تحقيق

غولف ابن سليمان … بيت العنكبوت

مشروع سكني راق تصيد ضحاياه بعقود بيع ملغومة وزج بهم في دوامة القضاء بوثائق مزورة

القاضي لا يحكم بعلمه، وإنما بما يروج أمامه من وثائق، حقيقة لم يقتنع بها متقاضون اكتووا بنار أحكام صدرت ضدهم، بعدما استغل خصومهم بسوء نية مساطر قضائية لتمرير وثائق مزورة والتلاعب بمسار منازعات. يتعلق الأمر بظاهرة خطيرة ما فتئت تتفشى في المحاكم، وأغرقت أفرادا وشركات في متاهات الطعون وطلبات إعادة النظر، لغاية إعادة توجيه دفة العدالة، والوصول إلى أحكام منصفة، مبنية على وقائع ومستندات حقيقية.

وبهذا الخصوص، شكل ملف قضية شركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان) نموذجا صارخا، على تضليل مجرى العدالة بوثائق مزورة، إذ كشف البحث في مسار هذا الملف عن مفاجآت كبيرة، عصفت بمصالح الطرف المدعي، رجل أعمال مغربي وشريكه الأجنبي، بعدما صدرت أحكام لفائدتهما بإتمام البيع والتعويض عن الضرر في عقد اقتناء فيلا، ابتدائيا واستئنافيا، وحتى أمام محكمة النقض، قبل أن يدخل الملف منعطفا جديدا في دعوى أخرى لإرغام الشركة المذكورة على تنفيذ الحكم، حين ألزم القضاء الطرف المدعي بتعويض المدعى عليه، عن أشغال بناء وتهيئة العقار، باعتبار أن البيع انصب على أرض عارية، وليست مبنية.

لماذا تغير موقف القضاء من ملف محكوم سلفا لفائدة المدعين؟ وكيف تمكنت الشركة العقارية من قلب مسار القضية؟، وعلى أي وسائل اعتمدت لتحقيق هذه الغاية ؟، أسئلة متشابكة، تحاول «الصباح» الإجابة عنها في هذا التحقيق، من الزاوية التي تهم القارئ، دون التدخل في حيثيات نزاع قضائي، ما زال منظورا إليه أمام القضاء، أو حتى التأثير عليه.

إنجاز: بدر الدين عتيقي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

التدقيق في وثائق نزاع قضائي عمر في المحاكم لحوالي تسع سنوات مثل البحث عن إبرة في كومة قش، والواقع أن تحقيق المهمة الثانية أهون من الأولى، باعتبار صعوبة التثبت من صحة المعلومات وسلامة المساطر في النزاعات القضائية، التي تحكمها نصوص قانون الالتزامات والعقود. يتعلق الأمر بملف قضائي فريد، اكتسب خصوصيته من طول أمد التقاضي والتحول الذي عرفه النزاع لصالح الطرف المدعى عليه شركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان)، قبل أن يتم تدارك الأمر من قبل رجلي الأعمال (المدعيين) بطلب لإعادة النظر في قرار استئنافي صدر أخيرا، ألزمهما بأداء مبلغ تجاوز 421 مليون سنتيم، عبارة عن تكاليف تهيئة القطعة الأرضية وبناء الفيلا من لدن الشركة، المحكوم عليها في الدعوى ذاتها، عن الضرر جراء الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي بإتمام البيع، بمبلغ وصل إلى 50 مليون سنتيم.

نقطة التحول في هذا الملف القضائي، كانت إقناع المحكمة بأن النزاع مرتبط بقطعة أرضية وليس فيلا، وأن الشركة المدعى عليها، تحملت تكاليف تهيئة الأرض وبناء العقار، وعززت ادعاءها بفواتير مفصلة تحمل اسم وتوقيع الشركة التي نفذت الأشغال المذكورة، لتتمكن بسهولة من استصدار حكم لفائدتها، وتقلب مسار تقاض عمر لسنوات في المحاكم، علما أن دعوى إتمام البيع الأولى، التي كسبها المدعيان ابتدائيا واستئنافيا، وحتى أمام النقض، لم تتضمن وثائق الأحكام الصادر بشأنها أي ذكر لقطعة أرضية غير مبنية، بيعت في 2008 إلى التاجرين، علما أن صورا ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ضمن خدمات محرك البحث «غوغل إيرث»، كشفت عن أن البناية كانت قائمة منذ 2009.

حجوزات مفاجئة

سارع دفاع شركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان) إلى استصدار قرار بالحجز على الحسابات البنكية لرجلي الأعمال، استنادا إلى حكم استئنافي قضى بتعويض الشركة عن أشغال بناء الفيلا، والذي تجاوزت قيمته 266 مليون سنتيم. هذه الحجوزات المباغتة أثرت بشكل كبير على الحالة النفسية لـ»باسكال لوبيز»، التاجر الفرنسي الذي قضى أزيد من 34 سنة في المغرب، وحكمت على أعماله وشريكه بالجمود منذ مدة، إذ تحدث في تصريح لـ»الصباح» عن إيقافه لمشاريعه التي تشغل 500 شخص، بسبب هذا النزاع القضائي، وضبابية رؤيته لمستقبل الاستثمار في المملكة، في ظل التحولات التي عايشها في هذا الملف.

الحكم القضائي بالتعويض عن أشغال البناء والحجوزات المباغتة على الحسابات البنكية، لم تحد بالتحقيق عن مساره، وحفزتنا أكثر من أي وقت مضى على زيارة المشروع، ومعاينة الفيلا المشيدة على أرض الواقع، قبل أن نفاجأ بعد دخول المجمع السكني الراقي ببناية قائمة، لم تطلها أي أشغال نهائية، ذلك أن الفيلا عبرة عن حيطان مشيدة بالآجر الأحمر فقط، ولا وجود لأي «سيراميك» أو حوض سباحة أو مطبخ مجهز أو غيرها، كما توضح صور استطعنا التقاطها في المكان عينه بصعوبة، بعد ملاحقتنا من قبل حراس في المشروع، الذي يحوي شطرا آهلا بالسكان، وأشطرا أخرى، لا يمكن ولوجها بسبب متاريس موضوعة في الممرات المؤدية إليها، إذ تحوي فيلات مهجورة، برسوم عقارية مثقلة بالرهون والحجوزات، وهي الحقيقة التي لا تستثني الفيلا، المشيدة فوق البقعة الأرضية، موضوع النزاع.

هذه الوقائع كشفت عن تحول مشروع «غولف» ابن سليمان إلى شراك للعنكبوت، يتصيد الضحايا، الذين يستدرجون في غفلة منهم إلى مصير محتوم، لا يحصلون فيه أموالهم أو عقاراتهم، والحالة هنا امتدت إلى طبيب كاد أن يفقد عقله، بعدما تعذر عليه الحصول على عقاره، إذ رفض محافظ الوكالة العقارية تسجيله بسبب رهون وحجوزات على الرسم العقاري الخاص به، في حالة مشابهة لما تعرض له رجلا الأعمال، اللذان ظنا في 2008، أنهما اقتنيا فيلا مشيدة على قطعة أرضية تبلغ مساحتها 729 مترا، مقابل مبلغ 460 مليون سنتيم، سدد على أربع دفعات، قبل أن يتأكد وقوعهما في شرك عملية بيع ملغومة، بسبب رهون على الرسم العقاري، ليجبرا بعد استنفاد مفاوضات ودية مع الشركة حول تطهير هذا الرسم وإتمام البيع، على اللجوء إلى القضاء.

ويظل باب التساؤل مفتوحا في هذا الملف القضائي، حول ما إذا تدخلت جهات خفية للتلاعب في مسار القضية ؟، باعتبار نفوذ المدعى عليه (الممثل القانوني للشركة العقارية)، إذ ستكشف الأيام المقبلة مدى صحة هذه التخوفات، بتقدم وتيرة معالجة هذا الملف الخطير في مرحلة الاستئناف.

شـــركـــة وهـــمـــيـــة

دفعت شركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان) في استئنافها ضد حكم بالتعويض لفائدة رجلي الأعمال، عن عدم وفائهما بالتزاماتهما، بأن البيع انصب على بقعة أرضية غير مشيدة، وان البناء تم في أواخر 2009، وطالبت بموجب ذلك بتعويضها عن عملية التهيئة والبناء، بعد الإدلاء بفاتورتين صادرتين عن شركة بناء، استندت إليهما المحكمة في الأمر بإجراء خبرة، وتجاهل حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به، في الدعوى الأولى المتعلقة بإتمام البيع، لتقضي بتعويض البائع، الشركة العقارية المذكورة، بأزيد من 266 مليون سنتيم.

هذا التحول الدرامي في مسار النزاع القضائي، حفز على  البحث عن الشركة المصدرة للفاتورتين الحاسمتين في الخبرة المنجزة بأمر من المحكمة، خصوصا أن رجلي الأعمال تمسكا بأن شركة أخرى هي التي أنجزت المشروع، وشهادة موقعة من المهندس المتابع للمشروع، الذي أكد أن أشغال بناء 95 فيلا، بينها الفيلا موضوع النزاع، المشيدة فوق البقعة 186، انتهت في أواخر 2008. معطيات كثيرة حفزت «الصباح» على البحث عن الشركة صاحبة فاتورة 266 مليونا، قبل أن تتفاجأ عند زيارة مقرها الاجتماعي المسجل بالفاتورتين المدلى بهما إلى  المحكمة، بمحل تجاري صغير مهجور، لا يعكس موقعه في شارع أبي شعيب الدكالي بالبيضاء، رقم المعاملات المذكور وحجم الأشغال التي نفذتها، ذلك أن معلومات حصلت عليها الجريدة من المكان عينه، أفادت أن المحل الذي لا يحمل أي لافتة أو اسم تجاري، موضوع زيارات متكررة من قبل المحصلين والدائنين، الذين يجدون صعوبة في الاستدلال عليه بسبب تعذر إيجاد الرقم 99 في هذا الشارع الكبير.

كشفت هذه المعلومات عن أن الشركة التي استغلت فواتيرها في التلاعب بمسار نزاع قضائي، لا تعدو أن تكون وهمية، فهي لا تمارس أي نشاط، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنفذ أشغالا بالمبلغ المذكور، باعتبار أنها لم تقدم تصريحات حول حصيلتها المالية، وفق بحث لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية. كما أظهرت تصريحاتها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عدم توفرها على أجراء ومستخدمين بالعدد الكافي لبناء منزل صغير، فكيف التكفل بورش بناء وتهيئة فيلا ضخمة، وتأمين أشغال حوض سباحة وسيراميك وبلاط وغيرها من الأشغال النهائية.

ممثل الشركة العقارية: واثقون في القضاء

لم يتردد «ج. ي»، الممثل القانوني لشركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان) في التفاعل مع أسئلة «الصباح» حول حيثيات النزاع القضائي، والتحولات التي عرفها، إذ أكد بعد مواجهته بالوقائع التي عاينتها الجريدة في البيضاء وابن سليمان، ثقة شركته في القضاء، موضحا أن للمحكمة الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الملف، الذي يعود إلى سنوات طويلة، متمسكا بالمطالبة بتحصيل تكاليف أشغال بناء الفيلا، موضوع النزاع، معتبرا أن البيع انصب على قطعة أرضية غير مبنية منذ البداية.

وفي المقابل أفادت معطيات توصلت إليها «الصباح» لدى وكالة المحافظة العقارية، أن أغلب الرسوم العقارية الخاصة بمشروع «غولف» ابن سليمان، مثقلة بالرهون والحجوزات بسبب نزاعات قضائية مختلفة مع زبناء ومزودين ومجهزين، ارتبطت بالإخلال بالتزامات تعاقدية وعدم سداد متأخرات، ما حول المشروع برمته، حسب أحد المتضررين، إلى شبكة عنكبوت كبيرة، لا تتوقف عن تصيد الضحايا، وإقحامهم في دوامة التقاضي، ذلك أن المشروع السكني الراقي الذي انطلق تنفيذه منذ 2008، ما زال متعثرا، ولم يتجاوز الشطر الأول، فيما يضج بالفيلات المهجورة، الغارقة في متاهات النزاعات القضائية.

الخبرة القضائية تفضح التضليل

ما زال ملف الدعوى أمام نظر القضاء، بعد تقدم دفاع رجلي الأعمال بطلب لإعادة النظر في حكم الاستئناف القضائي في حقهما بتحمل تكاليف بناء الفيلا لصالح شركة (امتداد وتنمية «غولف» ابن سليمان)، موازاة مع طلب إجراء خبرة قضائية بأمر من رئيس المحكمة الابتدائية بابن سليمان، فضحت نتائجها تضليل المحكمة باستعمال فواتير مزورة وادعاء وقائع غير حقيقية، ما تسبب في تحول مسار النزاع القضائي عن السكة الصحيحة.

وكشفت نتائج الخبرة، التي تتوفر «الصباح» على نسخة منها، بعد معاينة الفاتورتين المدلى بهما من قبل الشركة العقارية بشأن تكلفة الأشغال، ووضعية الفيلا المشيدة على الرسم العقاري عدد 15124/25، عن عدم وجود المسبح، بل حفرة بالتراب، وغياب التزفيت، وكذا عدم إتمام أشغال الرخام والتكييف، ناهيك عن عدم وجود أي أشغال ملموسة للنجارة الحديدية، اللهم إطارات بالأبواب فقط «فو كادر»، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المدخنة وأعمال الألمنيوم، إذ تم إنجاز نافذتين فقط، وغيرها من مدخلات الأشغال النهائية التي لم تنجز.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق