الدكتور سعيد جميل * والأهم من ذلك، أن ما يقرب من الثلث من المترشحين الذين لم ينجحوا في اجتياز هذه المحطة التعليمية يمثلون تكلفة مالية ضخمة على ميزانية الدولة، تُقدر بأكثر من 2,6 مليار درهم. وهو رقم ثقيل، لا ينبغي التعامل معه كمجرد معطى ثانوي، بل كعنصر حاسم يفرض إعادة النظر في تحليل النتائج، ويدعو إلى تفكيك بنية الفشل الدراسي، وفهم مكامن الاختلال على نحو عميق وموجه نحو الإصلاح الفعلي. تفاوتات جهوية وإقليمية صارخة تخفي هذه النسبة الإجمالية تفاوتات جهوية وإقليمية صارخة. فقد أظهرت البيانات، الرسمية منها وغير الرسمية، التي تم تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أن هناك جهات في المغرب حققت نسب نجاح حوالي 88%، في حين وصلت نسب النجاح في جهات أخرى إلى حدود 47% فقط. هذا التفاوت الكبير هو الصورة الحقيقية التي يجب أن تثير اهتمامنا، لأنه يعكس إشكالات بنيوية في تدبير المنظومة التعليمية وخصوصًا في تنظيم امتحانات الباكلوريا. هذه الإعلانات المتكررة لترتيب الجهات حسب نسب النجاح قد تسبب في إشكالية كبيرة، لأنها تخلق تنافسية بين الجهات قد تكون سلبية أحيانا، وقد تؤدي إلى عواقب غير ناجحة للمنظومة التربوية بأكملها، وذلك بسبب تحميل الجهات وحدها مسؤولية نتائج الباكلوريا، مما يضع ضغطًا كبيرًا عليها، ويغفل أحيانًا الدور المركزي والإشكالات الأخرى المتعلقة بالتدبير المركزي وسياسات التعليم الوطنية.. مثال واضح يمكن أن نأخذه هو جهة الدار البيضاء – سطات، باعتبارها أكبر جهة من حيث عدد السكان والتلاميذ، وهي تمثل نموذجا حيويا لفهم عمق هذه الفوارق. داخل هذه الجهة، تتراوح نسب النجاح بين المديريات المختلفة بين 40% و73%. هذا التفاوت الكبير هو مدعاة للتساؤل، خاصة أن جميع المديريات تخضع لنفس المراجع التربوية، وتخضع لنفس الامتحان الوطني والجهوي. وتظهر البيانات التفصيلية بين المديريات في جهة الدار البيضاء – سطات أن المديريات الإقليمية شبه القروية مثل مديونة وبرشيد والنواصر وبنسليمان وسيدي بنور تمثّل نسب نجاح مرتفعة في امتحانات الباكلوريا بين 59% و73%، على عكس المديريات الإقليمية الحضرية التي تمثل نسب نجاح تحت المعدل العام الجهوي، مثل المديريات التابعة لسيدي البرنوصي، بن مسيك سيدي عثمان، مولاي رشيد وأنفا، وعين السبع والمحمدية. وهذا رغم أن هذه المديريات توجد في مدار حضري مركزي ومحدّد في مدينة الدار البيضاء، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت الكبير داخل نفس الجهة، بين الأقاليم شبه القروية والأقاليم الحضرية. نتائج تعكس هشاشة التمدن من خلال قراءة أولية لبعض المعطيات، يبدو أن هذا التفاوت الكبير، خصوصا في أقاليم مثل سيدي البرنوصي، وبن مسيك سيدي عثمان، ومولاي رشيد، لا يمكن أن يكون مجرد صدفة، بل قد يعزى إلى ما تمكن تسميته بـ «هشاشة التمدن»الراجع الى الهجرة المتدفقة والمستمرة ،وهي ظاهرة تجمع بين كثافة سكانية مرتفعة، وخصاص في الدعم التربوي، وضعف في التأطير الفردي والجماعي، وغياب التوجيه المناسب للتلميذ والأسر. هذه الظروف تجعل المدارس العمومية في هذه المناطق الحضرية تعاني ضغوطا اجتماعية وتربوية كبيرة تؤثر سلبا على نسب النجاح. من جهة أخرى، فإن المناطق الحضرية، أنفا، وعين السبع وعين الشق «والجديدة»، تعرف كثافة كبيرة في التعليم الخصوصي، حيث يستقطب هذا القطاع فئات من التلاميذ المنتمين إلى طبقات ميسورة أو متوسطة، مما يؤدي إلى نزيف التعليم العمومي في هذه المناطق. ونتيجة لذلك، تشهد المدارس العمومية في هذه المناطق الحضرية تراجعًا في نسب النجاح في امتحانات الباكلوريا، إذ تفقد نسبة كبيرة من التلاميذ المحتمل نجاحهم لصالح القطاع الخصوصي، وهذا ينعكس سلبًا على مؤشرات الأداء في التعليم العمومي. أما بخصوص النسب المحترمة المسجلة في الأقاليم «شبه القروية»، مثل مديونة وبرشيد وبنسليمان والنواصر وسيدي بنور، فقد يُعزى ذلك إلى عوامل اجتماعية ونفسية خاصة، منها أن الأسر في هذه المناطق ما تزال تؤمن إيمانا راسخا بأن المدرسة هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لإنقاد أبنائها من الفقر أو البطالة، وأن الحصول على شهادة الباكالوريا، أو أي دبلوم أولي، يُعد خطوة أساسية نحو تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي. حلم التلميذ في هذه المناطق يبقى مستمرا، مدفوعا بأمل الالتحاق بالتعليم العالي أو الانتقال للدراسة في المدار الحضري. وفوق ذلك، فإن الشباب في هذه الأقاليم» شبه القروية» يظلون، في كثير من الحالات، بعيدين أو أقل تأثيرا بالتفاهة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي باتت تُشكل ما يمكن تسميته بـ»ظاهرة التفاهة» التي تؤثر في فئات واسعة من شباب المناطق الحضرية، خاصة في المدن الكبرى أو في مناطق الهشاشة الحضرية. هذه التأثيرات تُضعف أحيانًا من صورة المدرسة كفضاء للجد والاجتهاد، وتُروج تفاهة مضادة للنجاح، مما يجعل التلميذ الحضري أقل إصرارًا، وأقرب إلى الإحباط أو إلى البحث عن اختصارات غير تربوية. جهة البيضاء سطات... فوارق كبيرة ومن جهة أخرى، فإن الفوارق الكبيرة التي سُجّلت على مستوى جهة البيضاء-سطات لا تقتصر فقط على التفاوت بين المديريات الإقليمية، بل تتكرر بشكل صارخ بين المؤسسات التعليمية داخل الإقليم نفسه. فمثلًا، في إقليم المحمدية، الذي سجل نسبة نجاح متوسطة على صعيد الجهة، نجد أن بعض الثانويات التأهيلية حققت نسب نجاح تقارب 88%، في حين لم تتجاوز مؤسسات أخرى في الإقليم نفسه 31%. نحن هنا لا نتحدث عن تفاوت بين العالم القروي والحضري، أو بين جهتين بعيدتين، بل عن مؤسسات تشتغل داخل السياق الترابي والإداري نفسه. هذا المعطى يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن الاستمرار في تعليق ضعف النتائج فقط على الظروف الاجتماعية والاقتصادية؟ أم أن الإشكال أعمق، ويتعلق بجودة التدبير التربوي، ونمط التسيير داخل المؤسسة، ودور الإدارة الإقليمية والجهوية، بل حتى الكفاءة التدبيرية للمؤسسة نفسها؟ هل من المعقول أن نُرجع هذا الفرق المهول في النتائج إلى التلاميذ وحدهم؟ أم أن الوقت قد حان لفتح نقاش شجاع حول المسؤولية المؤسساتية، وعن ضرورة تدبير مستقل للمؤسسة التعليمية يُحمّل مديرها وفريقها التربوي مسؤولية النتائج، وفي الوقت نفسه يمكنهم من شروط الاشتغال الفعلية، والدعم التقني، والموارد البشرية الكافية؟ نجاعة فلسفة الرقابة تحت المساءلة ما يلفت الانتباه، أيضا، هو تشتت نسب النجاح في امتحانات الباكلوريا، سواء على صعيد الجهات، أو داخل الجهة نفسها على مستوى الأكاديمية الجهوية، أو على مستوى المؤسسات التعليمية داخل الإقليم الواحد. هذا التفاوت يعبّر، في نظرنا، عن أزمة عميقة ينبغي التوقف عندها. فامتحانات الباكلوريا تحوّلت، في عدد من المؤسسات، من عملية تربوية خاضعة لمنطق الرقابة والتقويم، إلى عملية إدارية روتينية، تنفذ بشكل آلي تحت عنوان «حراسة الامتحان» بدل «رقابة الامتحان». هذا التحوّل في الفلسفة التدبيرية قد يكون – في بعض الحالات – أحد الأسباب التي عمقت دائرة الغش أو ما يعرف بـ”النقلة”، بدرجات متفاوتة من مركز امتحان إلى آخر، وهو ما يُخضع العملية كلها لمدى نجاعة الفلسفة الرقابية المعتمدة في تلك المؤسسات. وفي هذا المنطلق، يبرز السؤال التالي: هل هناك بالفعل تقويم دوري لعمليات تدبير امتحانات الباكلوريا على مستوى مراكز الامتحان؟، وهل تستفيد الإدارات التعليمية من تكوينات مستمرة في مجال التقويم الإداري والتربوي؟ ومن جهة أخرى، أود أن أذكر بأن الإدارة المركزية خصصت ونظمت، على مدار السنة الدراسية، حصصاً لدعم التلاميذ في المدرسة العمومية. ورغم أهمية هذا المجهود الوطني، فإن رهان هذه الحصص يظل مرتبطًا، في العمق، بكفاءة التدبير الإداري المحلي وبمدى فعالية التتبع الفردي لكل تلميذ، فضلاً عن روح التعاون بين مختلف مكونات الهيأة التربوية، من أساتذة ومشرفين وإداريين، إذ أن نتائج الدعم لا تتعلق فقط بتوفير الحصص، بل بمدى اندماج الأطر التربوية في المشروع الجماعي للمؤسسة. وبالتالي، ما موقع مفهوم “جودة التدبير” في تفسير فروقات وتشتت الوضع في نسب النجاح في امتحانات الباكلوريا أو في نجاعة تتبع وتأطير العملية التربوية وبالخصوص عملية الدعم؟ أسئلة من هذا القبيل تفرض نفسها، كلما عدنا إلى قراءة النتائج، لا بوصفها أرقاما فقط، بل مؤشرات على نظام معقد يحتاج إلى تحليل ومساءلة. من منظور تحليلي وبالمرجعية قاعدة «باريتو» الشهيرة (80/20) التي تؤكد أن حوالي 20% من الفاعلين، سواء كانوا مؤسسات تعليمية أو مديريات أو أطر تربوية، هم المسؤولون عن نحو 80% من نتائج النجاح أو الفشل. هذا يعني أن20 %من تركيز الموارد والدعم على هذه الفئة المحدودة وأخد مبادرات إنتاجية ملائمة للواقع والمحيط الاجتماعي، يمكن أن يحدث فرقا كبيرا وفعال وقد تؤدي غالبا إلى 80% من النجاح التربويً. فالتدبير المحلي المستقل يمكن أن يساعد في التعرف على هذه الفئات وتفعيل دورها، بدلا من اعتماد سياسات مركزية عامة لا تراعي الخصوصيات، حيث إن نجاح أي مؤسسة تعليمية لا يرتبط فقط بالمقررات أو المنهجيات المعتمدة، بل يتوقف أيضا على مدى قدرة الإدارة التربوية على تدبير شؤونها باستقلالية واحترافية، مع وجود مؤشرات واضحة لقياس مسؤوليتها تجاه النتائج المحققة. إعادة التفكير في تدبير المؤسسات التعليمية العمومية كلما تأملنا في دلالات الأرقام، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في نموذج تدبير المؤسسات التعليمية العمومية، بما يتلاءم مع مبادئ الجهوية الموسعة، ويضمن استقلالية واقعية للإدارات التربوية على المستوى المحلي. إن ملامسة اختلالات المنظومة التعليمية لا يمكن أن تعالج مركزيا فقط، بل تتطلب مشروعاً إصلاحيا يوزع المسؤولية بوضوح بين الإدارة المركزية، والأكاديميات الجهوية، والمديريات الإقليمية، والمؤسسات التعليمية نفسها. لذلك، من الضروري وضع هيكلة دقيقة توضح المسؤوليات التدبيرية لكل مستوى من مستويات المنظومة، في إطار علاقة تكاملية لا تنازع فيها، وتقوم على مؤشرات الإنجاز والمردودية. فالإدارة المركزية ينبغي أن تضطلع بمهمة التوجيه الإستراتيجي العام، وتوفير الموارد البشرية والتكوينية، بينما تتحمل الأكاديميات الجهوية مسؤولية التكيف مع المعطيات المحلية، ومواكبة المؤسسات باحتياجاتها من التأطير والتقييم والمرافقة. أما المديريات الإقليمية، فيجب أن تكون الحلقة الوسيطة التي تضمن تنزيل المشاريع التربوية والبرامج السنوية حسب الأولويات الترابية والاجتماعية لكل إقليم وفي قلب هذا النموذج، تبرز المدرسة مؤسسة مستقلة في تدبيرها اليومي، قادرة على بلورة مشروع تربوي ذاتي، يراعي خصوصيات محيطها السوسيو-اقتصادي، وتتوفر على صلاحيات داخلية في التخطيط، والتأطير، والشراكة، والتواصل، وتدبير الموارد البشرية والمادية، مع خضوعها لنظام تقييم سنوي واضح المعايير والمؤشرات، تحت إشراف المديرية الإقليمية. ومن السذاجة التصور أن تطبيق اللامركزية وحده الحل الكافي أو الوحيد لمعالجة الأزمة التعليمية، بل إن الأمر يستوجب مشروعا وطنيا بعيد المدى، يمتد على عشرين سنة، في أفق 2045، يقوم على رؤية شاملة وبنية إصلاح موحدة تعالج كافة مكامن الخلل والعراقيل البنيوية التي تعيق إصلاح التعليم. وفي هذا الإطار، لا بد أن نطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية تمثل لبنة أساسية لبناء إصلاح شامل حقيقي ينهض بالتعليم من جذوره، وهي كالتالي: هل لدينا اليوم سياسة حضرية متكاملة «سياسة مدينة» قادرة على إدماج المهاجرين وتحويل بذلك الهجرة من عبء سلبي إلى رافعة إيجابية للنمو؟، هل نمتلك الإرادة والقدرة على الدفع ببرامج تعليمية ذات رؤية إستراتيجية، تستحضر التحولات الرقمية، وتدمج الذكاء الاصطناعي، والعلوم المعرفية الحديثة، والتكنولوجيا الحيوية؟، ما هي السياسة التشاركية التي يجب أن نؤسس لنضمن انخراط جميع الفاعلين في هذا الورش الإصلاحي الكبير؟، هل من الممكن للإدارة المركزية إعادة فتح مدارس تكوين الأساتذة وأطر التربية في كل جهة من جهات المملكة، مع تطوير محتواها لتواكب تحديات الجيل الألفي؟ * أستاد التعليم العالي