مفارقة كان من المفترض أن تكون السياحة الداخلية صمام أمان للقطاع السياحي، وسندا للاقتصاد الوطني، ووسيلة لإبقاء العملة الصعبة داخل البلاد. لكن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، فكل صيف يتكرر المشهد نفسه: آلاف المغاربة يحزمون حقائبهم نحو إسبانيا وتركيا ومصر وتونس وتايلاند والفيتنام، ليس لأنهم يفضلون بالضرورة قضاء عطلتهم خارج الوطن، بل لأن الأرقام أصبحت تتحدث بلغة لا تقبل المجاملة، فرحلة خارجية، تشمل الطائرة والإقامة، قد تكون أقل تكلفة من أسبوع داخل مدينة مغربية. هذه ليست دعاية للسياحة الخارجية، بل شهادة إدانة للسياحة الداخلية، فكيف يمكن لأسرة مغربية أن تقتنع بقضاء عطلتها في إحدى المدن الساحلية، وهي مطالبة بدفع آلاف الدراهم مقابل شقة متواضعة، دون خدمات، ودون نظافة، ودون مرافق ترفيهية، بينما تجد في المقابل عرضا متكاملا إلى الخارج بسعر أقل وجودة أعلى؟ وكيف يمكن الحديث عن تشجيع السياحة الوطنية في ظل فنادق ترفع أسعارها بشكل مبالغ فيه بمجرد حلول فصل الصيف، وكأن الزبون المغربي أصبح آخر من يستحق الاهتمام؟ المفارقة أن المغرب يستثمر ملايير الدراهم في الترويج لوجهاته السياحية عبر العالم، ويحقق نتائج مهمة في استقطاب السياح الأجانب، لكنه يبدو عاجزا عن إقناع المغربي بقضاء عطلته داخل بلده، بل إن كثيرا من المغاربة أصبحوا يعتبرون السفر إلى الخارج الخيار الأكثر عقلانية من الناحية الاقتصادية، ما يكشف خللا في المنظومة السياحية، وليس مجرد تغير في أذواق المستهلكين. الأكثر إثارة للاستغراب صمت القطاع الحكومي الوصي على السياحة، فوزارة السياحة تبدو وكأنها تكتفي بتتبع أرقام الوافدين الأجانب، بينما تغض الطرف عن نزيف متواصل للعملة الصعبة نحو الخارج بسبب تزايد عدد المغاربة، الذين يفضلون قضاء عطلتهم في وجهات أجنبية، فكل أسرة تختار السفر إلى الخارج تنفق آلاف الدراهم خارج الدورة الاقتصادية الوطنية، وهي أموال كان يمكن أن تستفيد منها الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والتجار والاقتصاد المحلي لو وجد أصحابها منتوجا سياحيا تنافسيا داخل المغرب. ولا يتعلق الأمر بمنع المغاربة من السفر، فحرية اختيار الوجهة حق مشروع، كما أن الانفتاح على العالم أمر إيجابي. لكن من غير الطبيعي أن يصبح الخارج أقل تكلفة وأكثر جاذبية من الداخل، وأن يستمر ذلك سنوات دون تدخل حقيقي لإعادة التوازن إلى السوق. المشكلة ليست في جمال المغرب، فالمملكة تمتلك من التنوع الطبيعي والثقافي ما يجعلها من أبرز الوجهات السياحية في العالم. المشكلة تكمن في غياب سياسة تحمي السائح المغربي من المضاربة الموسمية، وفي ترك الأسعار تخضع لمنطق الربح السريع، دون مراقبة أو تنظيم، وفي ضعف الاستثمار في الأنشطة الترفيهية التي تجعل السائح يشعر بأن ما دفعه يقابله مستوى جيد من الخدمات. لقد آن الأوان لأن تتحول السياحة الداخلية إلى أولوية وطنية، لا مجرد شعار يرفع كل صيف. المطلوب ليس حملات دعائية جديدة، بل إجراءات عملية، تبدأ بضبط الأسعار، وتشجيع العروض العائلية، وتحفيز المستثمرين على تقديم خدمات تنافسية، وربط الدعم العمومي بالتزامات واضحة تجاه المواطن المغربي. خالد العطاوي