حوار

يجب تخفيض العبء الضريبي

محمد برادة أوضح أن إصلاح الضريبة سيتمحور حول تحفيز الاستثمار المنتج وتحقيق الإنصاف والحياد

أوضح محمد برادة، رئيس اللجنة العلمية للمناظرة الوطنية حول الجبايات، التي ستحتضنها الرباط ما بين 3 و 4 ماي الجاري، أن السياسة الجبائية ليست سوى إحدى آليات النمو، التي يتعين إدماجها في إطار نظرة شمولية بارتباط مع آليات أخرى. واعتبر أن المغرب حقق تقدما مهما منذ الثمانينات في مجال السياسة الجبائية، لكن التعديلات والإجراءات التي أدخلت لاحقا عبر قوانين المالية المتتالية من أجل الاستجابة للانشغالات أو الضغوطات القطاعية أو الفئوية في كل فترة من الفترات، تسببت في اختلالات المنظومة الضريبية، وأصبح من الضروري إعادة النظر فيها وإعداد قانون إطار للإصلاح، سيمثل مرجعا لكل الإجراءات الجبائية التي سيتم اتخاذها لاحقا. وأكد أنه في غياب اتضاح الرؤية في ما يتعلق بالنموذج التنموي الجديد، فإن اللجنة استندت إلى الخطب الملكية من أجل إعداد أرضية للنقاش. وفي مايلي نص الحوار:

أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

< لماذا تريد الدولة، من وجهة نظركم، إصلاح النظام الجبائي؟
< يشهد العالم تطورات سريعة ومتلاحقة، ما يفرض التأقلم معها، فمقاولاتنا تتحمل تداعيات العولمة والمنافسة الدولية، التي تتطلب أن نعمل على تقييم إستراتيجياتنا بشكل دائم من أجل مواجهة التحديات المطروحة علينا.
لكن هناك دواعي أخرى دفعت بالتفكير في إعادة النظر في منظومة الضرائب الحالية، فالمغرب حقق، منذ سنوات الثمانينات تقدما كبيرا على مستوى نظامه الجبائي، غير أن ذلك لا يمنع من تقييم الحصيلة بشكل منتظم ودائم لما تم تحقيقه وما لم يتحقق بعد، وما توفقنا فيه وما أخفقنا فيه.
المشكل المطروح حاليا، أنه، انطلاقا من المبادئ التي أقرتها قوانين الإطار، تم إدخال مجموعة من الإجراءات بمقتضى قوانين المالية المتتالية، من أجل الاستجابة للانشغالات أو الضغوطات القطاعية أو الفئوية في كل فترة من الفترات. ونتجت عن كل ذلك اختلالات في النظام الجبائي أثرت سلبا على انسجامه، الذي يعد ضروريا لكل نظام ليكون منصفا وشفافا.
ويعكس تنظيم الدورة الثالثة للمناظرة الوطنية حول الجبايات، حاليا، بعد ست سنوات من المناظرة السابقة خلال 2013، وعي المغرب بضرورة الأخذ بعين الاعتبار كل هذه التطورات المتواصلة.

<  ألم يكن من السابق لأوانه التفكير في إصلاح جبائي، في حين لم يتم بعد تحديد معالم النموذج التنموي الجديد؟
< بكل تأكيد، لكن في انتظار ذلك، ارتأينا أن تستند نقاشاتنا إلى الرسائل والتوجيهات التي تضمنتها ثلاثة خطب هامة لصاحب الجلالة.

< ما هي هذه التوجيهات؟
< ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الرأسمال اللامادي في كل قرار إستراتيجي، بمكوناته الثلاثة المتمثلة في الرأسمال البشري، والرأسمال المؤسساتي والرأسمال الاجتماعي. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أننا نسجل تأخرا كبيرا في هذا المستوى، خاصة في مجال التعليم، الذي يلعب دورا أساسيا في تحسين إنتاجيتنا وتنافسيتنا اللتين تمثلان مصدر إحداث مناصب الشغل.
وهناك، أيضا، مستوى البطالة المرتفع في صفوف الشباب حاملي الشهادات. ومما لا شك فيه أن البطالة تغذي الفوارق وتضر بالتماسك الاجتماعي. ومن نافلة القول إن الشغل يعتبر، قبل كل شيء، مصدر الكرامة الإنسانية والتماسك الاجتماعي، ويمثل الإسمنت الذي يشد هويتنا ووحدتنا.
وأخيرا، أصبح من الضروري إعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي، رغم معدل الاستثمار الهام الذي يصل إلى 32 % من الناتج الداخلي الإجمالي، فإنه لا يوفر مناصب الشغل المطلوبة! هناك ضعف في الاستثمار المنتج، الذي لا يمكن أن يتأتى إلا عبر الجمع الأمثل بين الرأسمالين المادي واللامادي. لدينا نمو لا يوفر الشغل لأنه يعاني مجموعة من النقط السلبية، فوتيرته غير منتظمة، ولا يساعد على إدماج الفئات الضعيفة ويعاني سوء التوزيع.
وإذا كان الطلب العمومي والخاص يمكن أن يشكل رافعة للتنمية، فإن الأمر، في وضعنا الحالي، يصب بنسبة كبيرة في مصلحة الإنتاج الأجنبي، ما يساهم في تدهور أكثر لعجز الميزان التجاري. والواقع أنه عبر الإنتاج يتم توفير المداخيل وإنعاش الاستهلاك والاستثمار وإحداث مناصب الشغل.

<  يجمع الكل على أن النظام الحالي يعاني غياب العدالة، كيف العمل لتجاوز هذا الإشكال؟
< النمو هو الكفيل بمعالجة هذا الوضع، إذ أن النمو الاقتصادي يحدث مناصب الشغل ويغذي خزينة الدولة بالموارد الجبائية، فالسياسة الجبائية ليست سوى إحدى آليات النمو. لذا يتعين إدماجها في إطار نظرة شمولية بارتباط مع آليات أخرى، مثل السياسة النقدية، وسياسة معدلات الصرف، وتحسين الحكامة، وعقلنة النفقات العمومية، والتربية وآليات أخرى.
ولا يتحقق النمو إلا عبر الاستثمارات المنتجة للشغل المستدام، وفي هذا الاتجاه يتعين أن تتوجه إستراتيجيتنا، وهذا هو مبدؤنا الأساس، إذ يتعين أن تحفز السياسة الجبائية هذا النوع من الاستثمار، لأن توفير مناصب الشغل سيساهم في تقليص الفوارق.

توسيع الوعاء

<  ما هي الآليات التي تعتزمون من خلالها تنفيذ المبادئ التي أشرتم إليها سابقا؟
< إضافة إلى الإجراءات الضرورية لتدعيم حيادية الضريبة على القيمة المضافة التي تشكل في بعض الحالات تكلفة على مقاولاتنا بتعدد معدلاتها وقاعدة المصدم (Butoir)، يتعين تخفيض العبء الضريبي، الذي يمثل 22.5 % من الناتج الداخلي الاجتماعي، ويرتفع إلى 26 %، إذا استثنينا القطاعات والنشاطات المعفية. وإذا كان متوسط العبء الضريبي في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في حدود 28 %، فإنه لا يتجاوز 17.50 % في المكسيك و 19 % في تركيا.
ويتعين، من أجل تخفيض العبء الضريبي، توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة الغش الضريبي لتحقيق إنصاف أكبر. وأثبتت التجارب أن تخفيض معدلات الضرائب يؤدي إلى ارتفاع الموارد وتقبل أوسع للاقتطاعات الضريبية، عملا بالمبدأ الدستوري بأن يساهم الكل كل حسب قدراته الإسهامية.
وتجدر الإشارة إلى أن نظامنا يعاني تمركزا قويا للاقتطاعات الضريبية، إذ أن 0.8 % من الشركات تؤدي 80 % من الضريبة على الشركات، ويمثل رقم معاملات 387 شركة مغربية، أي 0.16 % من المقاولات المصرحة، 50 % من رقم المعاملات الإجمالي المصرح به. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى الضريبة على الدخل، إذ أن 60 % من موارد الضريبة على الدخل تستخلص من الاقتطاعات على الأجراء! لذا، يتعين تقييم فاعلية الإعفاءات الضريبية، فبعضها لم تكن له النتائج المرجوة.
لكن يتعين، بالموازاة مع ضرورة توسيع الوعاء الضريبي، تمديد قاعدة المساهمات الاجتماعية، لتمكين السكان الذين يوجدون في وضعية هشة من الولوج إلى التغطية الصحية والاستفادة من المعاش. الإصلاح الجبائي يجب أن يأخذ طابعا  اجتماعيا.

الحفاظ على التوازنات

< ما هي المحاور الكبرى للإصلاح؟
< أفضل الحديث عن المبادئ الأساسية، التي حددنا عددا منها، مثل مبدأ دعم نموذج تنموي، بالنظر إلى أن النظام الجبائي يجب أن يكون إحدى ركائزه، بتناسق مع التوجهات الاقتصادية الكبرى للبلاد من أجل نمو مدمج ومستدام ومتوازن. مثل، أيضا، مبدأ التضامن والتماسك الاجتماعي، ما يفرض أن يكون النظام الجبائي مرتبطا بمحاور السياسات العمومية الأخرى ومساهما في تمويل التغطية الاجتماعية. من ضمن المبادئ التي تم تحديدها، كذلك، مبدأ التنافسية، بالنظر إلى أن النظام الجبائي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التوجهات والتطورات على الصعيد الدولي، مثل مبدأ الحيادية، بما يضمن أن تكون كل الأنشطة خاضعة للمبادئ الجبائية نفسها دون أي تمييز يمكن أن يؤثر في اختيار اقتصادي معين. ويجب أن يكون أي استثناء عن هذا المبدأ، خاضعا لدراسة مسبقة ولتقييم لاحق، وأن يكون محددا في فترة زمنية معينة.
لكن يجب ألا نغفل، أيضا، مبدأ الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، لذا يتعين أن يضمن النظام الجبائي المحافظة على استقرار توازن مالية الدولة الذي يتوقف عليه الإطار الماكرو اقتصادي العام.

<  ما هي الأفكار والمقترحات التي تمت إثارتها بشأن الجبايات المحلية؟
<  يمثل هذا الصنف ضرائب القرب، التي يشتكي السكان منها غالبا. ويتعين، في هذا الباب، تقليص عدد الضرائب وتبسيطها، على وجه الخصوص، من أجل فهم أمثل وتقبل أكبر من قبل الملزمين. فعلى سبيل المثال، تعتبر الضريبة المهنية حاجزا أمام الاستثمار، ما يفرض إصلاحها والعمل على جعلها رسما مرتبطا بالنشاط الاقتصادي. وفي كل الحالات، يجب أن تندرج الوعاءات الضريبية والمساطر المتعلقة بالجبايات المحلية في سياق ضرائب الدولة، في أفق إدماج الكل في مدونة عامة للضرائب.

خمس سنوات لتنزيل توصيات المناظرة

<  ما هي المراحل الموالية للمناظرة الوطنية حول الجبايات؟
< ستمثل المناظرة الوطنية لحظة للجميع من أجل الاستماع والمناقشة وتقديم مختلف الأفكار والآراء بشأن إصلاح المنظومة الجبائية. وسيلي هذه المرحلة إعداد مشروع قانون إطار يأخذ بعين الاعتبار النقاشات والمقترحات التي سيتم تقديمها، ليحال بعد ذلك على البرلمان، وسيتم تنفيذه عبر مراحل على مدى خمس سنوات.
وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن كل إجراء جبائي سيتم اعتماده من قبل قوانين المالية المقبلة يجب أن يحترم ويتماشى مع مبادئ القانون الإطار. ويتعين أن يستجيب لشروط إنعاش الاستثمار المنتج والمحدث لمناصب الشغل، والإنصاف، والفعالية، وتبسيط المساطر والشفافية.

< ماهو الدور الذي يجب أن تضطلع به إدارة الضرائب في تنفيذ المبادئ التي أشرتم إليها سابقا؟
< بالفعل، يتعين على إدارة الضرائب أن تكون متشبعة بهذه المبادئ وبضرورة المساعدة على انخراط المواطنين في الإصلاح وأن يتقبلوا المقتضيات الضريبية، عن طريق سياسة تواصل جيدة، وسيكون من الأفيد إعداد دليل مبسط لتوضيح مختلف المساطر والإجراءات.
كما يتعين أن يلمس الملزم بشكل ملموس مقابل مساهماته الضريبية على أرض الواقع، في ما يتعلق بالخدمات المقدمة من مختلف المرافق العمومية، وفي مجالات الأمن والصحة والتربية. من المفروض، أيضا، أن يساهم الإصلاح في إيجاد توازن أمثل بين الملزم والإدارة، إذ لا يمكن أن تكون الإدارة خصما وحكما، في الآن ذاته، تعد النصوص القانونية وتنفذها وتراقبها.
لذا فإن إحداث مجلس وطني للاقتطاعات الإجبارية من شأنه أن يساعد على تحقيق التحول المنشود، علما أن نتائج الإصلاح لا تظهر في الحين وعلى المدى القصير، فتغيير العقليات والممارسات يتم عبر مراحل وعلى مدى سنوات.
لكن وفي نهاية الأمر، وكما أشرت إلى ذلك في البداية، فإن السياسة الجبائية ليست سوى آلية ضمن آليات أخرى للمساهمة في تنمية البلد. كل شيء يتوقف على المقاربة التي سنعتمدها في الإصلاحات الأخرى ذات الصلة بالإصلاح الجبائي، والتي يجب أن تكون في إطار رؤية واضحة ومنسجمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض