fbpx
مجتمع

“بيزنس” الغش في الامتحانات ينتعش

محلات النسخ تفتح أبوابها إلى ساعات متأخرة من الليل وتحقق أضعاف مداخيلها في الأيام العادية

لم تفلح الإجراءات الزجرية التي تم إقرارها لمواجهة الغش في الامتحانات في القضاء على هذه الممارسات أو التقليل منها، إذ ما تزال شريحة كبيرة من التلاميذ تبذل مجهودات أكبر من أجل ابتكار طرق جديدة للغش، وتجتهد في تدوين المعطيات في مطويات ورقية “الحروز” أكثر مما تجد لإعداد المواد التي ستمتحن فيها. ولم يعد الغش مقصورا على فئة من التلاميذ دون غيرها بل انتشر في صفوف جميع المستويات كما ينتشر داء السرطان في مختلف أنحاء الجسم، إذ أصبح تلاميذ المستوى الابتدائي مصابين بدورهم بهذا الداء. وتعرف محلات النسخ “فوطوكوبي” رواجا مع اقتراب الامتحانات، إذ لم يعد التلاميذ بحاجة إلى تدوين المقررات في المطويات المعدة للنقل، بل إن بعض المحلات تتوفر عل نسخ لمختلف المقررات يبيعونها لمن يطلبها بأسعار تختلف حسب المستويات الدراسية.

شددت وزارة التربية الوطنية الإجراءات من أجل محاربة الغش في الامتحانات وصدر قانون يرتب جزاءات تصل إلى خمس سنوات سجنا وغرامات قصوى في حدود 10 آلاف درهم، في حق الغشاشين بهدف منع التلاميذ من محاولة الغش في الامتحانات. لكن الواقع يشير إلى أن المقاربة الزجرية لم  تحقق ما كان مرجوا منها، بالنظر إلى الإقبال الكبير الذي تعرفه محلات النسخ “فوطوكوبي”. وأصبحت بعض هذه المحلات متخصصة في نسخ المقررات بهدف استخدامها  في الغش خلال اجتياز الامتحانات وترتفع السومة حسب مضامين هذه النسخ.

يصطف التلاميذ في طوابير أمام مكتبات اشتهرت بإعداد لوازم الغش، وأصبحت متخصصة في إعداد النسخ بخط صغير جدا وبيعها لمن يطلبها. ويبدو الأمر كما لو أن هذه المحلات تبيع الممنوعات، إذ يتم التكتم على الأمر ويتكفل التلاميذ بمراقبة محيط المحلات مخافة أي مباغتة من قبل السلطات المسؤولة.

لكن أصحاب هذه المحلات لا يولون الأمر أي أهمية معتبرين أنفسهم أنهم لا يرتكبون أي جرم، بل ينسخون الوثائق التي تسلم لهم، على غرار إبراهيم، أحد العاملين بمكتبة بالحي الحسني، إذ أكد أنه لا يفعل شيئا يمنعه القانون وأن نسخ الوثائق هو من صميم نشاط المحل ويزاوله طيلة السنة وليس خلال الامتحانات فقط، مضيفا أنه ليس مسؤولا عن كيفية استخدام النسخ التي ينجزها.

ولا يجد التلاميذ بدورهم أي إحراج في طلب النسخ المهيأة للاستعمال في الغش خلال الامتحانات. “كل شي كينقل والمقرر طويل يستحيل استيعابه”، تقول عواطف، مضيفة “هذ شي عادي وكايوقع في العالم كامل”.

قناعات يتقاسمها معها كل التلاميذ الذين صادفتهم “الصباح” قرب أحد محلات نسخ الوثائق، على غرار ياسين، الذي يرى أن طريقة التدريس وإعداد المقررات تعتبر السبب الرئيس في انتشار الغش في الامتحانات، إذ أن أغلب التلاميذ لا يتمكنون من استظهار عدد من المقررات، ما يدفعهم إلى استنساخها في أحجام صغيرة والاستعانة بها للإجابة عن الأسئلة.

ولا يعيرون اهتماما للعقوبات التي يمكن أن يتعرضوا لها في حالة ضبطهم في حالة غش، بل إن عددا منهم لا يعلمون بالإجراءات الزجرية المحددة في القانون، في حين أن آخرين يجازفون رغم علمهم بها، مثل ياسين الذي يعتبر أن الغش في الامتحانات من ضمن المجازفات التي على الإنسان خوضها.

ولا تظهر على التلاميذ الذين يتعاطون الغش أي علامات للإحراج مما يفعلونه، بل يعتبرون أن الأمر عادي، ويتفاخرون في ما بينهم بتجاربهم.

الأدهى من ذلك أن أولياء وآباء التلاميذ يباركون هذا الفعل ومنهم من يصاحب أبناءهم إلى المكتبات لإعداد النسخ، خاصة بالليل مخافة على سلامتهم. همهم الوحيد هو أن يحصل أبناؤهم على النقط المطلوبة لاجتياز الامتحان والنجاح في المرور إلى المستوى الموالي.

فلا عجب، إذن، أن يصل المستوى المعرفي لدى أغلب التلاميذ إلى الحضيض إذا كان الآباء يباركون الغش ولا يبذلون أي مجهود من أجل حث أبنائهم على الكد وبذل المجهودات من أجل التمكن من ضبط مقرراتهم.

وهكذا أصبح الغش ثقافة في المجتمع يتم التعايش معه ويتحول إلى فعل لا يثير أي امتعاض. وأصبح مصدر رزق لعدد من الناس، إذ لا يقتصر الأمر على محلات النسخ، بل هناك أيضا محلات التكنولوجيات الحديثة التي تبتكر تقنيات جديدة للنقل بواسطة أجهزة الاتصالات الذكية. وتم ضبط عدد من الحالات خلال امتحانات الباكلوريا لهذه السنة.

النسخة بدرهم

يتجند أصحاب المكتبات طيلة فترات الامتحانات، إذ تظل أبواب المحلات مفتوحة إلى ساعات متأخرة من الليل، ويحققون في هذه الفترة مداخيل هامة، كما أكد ذلك جلال، أحد العاملين بمحل للنسخ.

وأشار إلى أن ثمن نسخ الوثيقة لا يتجاوز 30 سنتيما للورقة في الأيام العادية، لكن النسخ مع تقليص حجم الكتابة يتطلب درهما للنسخة.

عبد الواحد كنفاوي

    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى