من خلال تنمية الموارد عبر حملات لتحصيل مستحقاتها، إضافة إلى دفاتر التحملات، التي أعدت من أجل استغلال مرافق شاطئ المدينة، لكن ما يحسب للمجلس الحالي حسب متتبعي الشأن المحلي هو تمكنه من تحرير مرفق مواقف السيارات والدراجات النارية الذي ظل لأكثر من سنة مستغلا بالمجان من قبل البعض، وهو ما مكن من نهج سياسة للقضاء على بعض السلوكات غير المقبولة في استغلال مرافق عمومية دون سند قانوني.

تدقيق مالي ومحاسباتي

كانت اختلالات التسيير والتدبير بجماعة الجديدة، موضوع تدقيق مالي ومحاسباتي من قبل المفتشية العامة للإدارة الترابية، أرسل تقريرها النهائي إلى رئيس الجماعة، الذي وفي سابقة فريدة على صعيد الجماعات الترابية بالمملكة، عرضه على أنظار المجلس الجماعي في دورة ماي الماضي، لمناقشته من قبل المنتخبين، فكانت ردود الفعل قوية وتباينت الآراء في تقييمه، فأعضاء المعارضة تحدثوا عن وجود اختلالات منسوبة إلى أعضاء مسيرين، أما الرئيس، فأوضح مصدر مقرب منه، أنه رفع الجلسة بعد أن رأى في التقرير وثيقة مهمة لابد من التجاوب مع الملاحظات والتوصيات الواردة فيها للعمل بها وتقويم الاعوجاجات المثارة بها خلال المدة المتبقية من عمر المجلس الجماعي، والتي ستعرف وبدون شك إخراج عدة مشاريع تنموية تندرج في إطار برنامج العمل خدمة للإدارة الجماعية، وفق تدبير جماعي يرتكز على مبادئ الحكامة الجيدة، وهو ما يأمل الجديديون في تحققه على أرض الواقع.

مؤهلات صناعية وسياحية

مدينة ساحلية تطل على المحيط الأطلسي، وتتموقع بين البيضاء من الشمال ومراكش من جهة الشرق وآسفي من جهة الجنوب، ومزودها الأساسي بالماء هو واد أم الربيع الذي تتقاسم مجراه مع أزمور.
يبلغ عدد سكانها حسب إحصائيات 2014، ما يقارب  194 934نسمة، وأغلبهم من منطقة دكالة، كما شهدت نموا ديموغرافيا كبيرا منذ الثمانينات بسبب الشركات الصناعية التي استقرت بها لقربها من البيضاء ولأنها منطقة جذب للاستقرار لجوها المعتدل طيلة السنة وشواطئها الجميلة، ولأنها كذلك مرتبطة بالطريق السيار الذي يربطها بالبيضاء والرباط وباقي المدن، ثم السكة الحديدية، ولتوفرها على ميناء للصيد وآخر لتصدير الفوسفاط بالجرف الأصفر.
ويعتمد اقتصاد الجديدة على الصناعة لتوفرها على عدة مصانع أكبرها هو مركب الجرف الأصفر، وتشتهر بالسياحة الداخلية، سيما في فترة الصيف، وتنظيمها مهرجان الفرس ومهرجان جوهرة، وغيرها من الأنشطة الفنية والترفيهية.

صفقتان مشبوهتان

تحمل المعارضة رئيس الجماعة مسؤولية توقف الأشغال، وتطالبه باستئنافها، فيما تشير المعطيات المتسربة من ردهات الجماعة، إلى أن استئناف الأشغال دون القيام بالمتعين قانونا، سيما أنها كانت مشمولة بمجموعة من إجراءات المراقبة، سيخلط الأوراق، إذ أن الرئيس الحالي لم يسبق له أن أصدر قرارا بإيقاف الأشغال، بل حين بادر إلى محاولة تسوية وضعية الصفقتين، تم عقد اجتماع بمقر العمالة، دعا إليه العامل السابق بحضور ممثلي الشركتين الحائزتين للصفقتين، وأطر من العمالة والجماعة سيما المسؤولين منهم على التتبع، وبعد مناقشة الموضوع من كل الجوانب التقنية والمالية تبين أن استكمال الأشغال يتطلب غلافا ماليا كبيرا، يتعذر على الجماعة توفيره بسبب انعدام الإمكانيات المالية، ناهيك عن شبهة الفساد المالي الناجمة عن الأمر بفتح تحقيق الصادر عن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالبيضاء، إثر شكاية حول الصفقتين. رغم هذين العائقين، كلفت الجماعة مكتبا للدراسات لإجراء خبرة حول الأشغال المنجزة فخلصت النتائج إلى وجود تباين كبير بين كمية الأشغال والأموال المؤداة للشركتين.

شراكات لأوراش متوقفة

لم تجد الجماعة من حل أمامها لاستكمال أوراش توقفت لأسباب ظل السكان يجهلونها، إلا عقد شراكات، فأبرمت الجماعة عدة اتفاقيات في هذا الشأن مع فاعلين اقتصاديين واجتماعيين ومؤسسات منتخبة لإنجاز مشاريع إنمائية لفائدة السكان، كما انخرطت الجماعة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ساهمت في تمويل عدة مشاريع بالمدينة، أبرزها مشروع تهيئة حديقة الحسن الثاني، والمشاريع الخاصة بالمواطنين القاطنين بالمجمعات السكنية والرامية إلى إدماج هذه المجمعات في النسيج الحضري، في إطار مقاربة تخفيف التباين المجالي داخل المدينة، التي كل من زارها إلا وتستوقفه الأشغال المتوقفة بطريقي مراكش وسيدي بوزيد موضوع صفقتين أسالتا مدادا كثيرا، ويتعلق الأمر بالصفقتين رقم16/2014و17/2014، مازالتا قيد أبحاث تجريها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على أمر من الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالبيضاء، على اعتبار ولايته على جرائم المال العام، بعد توصله بشكاية من جمعية للدفاع عن المال العام، لكن ما يثير القلق ويدعو الى التساؤل هو توقف الأشغال وعدم التوافق على صيغة لاستكمالها، ووقوف الداخلية موقف المتفرج.

ملف قضائي عمر طويلا

مازالت قضية اختلاس المال العام والتزوير وعدم تحصيل واجبات الجماعة الحضرية للجديدة، تروج استئنافيا بغرفة جرائم الأموال بالبيضاء، ويتابع فيها الرئيس الأسبق وباشا المدينة السابق، وموظفون وأعضاء جماعيون وأرباب مقاه، وهي القضية التي أدين فيها المتهمون العشرون ابتدائيا بأحكام تراوحت بين سنتين حبسا نافذا ونظيرتها موقوفة التنفيذ، مع غرامات كل حسب المنسوب إليه. وجاءت المتابعة إثر صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الفترة الممتدة بين 2002 و2007. وأحيلت القضية على محكمة جرائم الأموال بالبيضاء، منذ 2013، عندما قضت غرفة الجنيات الاستئنافية بالجديدة، بعدم اختصاصها للنظر في الملف، لاغية بذلك أحكاما جنائية ابتدائية صدرت سنة 2011 في حق المتابعين في ما عرف بالفساد المالي والإداري للجديدة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق