fbpx
خاص

المكفوفون…الموت ولا المذلة

ضحيتان حصيلة معركة عجزت فيها الحكومة عن توظيف 300 عاطل في ظرف سبع سنوات
احتجاجات العاطلين المكفوفين تكاد لا تنتهي، ومعاركهم النضالية، شاهدة على فصولها كبريات شوارع العاصمة. فهم، منذ أزيد من سبع سنوات، ألفوا الخروج للاحتجاج بشكل دوري، أحيانا أسبوعيا، في مسيرات، يجوبون من خلالها شارع محمد الخامس، لتتحول إلى احتجاجات يومية، كلما استبد بهم اليأس وبلغ درجاته القصوى. طرقوا جميع الأبواب. تنقلوا بين مقرات الأحزاب السياسية. هددوا بالانتحار، تارة شنقا وهم يجوبون الشوارع مربوطين ببعضهم البعض، يلف رقابهم حبل، وتارة أخرى حرقا وهم يلوحون بقنينات البنزين، مرددين “الموت ولا المذلة”.. “النتيجة، المئات من ذوي الإجازة والماستر وحتى الدكتوراه،
يرزحون إلى الآن في البطالة ويعيشون على مساعدات المحسنين، وضحيتان في ظرف سبع سنوات من الاحتجاج”.
فمن هم هؤلاء الفئة من العاطلين من حاملي الشهادات؟ وما هي مطالبهم؟ ولماذا ظلت عالقة مع توالي الحكومات المتعاقبة؟

إنجاز: هجر المغلي – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)
لا حديث في اليومين الأخيرين إلا عن حقوق المكفوفين وضعاف البصر المهدورة، سيما في الشق المرتبط منها بالتشغيل، بعد وفاة صابر الحلوي، أحد المكفوفين المعتصمين بسطح وزارة الأسرة والتضامن والمساواة، ليلة الأحد الماضي. وفاة كانت بمثابة الشجرة التي تخفي غابة من المطالب والنضالات والاحتجاجات.
فبمجرد أن ظهرت أول احتجاجات العاطلين حاملي الشهادات التي ارتفعت وتيرتها بعيد إنهاء التوظيف المباشر وتعويضه بنظام المباريات، طفت على السطح احتجاجات موازية لفئة جديدة من حاملي الشهادات، يمثلون هذه المرة ذوي الاحتياجات الخاصة، أساسا المكفوفين وضعاف البصر، توزعوا على 18 مجموعة وهيأة، قبل أن تتوحد جميعها في إطار التنسيقية الوطنية للمكفوفين وضعاف البصر، التي تزعمت نضالات فئة ظل أفرادها يتكاثرون منذ سنة 2011، ليقاربوا اليوم 300 عضو يعانون البطالة، دون أن تسعفهم شهاداتهم العليا وبحت حناجرهم وهم يطالبون، في مرحلة أولى بالالتزام بمرسوم “الكوطا” الذي يكفل لهم 7 في المائة من مجموع المناصب المفتوحة، قبل أن يجهروا بمطلب التوظيف المباشر وتمتيعهم بشرط الاستثناء “سيما أن المطلب لن يكون سابقة، بل سبق أن لجأ إليه عباس الفاسي، عندما كان وزيرا أول في آخر ولايته الحكومية، وساهم في توظيف عدد لا يستهان به”، يشرح عبد الله التوسي، عضو التنسيقية الوطنية.

“القانون هاهو والخدمة فينا هي”
لعقود، اعتبر غياب الإطار القانوني الذي يضمن حق المكفوفين وضعاف البصر في التوظيف أكبر معيق يحرمهم من الولوج إلى الوظيفة العمومية، وفاقم معاناتهم التي استمرت مقترنة بفشل الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول لهذا الملف، إلى أن جاءت حكومة التناوب، عندما قام وزيرها الأول آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي، بإصدار قرار 3.130.00 الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4828 يونيو 2000، نصت مادته الثانية على تخصيص نسبة 7% من مجموع المناصب المالية المقيدة بميزانية إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية حلا لتوظيف ذوي الاحتياجات الخاصة، دون أن يكون ملزما لجل القطاعات الحكومية التي لم تدخر جهدا في التملص منه، وظل الحال على ما هو عليه زمن حكومة ادريس جطو.
حينها ظهرت أولى بوادر الاحتجاج، وصارت مجموعات المكفوفين العاطلين تؤثث فضاءات شارع محمد الخامس. بمجرد أن تنتهي مسيراتها التي استنكرت عدم تفعيل القانون وردد المشاركون فيها شعارات من قبيل “القانون هاهو والخدمة فينا هي”، يتخذ أفرادها مواقعهم على طول الشارع، يستجدون مساعدات المارة، التي تخصص لدعم نضالات المجموعات، ويبيعون علب الكلينيكس، لتأمين مصروفهم اليومي بعدما رفعت الدولة يدها عنهم وأنهكهم الاتكال على أسرهم، محدودة الدخل أصلا.

من استثناء الفاسي إلى “جهل” العثماني  
تنامي وتيرة احتجاجات المكفوفين أرغم حكومة عباس الفاسي، على اعتماد صيغة للتوظيف المباشر، إذ قام الوزير الأول آنذاك بإصدار دورية بتاريخ 14 ماي 2008 دعا فيها كل القطاعات الحكومية إلى ضرورة توفير مناصب شغل بشكل استثنائي واستعجالي لفائدة المكفوفين وضعاف البصر، بعد أن تبينت صعوبة تنزيل وتفعيل بنود قرار اليوسفي. وبالفعل استجابت بعض القطاعات الحكومية من خلال منحها بعض المناصب لفائدة هذه الفئة، “دون أن ينتهي المشكل، لأنه تبين للأسف وجود تلاعبات في المناصب وعمليات بيع وشراء، استفاد منها حتى الأشخاص الأسوياء”، حسب قول التوسي، الذي أقر أن تلك الاختلالات كانت وراء موجة جديدة من الاحتجاجات انتهت بحادث المصعد الشهير الذي راح ضحيته ميلود الحمراوي، وشاءت الصدف أن يتم ذلك في وزارة ترأستها بسيمة الحقاوي ستة أيام بعد وقوع الحادث (29 دجنبر 2011)، “والحق يقال سارعت إلى اللقاء بنا، والتأكيد أنها ستنقل مطالبنا، بل تعمل على تحقيقها، لأنها وزيرة من الحزب الحاكم، وطلبت منا مهلة 3 أشهر لإنهاء الملف تماما مؤكدة أن رئيسها، عبد الإله بنكيران يدعمها وأن الملف محسوم”.
انقضت المهلة، وانقضت معها آمال العاطلين في الحصول على وظيفة، ولم تنفع وعود بنكيران وتدخلاته الشخصية متى حلت وفود المحتجين أمام منزله بحي الليمون، “حتى أن الوضع ازداد سوءا”، يضيف التوسي، إلى أن أصدر بنكيران، متم ولايته الحكومية مرسومين، الأول يقضي بتخصيص نسبة 7% من مجموع المناصب المالية المقيدة بميزانية إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، والثاني ينص على تنظيم مباريات خاصة بذوي الإعاقة يتبارون في ما بينهم بناء على عدد المناصب الوظيفية المخصصة لهم في إطار الحصيص المذكور سالفا، دون أن يغيرا شيئا من واقع المكفوفين المرير.
وبعد مرور سنة ونصف على تنصيب هذه الحكومة الثانية للإسلاميين، برئاسة العثماني، فوجئت هذه الفئة من العاطلين، بتصريح حكومي يرمي إلى تنظيم مباريات لتوظيف الأشخاص في وضعية إعاقة، يندرج في إطار مرسوم المباريات الموحدة للتوظيف ضمن الهيآت المشتركة بين الإدارات، اعتبره المكفوفون مبادرة غير جادة وغير ملزمة للوزارات، لتكون الصدمة “تأكيد رئيس الحكومة أنه يجهل أصلا بمطالب هذه الفئة عندما التقيناه على هامش نشاط حزبي، ما يبشر بسنوات جديدة من النضال أغلبية المتضررين يجمعون اليوم أن نهايتها لن تكون إلا بالتوظيف المباشر”، يقول التوسي.

رأس الحقاوي مطلوب
أجج الحادث الأخير الذي أودى بحياة صابر الحلوي، بعد أن سقط من أعلى بناية وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية غضب المكفوفين، وحشد التضامن معهم ومع مطالبهم من مختلف الفئات، سياسيين ونقابيين وحقوقيين، أجمعوا على تحميل مسؤولية ما يقع اليوم لفئة من العاطلين من حاملي الشهادات، إلى الوزيرة الوصية على القطاع، باعتبارها المسؤول الأول عما وقع، وانتهى بفقدان أحد المحتجين وإن كان جراء حادث عرضي، فالمعتصمون بالوزارة أتموا يومهم الثالث عشر، دون أن ترى الوزيرة أو المسؤولون التابعون لقطاعها، حاجة وجدوى لمحاورتهم، بل إن المكفوفين المعتصمين بسطح البناية ذهبوا حد اتهامها بالتضييق عليهم وحرمانهم من الماء ومن وصول الأكل إليهم. وضع جعل رأس الوزيرة مطلوب، بعد أن ارتفعت أصوات المعتصمين مطالبة باستقالة الحقاوي أو إقالتها، دعمهم في ذلك حقوقيون ونقابيون ليبادر كل من الفريق النيابي ل”البام” والفريق الاشتراكي إلى استدعاء الوزيرة للجنة القطاعات الاجتماعية قصد المساءلة، صبيحة اليوم الموالي لوفاة صابر الحلوي، بعد أن سقط من سطح وزارتها.   
اتهامات بادرت الوزيرة، التي فضلت التواصل بلغة البلاغات ورفضت أي مكالمة هاتفية، إلى نفيها، مؤكدة في بلاغ أصدرته وزارتها مساء أول أمس (الاثنين)، أن “باب الوزارة مفتوح للحوار كما كان دائما، وهذا ما وقع بالضبط مباشرة بعد واقعة اقتحام الوزارة من قبل مجموعة من المكفوفين صبيحة الأربعاء 26 شتنبر الماضي وصعودهم سطح البناية، حيث تم التأكيد على الاستعداد الدائم لمواصلة الحوار، على أساس نزولهم من السطح تأمينا لسلامتهم الجسدية، الشيء الذي تم رفضه من قبلهم”. وأردفت أنه عكس الترويج لتجاهل المعتصمين، حرصت وزارتها منذ أول يوم على فتح كافة قنوات الحوار الممكنة، سواء بالتواصل المباشر مع ممثلي المعنيين أو بالمحادثات الهاتفية، قبل أن تباشر السلطات المحلية حوارها مع المعتصمين، نظرا لخصوصية الوضع أمنيا، إذ تم عقد سلسلة من الاجتماعات الحوارية لم تفض إلى أي نتيجة جراء استمرار تشبثهم بمطلب التوظيف المباشر والاستثنائي.
وبخصوص الرد على مطالبهم، أكدت الحقاوي أن الجهود متواصلة، من جهة لاعتماد المباراة الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، تحت إشراف اللجنة الوطنية الدائمة لدى رئاسة الحكومة المكلفة بتتبع سير المباريات الخاصة، إذ من المنتظر أن تنظم المباراة الخاصة الأولى نهاية هذه السنة، بالموازاة مع تضمين قانون المالية المقبل بندا لتيسير تنظيم المباراة الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة للتحقيق الفعلي لنسبة 7 بالمائة، في الوقت الذي تعمل الوزارة فيه على تطوير خدمات صندوق دعم التماسك الاجتماعي المتعلقة بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، بما ييسر الاستفادة من تمويل الأنشطة المدرة للدخل، الذي يصل إلى 60 ألف درهم.

سعيد… قصة كفاح
قبل 31 سنة، رأى سعيد العلمي النور داخل أسرة متوسطة، بتازة. مرت سنواته الأولى بشكل طبيعي، لهو ومرح وسعادة، كباقي أقرانه. لم يشك أي عرض من شأنه أن ينغص عليه حياته. لكن، الرياح لا تجري دوما بما تشتهي السفن، إذ بمجرد أن بلغ ربيعه الثامن بدأ يشعر بتناقص حدة النظر، تناقص تم بشكل سريع، لم يمهل العائلة في اتخاذ الإجراءات اللازمة، ليجد نفسه بين ليلة وضحاها في ظلام دامس، انقلب معه نهاره إلى ليل وصارت العتمة رفيقه المؤنس، “اكتشفنا بعد عشرات الفحوصات أنه لا مرد لقضاء الله، وأن الأمر يشبه مرضا وراثيا، علمت بعدها أن أفراد من عائلتي أصيبوا به في السابق”، يحكي سعيد.
نزل الخبر كالصاعقة على أسرة سعيد ودخلت في دوامة من اليأس والإحباط، لن تتخطاه إلا بعد ثلاث سنوات، طرقت خلالها أبواب الجمعيات التي تعنى بأطفال في مثل وضعيته، واهتدت إلى إيداع طفلها معهدا تابعا إلى مؤسسة محمد الخامس لإنقاذ الضرير، مقره بفاس، ولجه بعد أن كان يبلغ من العمر 10 سنوات، “تلقيت التعليم الأساسي والتأهيلي بالمعهد، كنا نستعمل أدوات بسيطة، تكفلها تقنية “برايل” فقط، حتى حصلت على الباكالوريا، مسلك آداب، فللأسف نحن المكفوفون وضعاف البصر، حتى وإن رغبنا، محرومون من ولوج الشعب العلمية ومحكوم علينا الاختيار بين الشعب الأدبية. مرت 12 سنة كأنها الدهر، فسعيد الذي كان يعتمد كليا على عائلته، وجد نفسه يعيش في مدينة جديدة ونظام داخلي، مجبرا على الاعتناء بنفسه والتأقلم مع وضعه الجديد”.
حصوله على الباكالوريا حفزه لمواصلة تعليمه العالي، وبالفعل تحقق له ما كان يرغب فيه، ففي 2011، التحقت بكلية ظهر مهراز بفاس، شعبة القانون”، يروي سعيد الذي أقر أن قبوله بها سيكون بوابة انفتاحه على العالم الخارجي “فبعد العائلة كنا في المعهد نعيش حياة منغلقة، صحيح تربطنا علاقات الصداقة والأخوة، لكننا كنا ننتمي إلى الفئة ذاتها، مشاكلنا نفسها، كما أفراحنا وأحزاننا، في الجامعة الأمر يختلف، كنت في فوج يضم 1200، وكنت الطالب الضرير به، ما يعني أنني مجبر على بذل مجهودات مضاعفة، فالجامعة لم تكن تقدم أي تسهيلات، ولا تعترف أصلا بحاجيات أمثالي، الأستاذ يلقي محاضرته، وأنا علي تدبر أموري، مسموح لي فقط خلال الامتحانات بمرافق”. يعترف سعيد أنه لاقى صعوبات كبيرة في البداية، قبل أن يتأقلم مع محيطه الجديد، وينسج علاقات صداقة، كانت سنده الرئيسي، جعله في مرحلة أولى يندمج بشكل طبيعي، وفي مرحلة ثانية يتمكن من التفوق ونيل الإجازة صيف 2014.
ظن خريج الجامعة آنذاك أن مشاكله انتهت، وأن شهادته ستفتح أمامه أبواب الشغل الكريم على مصراعيه، “ظننت في البداية أن تفوقي من جهة وتخصص شهادتي كفيلان بحصولي على وظيفة، إلا أن لا شيء من ذلك حصل، فبعد أربع سنوات وأنا أعيش العطالة، أكتري مع أصدقائي غرفة في الرباط، نسدد فاتورتها بالاعتماد على تبرعات المحسنين ومساعدة الأصدقاء، تصر كل القطاعات على تذكيري أن المغرب لا يعترف بذوي الاحتياجات الخاصة، ولا يهم سنوات النضال ومسار الدراسة المزروع بالأشواك، ولا قيمة للشهادة التي حصلت عليها، وحده الإكراه البدني ما يؤخذ بعين الاعتبار، فحتى كوطا 7 في المائة ومضامين الاتفاقية الدولية للنهوض بالأشخاص في وضعية إعاقة التي صادق عليها المغرب منذ 2009 مجرد حبر على ورق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى