حوار

نادير: الأجراء ضحية الضغط الجبائي

المتصرف بمديرية الضرائب أكد أن مساهمة أصحاب المهن الحرة في الضريبة ضعيفة

أكد محمد نادير، الإطار بالمديرية العامة للضرائب بالبيضاء, أن الضريبة على الدخل المحصلة من المنبع تشكل 73 في المائة من مجموع الضريبة على الدخل، وهو ما يعني أن الضغط الجبائي يتحمله الأجراء بالدرجة الأولى.

وأوضح المسؤول النقابي، والمتصرف بمديرية الضرائب، أن تحقيق العدالة الجبائية يتطلب القطع مع اقتصاد الريع ونظام الامتيازات الذي أثبت بالملموس عدم تحقيق أي دينامية اقتصادية. في ما يلي نص الحوار:

< رفعت المناظرة الوطنية حول الجبايات شعار العدالة الضريبية. لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في تنزيل الإصلاح الجبائي؟ < رفعت المناظرة الوطنية الأخيرة شعار العدالة الجبائية، انطلاقا من المبدأ الدستوري الذي ينص على تحمل جميع المواطنين، كل حسب استطاعته التكاليف العمومية. وانطلاقا من هذا المبدأ، ارتكزت العدالة الضريبية على توزيع العبء الضريبي بشكل يكفل التضامن، من خلال توسع الوعاء الضريبي، ومكافحة الغش والتملص الضريبيين، وإدماج القطاع غير المهيكل داخل منظومة تطبعها الحكامة المحققة للإنصاف. أما بخصوص فشل الحكومات المتعاقبة في تنزيل الإصلاح الجبائي، فيعود في رأيي، إلى عدم الاستقرار الذي طبع النظام الجبائي، من خلال إدراج مقتضيات ضريبية في قوانين المالية، وتغييرها بسرعة كبيرة، ما كان يضعف آثارها، ويحد من استمرارية مفعولها، خاصة أن بعضها يكون نتيجة ضغوطات أو موازين قوى غير متكافئة، بالإضافة إلى هيمنة اقتصاد الريع وسياسة الامتيازات التي تحد من فعالية المنظومة الإنتاجية الوطنية، وتضعف تنافسيتها. < لكن كيف تفسر الضغط الضريبي في ظل ضعف الناتج الداخلي؟ < صحيح أن الاقتصاد الوطني ما زال متركزا، إذ أن 387 مقاولة يمثل رقم معاملاتها 50 في المائة من إجمالي رقم المعاملات المصرح به، كما أن مستوى التضريب مازال مرتفعا (21.5 في المائة) في 2017، بالإضافة إلى تعقيد النظام الجبائي، وضعف فعالية بعض الضرائب والاقتطاعات، موازاة مع ضعف نظام الجبايات المحلية. ولابد من الإشارة هنا إلى استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وضعف معدل النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدل البطالة، وضعف مساهمة المواطنين في أداء الواجبات الضريبية، بسبب الارتكاز على مبدأ الإقرار، ناهيك عن انتشار القطاع غير المهيكل الذي يشكل 35 في المائة من الاقتصاد الوطني، وسيادة نظم إنتاجية تعيق الإصلاح الجبائي. < أثارت تصريحات الكاتب العام لوزارة المالية جدلا في أوساط المهن الحرة. كيف تنظرون إلى سبل محاربة التملص الضريبي؟ < تشكل الضريبة على الدخل المحصلة من المنبع، والتي تخص الأجراء 73 في المائة من مجموع الضريبة على الدخل، وتقسم النسبة المتبقية على الأرباح الناتجة عن المهن الحرة، والأرباح العقارية وأرباح الرساميل، وهو ما يعني أن الضغط الجبائي يتحمله الأجراء بالدرجة الأولى. إن مفهوم العدالة الجبائية غائب، وهو ما يتطلب تخفيفه بالنسبة إلى الأجراء، مع ربط حجم التضريب بكلفة المعيشة. وفي هذا الصدد، لا يعقل أن يكون نصيب الأجير من الضريبة على الدخل أعلى من صاحب مهنة حرة يراكم الأرباح، ما يفرض إصلاحا شاملا يراعي مبدأ الإنصاف، خاصة أن الواقع أثبت ضعف مساهمة أصحاب المهن الحرة في الضريبة. وأعتقد أن محاربة التملص الضريبي تتطلب تكثيف عمليات المراقبة على أرض الواقع، من خلال فحص الوثائق المحاسبية، وتعزيز الموارد البشرية واللوجيستية المخصصة للمراقبة الضريبية، وتقوية الآليات القانونية الزجرية، واعتماد نظام صارم للجزاءات بمستويين مرتبط بسوء النية أو حسنها، مع تطوير منظومة الأبحاث والتحقيقات، من أجل إحداث نظام معلوماتي متوازن وفعال يرفع مردودية المراقبة. وفي رأيي، من الضروري تقاطع والتقائية المعلومات التي تخص الملزمين الذين لا يصرحون بأرباحهم كاملة، من خلال مقارنة الفواتير الصادرة عنهم، وإقرار الضريبة، والاعتماد على تمحيص سيولة المعلومات الناتجة عن الرقمنة في تصويب الإقرارات الضريبية غير المضبوطة. المرونة في المراقبة < ما هي السبل لتوسيع قاعدة الملزمين بالضريبة، وتخفيض الضغط الجبائي، في الوقت الذي يسجل ارتفاع الضرائب غير المباشرة؟ < بخصوص توسيع قاعدة الملزمين بالضريبة، وتخفيض الضغط، لا بد من العمل أولا على وضع نظام جبائي يضمن انخراط أكبر عدد من الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بشكل مرن، مع ضمان تأثيره الإيجابي على الدينامية الاقتصادية والمالية والإنتاجية، مع تحقيق أكبر قدر من القيمة المضافة وفرص الشغل وتحريك عجلة الاستثمارات. إن تبسيط مقتضيات النظام الجبائي ضروري لتسهيل عملية التفاعل والإلمام بكل مضامينه وقواعده، خاصة من قبل النسيج الواسع الذي يشكله القطاع غير الميهكل، الذي يشتغل على هامش الدورة الاقتصادية، دون أن يساهم في تنمية الموارد المالية الوطنية، والاستفادة بشكل أحسن من فوائد الاندماج الفعلي للاقتصاد الوطني، خاصة أنه يشكل 35 في المائة من النسيج الاقتصادي. وأرى أن اعتماد المرونة على عمليات المراقبة ضروري، من أجل جعلها تستهدف المخاطر التي تخص التهرب والتملص من الضريبة. ولكي تتم عملية توسيع قاعدة الملزمين بالضريبة، لا بد من دراسة الانعكاسات الناتجة عن عملية الإصلاح داخل كل شرائح الفئات المجتمعية لضمان انخراط أوسع لأكبر عدد من الفاعلين الاقتصاديين. وبخصوص ارتفاع الضرائب غير المباشرة، فهي لا تخص المغرب وحده، إذ أن دراسة الأنظمة الضريبية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تؤكد ارتفاع مقدار الضرائب غير المباشرة التي تستهدف الاستهلاك، عوض الضرائب المباشرة التي تخص العملية الإنتاجية، وهذا ما يفسر الاحتجاجات التي عرفتها بعض الدول العربية، بعد رفع أسعار بعض مواد الاستهلاك ذات الاستهلاك الواسع، ولذلك لا بد من الموازنة بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة في توليفة تضمن عدم تضرر أي طرف داخل معادلة الإنتاج والاستهلاك. القطع مع الريع < يتوقف تنزيل توصيات مناظرة الجبايات على توفر الإرادة السياسية في محاربة الريع ونظام الامتيازات. هل يمكن الرهان على عدالة جبائية في ظل إعفاء قطاعات من الضريبة؟ < عرف المغرب خلال فترات سابقة، إعفاء قطاعات من الضريبة، نخص بالذكر القطاع الفلاحي، منذ ثمانينات القرن الماضي، إضافة إلى بعض القطاعات التصديرية خاصة في المناطق الحرة وبعض المهن الخاصة المرتبطة بقطاعات تندرج في إطار الإستراتيجيات القطاعية التي نهجها المغرب في السنوات الأخيرة. وإذا كانت هناك إعفاءات، فيجب أن تخص قطاعات أثبتت بالملموس مساهمتها الفعالة في توفير مناصب الشغل، وإنتاج قيم مضافة كبيرة في إطار السلاسل العالمية للقيمة المضافة، التي عرفت بدورها تحولا كبيرا، خاصة في هذه المرحلة التي تعرف الانتشار  الكبير للرقمنة ولمنظومة الذكاء الصناعي والتحولات المناخية والبيئية. ولتحقيق العدالة الجبائية، لا بد من القطع مع اقتصاد الريع ونظام الامتيازات التي أثبتت بالملموس عدم تحقيق أي دينامية اقتصادية ولم تساهم في توفير مناصب الشغل القارة لمحاربة الهشاشة ومكامن الضعف الإنتاجي والاستهلاكي. تحصيل 120 مليارا في السنة < ما هي العوائق التي تواجه الإصلاح، وهل تتوفر الإدارة اليوم على كل الوسائل اللوجيستية لتحصيل الضريبة في إطار العدالة والإنصاف؟ < إن أي رؤية إستراتيجية تهدف إلى القضاء على العوائق التي تواجه إصلاح النظام الضريبي، يجب أن تروم بناء منظومة جبائية متكاملة ومنصفة وعادلة، تقوم على محددات تشجيع الانفتاح والخروج من وضعية التركيز الاقتصادي، ومحاربة هيمنة اقتصاد الريع والامتيازات، وتشجيع الابتكار وتجاوز الاختلالات الاجتماعية والمجالية والترابية، مع مراعاة تحقيق  التنافسية الضريبية بين كل الفئات المجتمعية والمهنية، وتبسيط المساطر والمقتضيات القانونية الخاصة بالنظام الجبائي. ولتحصيل الضريبة في إطار العدالة، وجب القول إن الوسائل اللوجيستية والبشرية المتوفرة اليوم لدى إدارة الضرائب عرفت تطورا مهما خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل أطر وأعوان المديرية إلى 5085 شخصا مع نهاية 2018، كما انتقل عدد المحققين من 628 إلى 951 بنسبة ارتفاع بلغت 51 في المائة، أمام تنامي عدد ملفات التحقيق في المكان عينه، التي بلغت 7622 ملفا، بارتفاع بلغ 252 في المائة، مقارنة مع 2015،  في حين انتقل عدد أعوان التحصيل إلى 690 عونا. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عملية الرقمنة داخل المديرية العامة للضرائب عرفت تحولا كبيرا، إذ جرى 2.79 مليون عملية أداء الكتروني في 2018، مكنت المديرية من تحصيل 120 مليار درهم، تشكل 85 في المائة من إجمالي المداخيل الضريبية، كما جرى تفعيل تبادل المعلومات مع بنك المغرب وإدارة الجمارك ومكتب الصرف والمحافظة على الأملاك العقارية، وتوقيع اتفاقية مع المفوضين القضائيين. من أجل نظام ملائم للطبقات المتوسطة < تعتمد الضريبة أساسا على أجور الموظفين والأجراء، وهو ما يهدد كاهل الطبقات المتوسطة. ما هي حظوظ ولوج القطاع غير المهيكل إلى الضريبة؟ < في الحقيقة الضريبة على الدخل تعتمد أساسا على أجور الموظفين والأجراء، بما أنها محصلة من المنبع التي تخص الأجراء، وتشكل 73 بالمائة من مجموع الضريبة على الدخل، ما يطرح إشكالية العدالة الضريبية بين كل الفئات المهنية والمجتمعية، ويفرض ضغطا على الطبقات الوسطى التي تعتبر محركا اقتصاديا واجتماعيا يساهم في دينامية الطلب الداخلي. كل هذه الأمور تستوجب إعفاء التعويضات ذات الطابع الاجتماعي ( منح الإحالة على التقاعد، السكن وإعادة النظر في طريقة الاسترداد الخاصة بقروض السكن، مع الأخذ بعين الاعتبار التضريب الجماعي الخاص بالأسرة، الذي أصبح له دور تفقيري في مواجهة الأعباء الجديدة من صحة وتعليم واهتمامات رياضية وثقافية. وفي هذا الإطار، اقترح وضع طريقة للاسترداد خاصة  بمصاريف التمدرس في حدود  ثلاثة أطفال، والزيادة في مبالغ الإعفاءات الخاصة بالزوجة والأبناء، وتغيير الأشطر بشكل يحافظ على القدرة الشرائية للطبقات الهشة والمتوسطة، مع إمكانية استرداد مصاريف الصحة غير المغطاة بالتأمين وغير القابلة للاسترداد. كما يجب العمل على دعم القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، بوضع نظام ضريبي للأسر أكثر ملاءمة، ويأخذ بعين الاعتبار وجود أشخاص معالين، مع وضع منظومة للتعويضات العائلية تنطلق من إكراهات الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعرف تحولات عميقة. وبخصوص حظوظ ولوج القطاع غير المهيكل إلى الضريبة،  فيفرض تبسيط المساطر الإدارية والمنظومة الجبائية، وتطبيق ضريبة منخفضة وجزافية على الأنشطة البسيطة ذات الدخل المحدود، ودعم الحرفيين والمهن البسيطة من خلال المواكبة التقنية و الفنية، مع إعادة النظر في برنامج المقاول الذاتي وإحداث برامج للمقاولات الصغيرة،  تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي يعرفها عالم الشغل و طرق الإنتاج الجديدة. دمج الجبايات المحلية < يلاحظ المهتمون بالنظام الضريبي ثقل الضرائب المحلية وتعددها، وهو ما يعمق اللاعدالة. ما هي المداخل التي ترونها ضرورية لإصلاح الجبايات المحلية؟ < تتميز الضرائب المحلية المحددة بتعدد الضرائب والرسوم، ما يشكل صعوبة وعائقا خلال عملية التحصيل من قبل مصالح الجماعة. كما تشكل عرقلة في وجه الاستثمارات، خاصة بالنسبة إلى المقاولة الصغرى والمتوسطة، بسبب تعدد المساطر . وأرى أن إصلاح هذه الضرائب يجب أن يشمل الوعاء وأسس الضريبة وطرق التحصيل، بالإضافة إلى مراجعة عددها، كما يجب التفكير في دمج الجبايات المحلية في المدونة العامة للضرائب، بغية تحقيق التكامل والاندماج في المنظومة الضريبية بأكملها، وفي انتظار هذه الخطوة، يمكن الشروع  في إصلاح تدريجي يراعي خصوصيات هذا المرفق. وفي هذا الصدد، نلاحظ أن مجموعة من الجماعات الترابية تتوفر على قدرات جبائية غير مسجلة يمكن الاستفادة منها بالوسائل المتاحة، وتحسين طرق وكيفيات تدبير الشأن الجبائي المحلي، من تنمية مواردها الذاتية، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتصفية الباقي استخلاصه، وتحيين القرار الجبائي، وتأهيل ورقمنة الإدارة الجبائية . كما يجب تعبئة جميع الموارد المتاحة في إطار التطبيق الأمثل للمقتضيات القانونية المنظمة لتدبير الجبايات المحلية، مع التوفر على موارد  بشرية كفؤة ووسائل تقنية في المستوى، واعتماد نظام هيكلي جديد للمصالح الجبائية، مع الحرص على تكوين الأطر والأعوان، وتحفيز المكلفين بتدبير الجبايات المحلية، وهذا يتطلب وضع إطار مشترك للعمل بين مصالح وزارتي الداخلية والمالية. أجرى الحوار: برحو بوزياني - تصوير ( عبد اللطيف مفيق)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض