fbpx
افتتاحية

سنة بيضاء!

كان متوقعا أن يسقط ملف الأساتذة المتعاقدين في منتصف الطريق، بعد أن خرج مائلا، منذ اليوم الأول الذي، اختارت فيه الحكومة نمطا غير واضح في التشغيل، بمضامين قانونية غامضة مليئة بالثغرات والعيوب، التي يستعملها المحتجون وقودا لتصعيد شبه يومي.
وبدا، من خلال مسلسل الشد والجذب المستمر منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أن وزارة التربية الوطنية “تورطت” في ملف اجتماعي جديد، يضاف إلى عشرات الملفات الموضوعة على طاولة الحوار الاجتماعي مع النقابات القطاعية منذ سنوات، وتعجز الحكومة، إلى حد الآن، عن تقديم أجوبة مالية وقانونية ومسطرية عليها، خارج منطق التسويف وربح الوقت.
وبعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد، لم تعد الوزارة تملك أي خيار غير سل الشعرة من العجين بأقل الخسائر الممكنة، وهو ما اتضح من خلال الندوة الصحافية للوزير، الذي اكتفى بالتذكير بالسياق التوجيهي العام لنظام التعاقد المندرج في منطق الجهوية الموسعة (إعطاء صلاحيات أكبر للأكاديميات في التشغيل)، دون أن يقدم أجوبة عملية حول طريقة التعامل مع 70 ألف أستاذ مزاول يوجدون، منذ أيام، خارج فصولهم.
وبهذا الشكل “الذكي”، تتجنب الحكومة الحديث عن “سنة دراسية” بيضاء، نظرا لكلفتها السياسية والانتخابية الباهظة، بينما يستعملها الأساتذة المحتجون فزاعة للتخويف، وأسلوبا للتهديد لتركيع الوزارة، وحملها على الاستجابة لمطالب أغلبها تشوبه مناطق غموض! 
وفي الحالتين، فإن من يدفع الثمن هم آلاف التلاميذ والتلميذات من أبناء الشعب “المكرهين” على استكمال مسارهم المعرفي في التعليم العمومي، ليتحولوا، في كل مرة، إلى رهائن ومختطفين في “سفن” لا يعرفون وجهتها.
إن وزارة ترفع شعار الحرص على ضمان حق المتعلمين والمتعلمات في التمدرس، نفسها التي تتحمل مسؤولية التعقيدات القانونية وغياب الوضوح مع الفئات الجديدة الملتحقة بالتعليم العمومي في إطار نمط التعاقد، كما تتحمل مسؤولية الارتجالية وتعدد القرارات والمذكرات والأنظمة، التي حولت الاختيار إلى قنبلة موقوتة.
كما أن الأساتذة الذين يبتزون الدولة، اليوم، بسنة بيضاء ويروجون تعاطفهم مع التلاميذ والأسر، هم أنفسهم من قبلوا، منذ البداية، بهذه الصيغة في التوظيف عن طريق العقود، وهم الذين وقعوا الالتزامات والمحاضر ودفاتر الشروط، التي لم تكن تشير على نحو واضح إلى مسألة الترسيم في الوظيفة العمومية، والتحقوا بالتكوين والتدريس في عدد من المناطق على هذا الأساس.
وبالتالي، فلا مجال لتنصل أي طرف من مسؤوليته وإلقائها في ملعب الطرف الآخر، ولا داعي لدموع التماسيح لتبرير ضياع سنة دراسية أخرى، أو البكاء على مصير وحقوق التلاميذ في التحصيل واستكمال دراستهم، لأن اللعب أضحى مكشوفا أكثر من أي وقت آخر.
فقد تكسب الحكومة، يوما، معركة الأساتذة المتعاقدين، لكن لن تربح حربا ضروسا اسمها التعليم بالأسلحة المغشوشة نفسها، التي قد تنفجر في يدها في أي لحظة..
فحذار من اللعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى